مجموع الأصوات: 6
نشر قبل 3 أسابيع
القراءات: 172

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

تشيع سلمان الفارسي

إن الباحث حين يتتبع ما كتب حول الشيعة والتشيع ، يجد أن سلمان الفارسي ( رضي الله عنه ) ، أول من يذكر في هذا المضمار بعد بني هاشم ، وما ذلك إلا لاشتهاره في هذا الأمر لدى العامة والخاصة وتكريس نفسه له .

قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني :

إن لفظ الشيعة على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان لقب أربعة من الصحابة سلمان الفارسي ، وأبي ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، والمقداد بن الأسود .

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي :

كان سلمان من شيعة علي ( عليه السلام ) وخاصته ، وتزعم الإمامية أنه أحد الأربعة الذين حلقوا رؤوسهم وأتوه متقلدي سيوفهم في خبر مفصل طويل 1.

لقد كان سلمان الفارسي ( رضي الله عنه ) ممن نادى بالتشيع ، ودافع عنه في أكثر من موطن ، ولم يكن تشيعه عاطفيا يقتصر على حب أهل البيت فحسب ، بل تشيعا مبدئيا ينادي بأحقية علي ( عليه السلام ) في الخلافة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بلا فصل ، وكان يدعو المسلمين إلى ذلك بكل وضوح وجرأة مستندا في ذلك لما سمعه من الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) في حق علي أمير المؤمنين وأهل البيت ( عليهم السلام ) في مواطن كثيرة وآخرها يوم غدير خم حينما رفع بضبع ابن عمه ، معلنا خلافته وولايته بعد قوله : " من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله "2.

والذي يظهر من بعض النصوص حول هذا الموضوع أنه كان ( سلمان ) أول من دعا المسلمين لمبايعة أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) ، كما روي ذلك عن جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليهم السلام ) ، قال :
خطب الناس سلمان الفارسي ( رحمة الله عليه ) بعد أن دفن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بثلاثة أيام ، فقال :
ألا أيها الناس ، إسمعوا عني حديثي ، ثم اعقلوه عني ، ألا وأني أوتيت علما كثيرا ، فلو حدثتكم بكل ما أعلم من فضايل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لقالت طائفة منكم : هو مجنون . وقالت طائفة أخرى : اللهم اغفر لقاتل سلمان . ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا ، ألا وأن عند علي ( عليه السلام ) علم المنايا والبلايا ، وميراث الوصايا وفصل الخطاب وأصل الأنساب ، على منهاج هارون بن عمران من موسى ( عليه السلام ) إذ يقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيه : أنت وصيي في أهل بيتي ، وخليفتي في أمتي ، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى ، ولكنكم أخذتم سنة بني إسرائيل ، فأخطأتم الحق ، فأنتم تعلمون ولا تعلمون ، أما والله لتركبن طبقا عن طبق حذو النعل بالنعل ، والقذة بالقذة .

أما والذي نفس سلمان بيده ، لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم ومن تحت أقدامكم ، ولو دعوتم الطير لأجابتكم في جو السماء ، ولو دعوتم الحيتان من البحار لأتتكم ، ولما عال ولي الله ولا طاش لكم سهم من فرائض الله ، ولا اختلف اثنان في حكم الله ، ولكن أبيتم فوليتموها غيره ، فأبشروا بالبلايا واقنطوا من الرخاء ، وقد نابذتكم على سواء ، فانقطعت العصمة فيما بيني وبينكم من الولاء .
عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وأمرة المؤمنين مرارا جمة مع نبينا ، كل ذلك يأمرنا به ، ويؤكده علينا ، فما بال القوم عرفوا فضله فحسدوه ! وقد حسد قابيل هابيل فقتله!

وكفارا قد ارتدت أمة موسى بن عمران ، فأمر هذه الأمة كأمر بني إسرائيل ، فأين يذهب بكم ؟
أيها الناس ، ويحكم ، أجهلتم أم تجاهلتم ، أم حسدتم أم تحاسدتم ؟ والله لترتدن كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف ، يشهد الشاهد على الناجي بالهلكة ، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة ، ألا وأني أظهرت أمري ، وسلمت لنبيي ، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة عليا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وسيد الوصيين ، وقائد الغر المحجلين ، وإمام الصديقين والشهداء والصالحين 3.
ويؤكد موقفه هذا كلمته المشهورة يوم السقيفة حين أخبر بمبايعة الناس لأبي بكر ، وهي قوله : " كرديد ونكرديد "وقد ذكرها المعتزلي في شرح النهج في أكثر من مورد كما ذكرها غيره . إلا أنهم اختلفوا في تفسيرها . لكن الذي يظهر أن معناها فعلتم وما فعلتم. وأسلمتم وما أسلمتم.

قال سلمان، فصدق!
قال سلمان مخاطبا المسلمين حين غزوا بلنجر وغنموا وفرحوا بالغنائم: " إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد ، فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم...".
قال المسيب بن نجبة الفزاري: لما أتانا سلمان الفارسي قادما ، تلقيناه فسار حتى انتهى إلى كربلاء ، فقال : ما تسمون هذه الأرض ، قالوا : كربلاء . فقال : هذه مصارع إخواني ، هذا موضع رحالهم ، وهذا مناخ ركابهم ، وهذا مهراق دمائهم ، يقتل بها ابن خير الأولين ، ويقتل بها خير الآخرين 4.

ومرت السنين تتوالى ، ومات خليفة وقام خليفة حتى جاء عهد يزيد الطاغية ، فكانت ثورة الإمام الحسين الخالدة . . . وبينما الحسين في طريقه إلى كربلاء إذ به ينزل على ماء ويخيم مع أهله هناك ، وكان زهير بن القين قادما من الحجاز بعد أن أنهى مناسك حجه فيه ، فنزل بالقرب من الحسين وكان عثماني العقيدة منحرفا عن أهل البيت ( عليهم السلام ) إلا أن الماء جمعهم في ذلك المكان ، وعلم الحسين به فاستدعاه ذات يوم . فشق عليه ذلك ، ثم أجابه على كره ، فلما عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ، ثم قال لأصحابه :
من أحب منكم أن يتبعني ، وإلا فإنه آخر العهد ، وسأحدثكم حديثا : غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا ، وكان معنا سلمان الفارسي ، فقال لنا : إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم . فأما أنا فأستودكم الله ، ثم طلق - زهير - زوجته وقال لها : إلحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسببي إلا خير ، ولزم الحسين حتى قتل معه 5.

قال سلمان : " لتحرقن هذه الكعبة على يدي رجل من آل الزبير "6 أي بسببه .

قالها قبل زمن بعيد من دعوة عبد الله بن الزبير الناس إلى نفسه ولجوئه إلى الكعبة المشرفة .
وفي سنة أربع وستين للهجرة حوصر ابن الزبير ومن معه من أصحابه في البيت ، استمر القتال بينه وبين أهل الشام قرابة الشهرين حتى إذا مضت ثلاثة أيام من شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ، رموا البيت بالمجانيق وحرقوه بالنار وأخذوا يرتجزون ويقولون :

خطارة مثل الفنيق 7 المزبد * نرمي بها عواد هذا المسجد وكان قائد هذه الحملة المجرم الحجاج بن يوسف الثقفي من قبل يزيد .
ورد في رجال الكشي عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبد الله الصادق ( عليه السلام ) يقول : سلمان علم الاسم الأعظم .

تعليق

هناك ميزة خاصة امتاز بها سلمان على غيره من الصحابة ، فقد نشأ في فارس مهد الحضارة والحكمة ، وانتقل منها إلى مملكة البيزنطيين ( إمبراطورية الروم ) مهد العلوم والفلسفة ، ولازم الرهبان والقساوسة ودرس عليهم علومهم وآدابهم وحضاراتهم ومميزاتهم الفائقة ، وتقلب بين أحضان الديانات المختلفة ، والنزعات المتباينة ، وآدابهم ، انتقل من المجوسية إلى النصرانية ثم إلى الإسلام الحنيف ، ومن الطبيعي لسلمان أن تعلم من أصول هذه الأديان الشئ الكثير ، وترسخ في ذهنه أهدافها ، وفلسفتها ، وأخلاقها ، ونزعاتها .

ولعل هذا ما يشير إليه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إذا سئل عن سلمان أن يقول : " ذاك امرؤ منا أهل البيت " من لكم " بمثل لقمان الحكيم علم علم الأول ، والعلم الآخر ، وقرأ الكتاب الأول 8، والكتاب الآخر . وكان بحرا لا ينزف " إلى آخر هذه الأحاديث والروايات 9.

 

  • 1. شرح النهج ج 18 ص 39.
  • 2. راجع الأحاديث التي فصلناها في الجزء الأول والثاني من كتابنا " علي في الكتاب والسنة " وفي الجزء الأول من " موسوعة المصطفى والعترة ".
  • 3. الاحتجاج 1 / 151 - 152.
  • 4. فتوح البلدان / 406.
  • 5. الكامل 4 / 42 .
  • 6. أخبار مكة 1 / 197.
  • 7. الفنيق : فحل الناقة.
  • 8. يعني التوراة والإنجيل.
  • 9. المصدر: كتاب الأعلام من الصحابة والتابعين، تأليف الحاج حسين الشاكري رحمه الله.