الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ما هو الدليل العقلي على أن القرآن منزل من اللَّه تعالى؟

نص الشبهة: 

كيف يقوم الدليل العقلي على أنّ القرآن هو منزل من اللَّه تعالى ، وينفي أن يكون من صنع الملائكة أو الجنّ الصالحين . نعم إنّ العقل ينفي أن يكون القرآن من شخص الرسول صلى الله عليه وآله لكونه اُمّياً ، لم يدرس ولم يتعلّم من أحد . ولكنّه لم يقم على أنّ القرآن منزل من اللَّه تعالى دليل عقلي .

الجواب: 

يحتوي السؤال على نقاط :
1 ـ إنّ القرآن الكريم ، ليس من صُنْع الرسول صلى الله عليه وآله لأنّه كان اُمّياً لم يدرس ولم يتعلّم عند أحد ، فالعقل يمنع أن يكون القرآن منه .
2 ـ احتمال أن يكون القرآن من صُنْع الجنّ الصالحين أو الملائكة .
3 ـ لم يدلّ العقل على أنّ القرآن منزل من اللَّه تعالى .
أمّا النقطة الاُولى : فالقرآن ليس من صنع الرسول صلى الله عليه وآله والدليل على ذلك ليست هي الاُمّية فقط ، لأنّ مَن لم يكن اُمّياً ، حتّى لو كان من كبار العلماء ، لم يتمكّن من الإتيان بمثله . فالاُمّية ليست هي الدليل الوحيد على ذلك ، بل هي ـ لو ثبتت بهذا المعنى ـ ملزمة للآخرين الذين كانوا يثيرون الشُبَهَ ضدّ القرآن ، بأنّه « علّمه بعض الأعجمين » . بل الدليل على ذلك هو إعجاز القرآن ـ الذي ثبت بالعيان ـ فَعَجَزَ عن معارضته جميع بني الإنسان حتّى العلماء العظام من أهل الأديان .
ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله نفسه أعلن عن عدم كونه منه ، وهذا الإقرار منه أدلّ على نفيه ، من دون حاجةٍ إلى مثبت أو قافٍ ، لنفوذه عليه بلا ريب ، وهو الصادق الأمين قبل البعثة بالنبوّة ، ولو ادّعاه لم يكن لأحدٍ أن يكذّبه . هذا كلّه ، مع أنّ الاُمّية بمعنى عدم معرفة الكتابة والقراءة ، ممّا لم تثبت للنبي صلى الله عليه وآله ولعلّ في نسبتها إليه إساءةٌ بمقامه الشريف ، الذي يفرض عليه أن يكون أكمل الناس ، والكتابة كمال بلا ريب حتّى عند أهل الجاهلية الذين كانوا يسمّون من يعرفها بالكامل ، فكيف لا يكون النبيّ صلى الله عليه وآله عارفاً بها؟! والاُمّية ، نسبة إلى « اُمّ القرى » وهي مكّة المكرّمة ، كما أنّ عدم قيامه بالكتابة ، وعدم قراءته للكتاب ، لا يستلزم عدم معرفته صلى الله عليه وآله لهما ، فإنّه أعمّ . وقد دلّت حوادث من السيرة على مزاولته صلى الله عليه وآله لهما بعد البعثة .
وأمّا النقطة الثانية : فإحتمال أن يكون القرآن من صنع الملائكة أو الجنّ الصالحين . فلا ريب أنّ الصلاح الثابت لهم يمنع أن يقوم هؤلاء بأمرٍ من غير اللَّه ، ﴿ ... بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ 1 ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ ... 2 .
مع أنّ الإعجاز الثابت للقرآن يعمّ تحديه كلّ المخلوقات التي يمكنها صنع الكلمات والجمع ، ولذلك قال تعالى : ﴿ ... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا 3 .
فكلّ من هو غير اللَّه ، ينتفي عنه الإتيان بمثل هذا القرآن ، ولذلك عمّم القرآن نفسه التحدّي به فقال : ﴿ قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا 4 فكيف بالجنّ وحدهم؟ .
مع أنّ مثل هذه الدعوى رَجْمٌ بالغيب ، وممّا لا يثبته دليل ، وليس له في عالم الوجود مثيلٌ ، والقرآن بنصاعة نصّه ، وروعة بيانه ، وعمق برهانه ، وكمال هديه ، أرفع من أن ينسب إلى هذه الخرافات . وبعد ثبوت حجّيته ، فهو المنادي بوضوح العبارة أنّه من اللَّه منزل ، وإلى نبيّه مرسل ، نزل به الروح الأمين ، شديد القوى ، على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله .
وأمّا النقطة الثالثة : فالعقل إنّما يُثبت الكلّيات ، ولا يتنزّل إلى المفردات ، مثلاً : العقل لا يثبت أنّ زيداً ولده والداه ، ولا دليل له على ذلك ولا طريق ، ولكنّه يثبت أنّ زيداً لابدّ أن يولد من والدين من اُمّ وأب ، وبما أنّ أحداً لم يدّع ولادة زيد سوى أبويه ، وأنّ أقاربه يشهدون ويقرّون بذلك ، ولم يعارضهما أحد ، وأنّ زيداً نفسه يُصرّح وينادي بذلك ، فالعقل لا ينفي هذا الموجود من نسب زيد . وإذا انحصرت الطرق في ذلك ، أقرّ العقلاء به ، أمّا أن يكون هناك دليل عقليّ ـ مثل النقيضان لا يجتمعان ـ على أنّ زيداً هو مولود من كلّ من الأب المعيّن والاُمّ المعيّنة ، فليس من شأن العقل ذلك ، ولا طريق له إليه . والقرآن ، وهو هذا النصّ الخاصّ ، المعجزة التي يعجز عن الإتيان بمثله أي أحد من البشر أو الجنّ أو الملائكة ، لابدّ أن يكون له مصدر فوق هؤلاء ، وهو ـ أي القرآن ـ ينادي أنّه من اللَّه ووحيه ، والرسول الذي جاء به وصدع ببيانه ونشره وجاهد في حفظه وتثبيته وكتابته ، لم يدّع أنّه من صنعه ، بل نسبه إلى اللَّه تعالى ووحيه .
فلم تبقَ دعوى اُخرى تعارض هذه النسبة ، أو تنافيها ، فلابدّ للعقلاء أن يعترفوا بها ويسلّموا لها . وهذا هو الدليل العرفي والعقلائي على إثبات الجزئيات ، التي لا طريق للعقل إلى دركها 5 .