الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

علي عليه السلام و مبايعوه

نص الشبهة: 

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول أحد الدعاة للوحدة في كتاب له تحت عنوان: «حل الاختلاف بين الشيعة والسنة في مسألة الإمامة»: «..ثم من ناحية أخرى، نعلم جميعاً أن الذين قاتلوا تحت راية أمير المؤمنين تأييداً لحكومته ودفاعاً عنها ضد من خرجوا عليه، وقُتلوا في هذا السبيل، في معركتي الجمل وصفين، يُعدون، باتفاق الشيعة الإمامية، وسائر فرق الشيعة، شهداء من أهل الجنة، هذا، مع أن أغلبهم كانوا من أهل السنة الذين بايعوا راغبين، الخلفاء الراشدين السابقين، قبل أن يصل الدور لعلي عليه السلام، فيبايعوه، وهذا يقيني، لأنه لو كان كل هذا الجمع العظيم من الأنصار، منذ البداية، من الشيعة المعتقدين بأن علياً هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل، لكان علي عليه السلام، قادراً من البداية بالاستعانة بهذه الأكثرية من الصحابة، على أن يصرَّ على منصب خلافته، ويستعين بهم للوصول لحقه المشروع، مع أن شيئاً من هذا لم يحصل. وبالتالي، فليس هناك من شك في أن أغلب أولئك المقاتلين مع علي كانوا من أهل السنة والجماعة، وقد أشار علي عليه السلام، نفسه لهذا الأمر في رسالة من رسائله لمعاوية التي قال فيها: «إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه» (نهج البلاغة، الرسالة السادسة من باب الرسائل، ص 366 و367.). ومع ذلك، فإن الشيعة والسنة، اليوم ومن قبل، متفقون ومجمعون على أن شهداء صفين والجمل، من أهل النجاة. وعدَّهم علي حسبما نقل عنه في نهج البلاغة وغيره، من أهل الجنة، حيث قال: «ما ضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم وهم بصفين أن لا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص، ويشربون الرنق، قد، والله لقوا الله، فوفاهم أجورهم، وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم» (نهج البلاغة القسم الأول الخطبة رقم 181.).

سيدنا الكريم: هل ما ذكره واستدل به هذا الداعي للوحدة الإسلامية صحيح؟ الرجاء إيفاء الموضوع حقه من النقاش العلمي، لأن كثيراً من السنة الذين أناقشهم على الإنترنت يستدلون بمثل هكذا كلام.

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..

فإن ما قاله هذا الداعية للوحدة الإسلامية غير صحيح، بل هو يتضمن خداعاً ومكراً يمقته الله، ونحن نوجز ملاحظاتنا على كلامه بما يلي:

الشهداء مع الإمام علي عليه السلام

بالنسبة لقوله: إن الذين قاتلوا مع أمير المؤمنين عليه السلام ضد أعدائه وقتلوا في هذا السبيل هم شهداء ومن أهل الجنة.
نقول: إن هذا كلام صحيح..
لكن قوله: «مع أن أغلبهم من أهل السنة، الذين بايعوا راغبين، الخلفاء الراشدين السابقين، قبل أن يصل الدور لعلي» ثم استشهاده بكلام الإمام علي عليه السلام حول نجاة شهداء الجمل وصفين.. غير صحيح، لأكثر من سبب..
فأولاً: من الذي قال: إن الذين استشهدوا مع الإمام علي عليه السلام في حرب الجمل. قد بايعوا طائعين لمن سبقه عليه السلام، فإن الإكراه على البيعة كان هو الأساس في بيعة من سبقه عليه السلام، خصوصاً في البيعة لعثمان، التي أمر عمر بن الخطاب نفسه بقتل من يعارضها من أصحاب الشورى أنفسهم، فهل يجرؤ غيرهم على رفضها أو التشكيك فيها بعد هذا؟!
فقد كان أصحاب الشورى ستة، وقد أمر أن يجتمعوا في بيت، فلا يخرجوا حتى يبايعوا أحدهم، فإن خالف واحد قتل، وإن خالف اثنان قتلا، وإن خالف ثلاثة، أمضي رأي الذي من بينهم عبد الرحمن بن عوف، وقتل الثلاثة الآخرون.. 1.
ثانياً: إنه حتى لو كان ثمة من بايع طائعاً، فمن الذي قال: إنه لم يتراجع عن موقفه، ولم يتب إلى الله مما كان منه، وقد ورد: أن كثيرين ممن بايع أبا بكر قد رجع إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وتاب وندم وأناب، وكان الراجعون إليه أولاً اثنا عشر، وقد ذكر العلماء في مؤلفاتهم ومنهم الطبرسي في الإحتجاج وغيره أنهم احتجوا على أبي بكر، حتى استقال أبو بكر ولكن من معه عادوا فقوَّوه وثبتوه وشدوا من أزره..
ثم إن أبا بكر لم يجرؤ على جعل الأمر شورى من بعده بل عهد بها إلى عمر، كما أن عمر حصرها في ستة علي سادسهم، ولم يكن يحبه من الخمسة أحد، كما أظهرته الوقائع..
ثالثاً: إنه حتى لو لم يتب الذين بايعوا الخلفاء السابقين على علي عليه السلام، فلماذا لا يقال: إن الحصول على درجة الشهادة يمحو ذلك الذنب الذي صدر من ذلك الشهيد؟!
رابعاً: إن مجرد بيعتهم للخلفاء الذين سبقوا أمير المؤمنين عليه السلام لا تجعلهم من أهل السنة، فلعلهم بايعوا بسبب شبهة حصلت لهم، أو طمعاً في الدنيا، أو لغير ذلك من أسباب..
ونحن نرى في أيامنا هذه: أن هناك سنة وشيعة، يبايعون من يخالفونهم في الاعتقاد، والمذهب، ولا يقول أحد: إن البيعة قد جعلت الشيعي سنياً، والسني شيعياً.. ولا يفرزون الناس على أساس بيعتهم، فيعرفون السني ببيعته، والشيعي بامتناعه، أو العكس.. بل يصنفونهم وفق ما يصرحون به من اعتقادات..
خامساً: إن المراد بنجاة المقتولين في الجمل وصفين هو أن رايتهم رأية نجاة، وليس بالضرورة أن يكون كل من قتل تحتها يكون ناجياً، فإن بعضهم قد يقاتل من أجل الدنيا وحطامها، وقد يقاتل حمية وعصبية، ومنهم من يقاتل على الأحساب، أو من أجل منصب، أو لأي سبب آخر وهناك شواهد كثيرة في تاريخ الصحابة الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله، فهناك من قتل معه، وقد صرح بأنه إنما يقاتل على الأحساب!!، وهناك شهيد الحمار، وغير ذلك.
سادساً: إنه لم يكن في تلك الحقبة شيعي وسني، بل كان هناك موال للإمام علي عليه السلام، وموال لغيره. وأما العبادات، والاعتقادات، فكانت واحدة، وإنما حدثت الاختلافات والمذاهب بعد ذلك، وذلك حينما ظهر من يتعمد مخالفة علي عليه السلام، وأهل بيته عليهم السلام، في كل ما قدر عليه من قول أو فعل..
فهذا التصنيف باطل من الأساس.. وهذا يؤكد أن البيعة والولاء قد كانت لهما أسباب أخرى، ليست هي التسنن أو التشيع بمعناه المعروف في هذه الأيام..

لو كان الأنصار شيعة

وحول قوله: «لأنه لو كان كل هذا الجمع العظيم من الأنصار منذ البداية من الشيعة المعتقدين بأن علياً هو خليفة النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل، لكان علي عليه السلام، قادراً من البداية بالاستعانة بهذه الأكثرية من الصحابة، على أن يصر على منصب خلافته»..
إن هذا القول غير صحيح أيضاً، وذلك لما يلي:
أولاً: لا شك في أن أكثر الناس يحبون السلامة، فإذا رأوا الأعين محمرة على أمر، ولم تكن لديهم حوافز للدفاع عنه، تفوق في أهميتها عندهم ما سوف يقدمونه من أجله من خسائر، وتضحيات فإنهم سوف ينصرفون عن التصدي للمطالبة به، والدفاع عنه..
والأمر في هذه القضية من هذا القبيل تماماً.. فقد رأينا أن هؤلاء الأنصار أنفسهم لا يعترضون ولا يحركون ساكناً حينما قال قائلهم للرسول صلى الله عليه وآله: إن النبي ليهجر [أو نحو ذلك]، وحينما هوجم بيت السيدة الزهراء عليها السلام، وجاؤوا بقبس من نار لإحراق ذلك البيت، رغم معرفتهم بخطورة ما صدر من ذلك القائل، وبخطورة ما يجري على السيدة الزهراء عليها السلام..
كما أنهم سكتوا عن المتخلفين عن جيش أسامة، وسكتوا عن الذين نفَّروا برسول الله صلى الله عليه وآله ناقته في ليلة العقبة، وسكتوا على الذين رفعوا أصواتهم فوق صوت النبي في يوم عرفة، حتى ليقول جابر بن سمرة ـ كما في صحيح مسلم وغيره ـ: فقال كلمة أصمَّنيها الناس..
وفي نص آخر: فضج الناس..
وفي نص آخر: أو فصاروا يقومون، ويقعدون، ونحو ذلك..
وقد أشفق هؤلاء الأصحاب أيضا أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وقد لامهم الله تعالى على تثاقلهم عن الجهاد في سبيل الله، بل إنهم كانوا إذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها، وتركوا النبي صلى الله عليه وآله قائماً.. ﴿ ... قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ... 2.
ثانياً: إن هؤلاء الأنصار قد رأوا بأم أعينهم: كيف أن بني أسلم قد ظهروا فجأة في بلدهم الصغير جداً والذي قد لا يصل عدد سكانه إلى بضعة آلاف.
وكان هؤلاء الذين ظهروا من الكثرة بحيث تضايقت بهم سكك المدينة، وقوي بهم أبو بكر، كما يقول المؤرخون، ويقول عمر: إنه لما رأى قبيلة أسلم أيقن بالنصر، بل في بعض النصوص: إن أكثر من أربعة آلاف مقاتل، قد ظهروا فجأة في المدينة، وكان خالد على ألف منهم، وغيره على ألف، وهكذا..
وتذكر نصوص تاريخية وروائية: أنهم صاروا يسحبون الناس للبيعة ويهينونهم، ويجبرونهم على مبايعة أبي بكر، شاؤوا أم أبوا، ثم صاروا يذهبون إلى من جلسوا في بيوتهم، وتغيبوا، فيستخرجونهم منها قهراً، ويأتون بهم إلى المسجد ليبايعوا..
وماذا ينفع الجمع العظيم من الأنصار في مثل هذه الحالة؟! ما دام أنه لا يقدر أحد منهم على الوصول إلى الإمام علي عليه السلام، وهو محاصر في بيته لنجدته، وقد كان بيته في داخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، مقابل المنبر الذي يبايع الناس عليه أبا بكر. ولا يفصل المنبر عن بيت الإمام علي عليه السلام سوى بضعة أمتار قد تزيد على عدد أصابع اليد الواحدة بيسير..
وعن بني أسلم نقول: لقد كانت هذه القبيلة تعيش في أطراف المدينة هي وقبيلة أشجع، وغفار، وكانت هذه القبيلة أعرابية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، ولعل قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... 3. قد جاء ليشير إلى هذه القبيلة بالذات.
فإذا كان النفاق مستشرياً إلى هذا الحد في نفس المدينة وفيما حولها.. وقد أعلم الله رسوله بحقيقة هؤلاء المنافقين، ربما من أجل الإشارة إلى هذه الأحداث المؤلمة التي كان الرسول صلى الله عليه وآله يحمل همها قبل وفاته صلى الله عليه وآله، وسيعاني منها أمير المؤمنين عليه السلام بعد ذلك..

والخلاصة

أنه قد ظهر: أن تقسيم الناس في زمن الرسول إلى شيعة وسنة تقسيم غير دقيق، بل هم إما مطيع لأوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وإما عاص. وإما مؤمن صحيح الإيمان، وإما منافق..
وقد ظهر: أن الذين يرغبون في مخالفة أمر الرسول، يملكون قوة، ولهم مؤيدون.. وأما سائر الناس العاديين، فكانوا يخضعون للترغيب وللترهيب، وكان حبهم للسلامة، والابتعاد عن المصادمات هو الأقوى، والأكثر ملاءمة لهوى نفوسهم..
ثالثاً: هل وجد الإمام علي عليه السلام فرصة ليدعو الناس إلى نصرته؟!
أليس قد حوصر بيته وهوجم، وهوجمت زوجته، واعتدي عليها بالضرب المبرح، بمجرد أن فرغ من غسل وتجهيز، رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم الصلاة عليه، وحفره قبره ودفنه.
فإنهم بمجرد أن استشهد رسول الله صلى الله عليه وآله منعوا من إعلان موته، حتى انضم بعضهم إلى بعض، ثم ذهبوا إلى سقيفة بني ساعدة، وألقوا الخلاف بين الأنصار، وبايع أفراد قلائل منهم أبا بكر، ثم عادوا سراعاً إلى الإمام علي عليه السلام، وكان قد فرغ من دفن النبي لتوه، فهاجموه، ثم حاصروه.. حتى جاءت بنو أسلم، وجرى ما جرى حسبما بيَّناه..
فما معنى قولهم: إنه عليه السلام: «كان قادراً منذ البداية بالاستعانة بهذه الأكثرية من الصحابة»..
إن الصحابة الذين يتحدث عنهم هؤلاء هم الضعفاء، والمستضعفون، الذين حاصرهم الغزاة في بيوتهم، وفرضوا عليهم ما أرادوا، والذين كاثروهم بني أسلم، وأرهبوهم، وأهانوهم ولم يكن يمكن للإمام علي عليه السلام، أن يتصل بأحد منهم، ولا كان يمكن لأحد منهم أن يصل إلى الإمام علي عليه السلام..
والذي أكد هذه الرهبة وعمقها هو أن مكة كانت قد فتحت، وأن القبائل كانت قد أعلنت الإسلام طوعاً في الظاهر، وكرهاً واستسلاماً للأمر الواقع في الباطن..
وهؤلاء ـ أعني أهل مكة، ومن أعلن الإسلام قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وآله ـ حين يرون أن الخلافة تزوى عمن يكرهون، ومن قتل أحبَّتهم، وتصل إلى من هو أحب وأقرب إليهم منه، فلماذا لا يكونون معه، وإلى جانبه، وإذا ما كان النصر حليف هؤلاء، فإن على الأنصار والضعفاء والمستضعفين، أن يحسبوا للعواقب ألف حساب.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين 4.

  • 1. راجع: أنساب الأشراف ج 5 ص16 ـ 18 والإمامة والسياسة ج 1 ص23 والعقد الفريد ج 2 ص257..
  • 2. القران الكريم: سورة الجمعة (62)، الآية: 11، الصفحة: 554.
  • 3. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 101، الصفحة: 203.
  • 4. مختصر مفيد.. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، سماحة العلامه السيد جعفر مرتضى العاملي، «المجموعة السابعة»، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1423 ـ 2002، السؤال (378).