إضافة تعليق جديد

صورة عبد من عبيد الله

فهم خاطئ

في البداية، اعلم -أخي الكريم- أن النقاش والحوار الحقيقي الذي يوصل صاحبه إلى الحقّ، لا علاقة له بالسّلم والتعايش والمحبّة، فالمتمرّد الذي يشعل فتيل الحرب، يلبس أزياء متلوّنة، تارة بلباس القَبَلِيّة والحَمِيّة، وتارة بلباس الدين، وتارة أخرى بِأَلْبِسَةٍ أخرى.
وهذه سيرة النبي الأكرم (ص) وأهل بيته المعصومين (ع) شاهدة على ذلك، فلماذا النبي الأكرم (ص) لم يعمل فقط على السلم الأهليّ في مكة ثم ينتقل منها إلى باقي المُدُن ويحقق الأمن فقط؟!!!! ولعله لن يواجه مشاكل كما واجه محاولات القتل هو وأصحابه ومُرِيدُوه وأتباعه الذين رأوا نور الحقّ بازغًا فلم يغمضوا أعينهم ويتجاهلوه!!!
وهكذا أهل بيته (ع) يحترمون خصومهم وأعداءهم ومناوئيهم حتى في أحلك الظروف وهي الحرب!!!!!!
وفي نفس الوقت يدعون بعض المخالفين للالتحاق بِركب الهداية، فهل هم غير مكترثين بالسّلم وما شاكل ذلك؟!
كلا، يستحيل أن يكون هناك أحد أشدّ حرصا على هذا من المعصومين سلام الله عليهم.

وبعد،

هناك فرق بين الأمر الذي يفيد الإرشاد أو النَّدب (الاستحباب) أو الأمر الحقيقي
وهذه مشكلتنا، نعترض بلا فهم -وأنا لا أقصدك أخي الكريم فلا تفهمني خطأ-
أنت حينما تدعو الله عز وجل في قنوتك بالدعاء الوارد في القرآن الكريم:
رَبَّنَا ** آتِنَا ** في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
- هل أنت هنا تأمر ربَّك وتتجرّأ عليه؟
- كلا، وحاشى.
- إذن لماذا استعملت صيغة الأَمر؟؟؟
- لأن صيغة الأمر لا تدلّ دائما على المعنى الحقيقيّ، وهذا يُعرَفُ بالأغراض البلاغية للأساليب الخَبَرِيّة والإنشائيّة (ابحث لتستفيد أكثر).
- طريقة تحديد المعنى المُرَاد إيصاله يعتمد على ملاحظة الظروف وأسلوب الكلام.

ثُمَّ إن موضوع السؤال يتعلق بخطاب الإمام الحسين الشهيد (ع) لأصحابه (رض)، وإن لم تكن تعلم فيجب أن تعلم: أن أنصار الحسين (ع) لا يوجد لهم مثيل يصل إلى درجة من درجاتهم، فأنصار الإمام (ع) في الشدّة ليسوا كأنصاره في الرخاء طَبْعًا، أليس الله تعالى يقول: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم)، فهم في النهاية يريدون رضوان الله عز وجل من خلال نصرة الحسين (ع).

وبالإضافة إلى هذا، يجب أن تعلم - أخي الفاضل - أنه وَرَد عن النبي اﻷكرم صلى الله عليه وآله أنه قال:
أُمِرْنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم.
كما ورد عنه (ص) أنه قال:
ما أنت مُحَدِّثٌ حديثًا لا تَبْلُغُهُ عقولُهم إلا كان على بعضهم فِتْنَة (!!!)

فالإمام الحسين (ع) يخاطب أصحابه الأجلاء العظماء على قدر عقولهم التي بَلَغَتْ مرتبةً لا تُضَاهَى في علمها ويقينها و... .
ثمّ إن الأمر لو كان كما ذَكَرْتَ من أن بقاء أنصار الإمام الحسين (ع) معه هو عصيان واجتهاد في مقابل النصّ، فما هو إلا اشتباه كبير، فأين ردّة فعل الإمام (ع) لعصيان أصحابه (رض) كما تقول؟!
ومن جهة أخرى، لا وجه للمقارنة بين هذا الموقف وذاك الموقف، فأنصار الحسين (ع) لم يعصوا أوامره ولم يُجَابِههُم الإمام (ع)، بينما أولئك الذين ذَكَرْتَهُم فهم عَصَوا أمر الرسول (ص) الصريح، وعارضهم الإمام علي (ع) معارضة صريحة، وكذلك عارضتهم ابنة النبي (ص) السيدة فاطمة الزهراء (ع) الذي قال عنها الرسول (ص): (يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها) - إن قلت إن الرسول يتكلم بمنطق عاطفة وَمَيْل مُجَرَّد فقد اجترأت على الرسول (ص) بل اجترأت على الله عز وجل حيث يقول في كتابه: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) -

(لاحظ: أن الظروف تحدد صراحة الأمر والنهي من عدمه، فلا تلبس الحق بالباطل، الرسول (ص) أكّد مرارا وتكرارا على خلافة أمير المؤمنين (ع) الإلهيّة، والإمام الحسين (ع) لم يؤكد ولم يُعِدْ مقالَتَه لأصحابه بل إنه قد شَكَرَهُم على ثباتهم!!!! بل وقد صرّح لأخته السيدة زينب (ع) بأنه قد بَلاهُم (أي: اختَبَرَهُم ومَحَّصَ صدقهم وإخلاصهم حتى لا يُسَلِّمُوه عند الوثبة!! فلا أدري لماذا كل هذه الإشكالات والشبهات الوهمية التي يجب أن يُسَدَّ بابُها بعدَ اطّلاعنا على اﻷحداث والمواقف الجارية بعدَ المواقف التي يُشْكِل عليها أولئك!)

ومن ثَمَّ فأولئك لم يقوموا بما قاموا اتّباعًا لاجتهادٍ خاطئ رغبةً في تحقيق مصلحة الإسلام حسب تشخيصهم، والردّ الذي يخرس الألسُن التي تُشِيع هذه الشبهة هو: هل النبيّ (ص) هو الذي يشخص مصلحة الدين الذي بُعِثَ لأجله أم أولئك؟!!! عَجَبًا!!
حتى لو قالوا بأن أمير المؤمنين (ع) كانت القلوب تمتلئ عليه غيظًا وحَنَقًا بسبب صولاته ضدّ أهل الكفر والشرك ويقولون بأن المنافقين والمؤلفة قلوبهم سيعارضون خلافة الإمام علي(ع)؛ فلماذا لم يفكروا في مؤازرته وتقديم النصح والمشورة له (مع أنهم كاذبون ومع أن الإمام (ع) لا يحتاج إليهم قط) ولماذا لم يعقدوا النيّة على مؤازرته كما يُظْهِرون أنفسهم أنهم آزروا الرسول (ص) علىيهم من قبل؟ ولماذا لم يناقشوا النبي (ص) في حياته حول خلافة الأمير (ع) وحول الحفاظ على المصلحة الإسلامية التي يحرصون عليها أشدّ من حرصهم على أنفسهم إن كانوا صادقين؟! إلا أنهم يعلمون بطلان قولهم الذي لا يُسْكِتُ إلا أفواه الضعفاء العقول من أجل تهدئة الساحة لهم، هؤلاء إن صَدَقوا في كذبهم فهم مصداق جَلِيٌّ لقول الباري (عز وجل): (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)
فإن أسكتونا بحجّة عدم امتلاك دليل على انطباق الآية عليهم، فإننا نُلْزِمُهُم بِما ألزَمُوا بِهِ أنفسَهُم، أَوَلَيْسُوا هم القائلين: (حَسْبُنَا كتاب الله)؟!! فهذا كتاب الله !!
فإن قالوا: كلا، إنما الآية تقصد كذا وكذا.
فنقول لهم: ها أنتم أَدْلَيْتُمْ بِدَلْوِكُمْ وطالبتمونا باتّباع تفسيراتكم وتأويلاتكم مع كتاب الله!! فأين الاكتفاء بكتاب الله؟!!!
ثمّ إن كتاب الله الذي تطالبون بالاكتفاء به يقول:
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
لاحظ، الله عز وجل يهدّد من لا يطيع النبيّ (ص) تهديدًا عظيمًا!!!
وهذه هي الآية تأمرنا بصريح العبارة بإطاعة الرسول (ص)، وفي موضع آخر يقول الله عز وجل في كتابه الكريم:
(وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى)
وما ** ينطق ** ... (!!!)
في المعجم:
نَطَق الشخصُ بكذا: لفظ، تكلَّم بصوت وحروف تُعرف بها المعاني.
النُّطْقُ : اللَّفظُ بالقول.

وهل النبيّ (ص) كان في حياته لا يتلفّظ إلا بالقرآن؟!! كلا، كان يأمر وينهى..
والله عز وجل يقول بصريح العبارة: وما ينطق عن الهوى. !
ثمّ يضيف -عزّ وجلّ- بما يورث اليقين التامّ: (إِنْ هو إلا وحيٌ يوحى) !!
وهذا أسلوب يسمّى -في اللغة العربية- أسلوب الحَصْر، وهو يفيد التأكيد !!!
والمعنى الإجمالي الذي أريد بيانه هو أن كل ما يلفظه النبي (ص) في حياته، في المسجد، في منزله، في سفره، في حضره، في الحرب، في السلم، أوامره، نواهيه، إرشاداته، ووو.... كلها وحي يوحى!!! لستُ أنا من يقول هذا، بل الله عز وجل هو من يقول هذا!!!!

يقول عز وجل: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ)

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

ولا تنسونا ووالدينا من صالح الدعوات.

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
التحقق
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا