مجموع الأصوات: 0
نشر قبل 3 أسابيع
القراءات: 189

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

قصة رحلة سلمان الفارسي من الباطل الى الحق

ولد روزبه 1 بن بدخشان أو [ حشنودان ] بن موسلان بن فيروز بن مهران من ولد منوچهر ملك الأكاسرة في بلدة " رامهرمز " 2 ودرج في بيت لم تخمد ناره ، ولم يخب فيه أواره ، وترعرع بين قوم سجدوا للنار الملتهبة ، والشمس المشرقة أحيانا .

درج في بيت رفيع المستوى محاط بالخدم والحشم وأبهة الملك وكان أبوه من الأساورة 3 ، ودهاقينها 4 .
ترعرع هذا الصبي وفطن وهو غير مقتنع بعبادة أسلافه ولا يؤمن بطقوسهم ، وكان في حيرة وشك من أمر دينه ، وكان يخشى الافصاح عن شكه خوفا من غضب أبويه وسطوة السلطان ومجتمعه ، وكان روزبه موحدا في ذاته يصلي لله على فطرته ، متجها نحو الشرق وما سجد لنار ولا لشمس ، وكان أبواه يظنان إنما يتجه بعبادته نحو المشرق إنما يسجد لمطلع الشمس مثلهم ، وكانوا يتغاضون النظر عن إعراضه عن بعض الطقوس ، وبعض التصرفات التي تخالف دينهم ومعتقداتهم .

ذكر المحدثون والمؤرخون الكثير عن كيفية إسلام روزبه "سلمان" وكيفية خروجه من بلده ووصوله إلى يثرب " المدينة المنورة " والتقاءه بالرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وإسلامه وعتقه بطرق مختلفة بعضها متباينة ، وبعضها متقاربة ، ولكنها تصب في هدف واحد ، وقد لخصت أقرب الطرق إلى الواقع ، وكان منهم كمال الدين في مروياته ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، وابن الأثير في أسد الغابة ، والحاكم النيسابوري في المختصر ، وغيرهم من المحدثين والمؤرخين تجدها منتشرة في أمهات المصادر ذكر بعضها الشيخ محمد جواد الفقيه في سلسلة الأركان الأربعة ج 2 .

كان روزبه من أحب الناس إلى أبيه ، وكان موضع عنايته ، ومحل عطفه ويروى أن أباه أرسله يوما إلى ضيعة له ، فمر بكنيسة للنصارى ، وسمع أصوات صلواتهم فدخلها وكانوا في حالة أداء طقوسهم ، فأعجب بصلواتهم لا إله إلا الله عيسى روح الله محمد حبيب الله ، وقال في نفسه إن دين هؤلاء خير من دين آبائي وأهلي قال : فبقيت عندهم أستمع إلى تراتيلهم المشجية وما برحت حتى غابت الشمس ، والآن يحدثنا " روزبه - سلمان " عن نفسه فيقول :

سألت رئيس الكهنة ورهبان الدير ، أين يكون مركز هذا الدين فقال في الشام : فعدت إلى داري مساء لأجد والدي في غاية القلق وشدة الاضطراب ولما رآني بادرني بنبرة حادة فيها شئ من الغضب أين كنت ؟ لقد بعثت رسلا يبحثون عنك ؟
قلت له إني مررت بطريقي على " دير للنصارى " فوجدتهم يصلون في كنيستهم فأعجبني ما رأيت من أمرهم ، ومن صلواتهم ، وعلمت أن دينهم خير من ديننا . . . " ، فدهش أبي ولم يصدق ما سمعه مني وكأن الصواعق نزلت على رأسه لكنه تمالك نفسه ، وغضبه ، وخاطبني بأسلوب عاطفي هادئ لعلي أرجع عن فكرتي واعتقادي .

فقال : يا بني ، دينك ودين آباءك خير من دينهم ، ولكني قاطعته بكل جرأة " كلا . . . والله " وحاول بكل الطرق أن يردني عن إعتقادي فلم يفلح - وحينما أيقن عدم جدوى المحاولة ، عمد إلى استخدام الشدة والقسوة والحرمان لتأديبي وردعي ، فوضع القيود في رجلي ، وحبسني في غرفة من الدار 5 عقابا لي وخوفا من هروبي .
بقيت في السجن مصفدا برهة من الزمن حتى كاد اليأس يتسرب إلى نفسي واظلمت الدنيا في عيني ، وأنا أتضرع لخالقي أن ينجيني مما أنا فيه ، وأخيرا اهتديت إلى فكرة أن أرسل من أثق به ويحنو علي إلى راهب الكنيسة الذي تعرفت عليه ، ليطلب منه ويعلمه عن لساني إني أعجبت بدينكم ، وأطلب منكم نجاتي بأن تعلموني بتحرك أول قافلة تريد الشام حتى أكون معهم . ولما علمت بموعد سفر القافلة هيئت نفسي ، وتحايلت في فك قيودي ، وخروجي من حبسي ، ثم التحت بالقافلة ، متنكرا متخفيا ، وقلت أني مهاجر إلى ربي فهو يهديني .

وبدأت بالرحلة الطويلة الشاقة ، وخرجت ونجوت من حدود سلطان أبوي وتركتهما يعظان أصابع الندم على ما فرطا في حقي وفقدانهم إياي .
ومرت الأيام والليالي ونحن جادون في السير ضمن القافلة ، حتى أشرفنا على مرابع الشام ، ولما حطت القافلة رحلها في ميدان الشام راح كل واحد منهم إلى شأن من شؤونه ، وبقيت أنا وحدي أعاني الغربة والوحدة - فقلت بلسان حالي كما قال موسى بن عمران ، ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، وسألت الناس من حولي أن يدلوني على أسقف أهل الشام وكبيرهم فأشاروا إلى قمة جبل وقالوا تجده في ذلك الدير الذي هو على رأس الجبل ، فاقتفيت الأثر وصعدت الجبل حتى وصلت إلى الدير ، وبمجرد دخولي الدير وقربي من الأسقف قلت بصوت يسمعني لا إله إلا الله ، عيسى روح الله ، محمد حبيب الله .

فانفلت من صلاته وقال من أنت وما تريد ؟ رويت له قصتي وكان بحق روحانيا وقطعة من نور ومن أوصياء عيسى بن مريم ( عليه السلام ) وطلبت منه الموافقة على خدمته والتعلم منه ، فرحب بي وقال إصعد إلي وقربني منه فصرت أخدمه وأتعلم منه حتى صرت من خواصه ، والمقربين إليه وبقيت على ذلك برهة من الزمن ، حتى حضرته الوفاة ، فبكيت عنده فالتفت إلي وقال ما يبكيك يا بني ؟ قلت إلى من تخلفني وتوصي بي بعدك ؟ فقال قد هلك الناس وتركوا دينهم إلا رجلا بالموصل فالتحق به ، وفي رواية : قال : دفع لي بعض الألواح وقال أبلغه عني التحية والسلام وسلمه هذه الألواح قال : فلما قضى نحبه غسلته وكفنته وصليت عليه ودفنته ، ثم تركت الشام قاصدا الموصل والألواح معي ، فلما أتيت صاحب الموصل ، أخبرته بعهد صاحبه إليه وسلمته الألواح والتحقت به فأقمت معه ما شاء الله أن أقيم وكان على مثل ما كان عليه صاحبه ، وصار وصيا من أوصياء عيسى بن مريم ( عليه السلام ) ثم حضرته الوفاة فقلت له إلى من توصي بي ؟

فقال والله يا بني ما أعلم أحدا على أمرنا مستقيما إلا رجل بنصيبين فالتحق به فكان على مثل ما كان عليه صاحباه ، فأخبرته خبري ، وأقمت معه في الدير 6 ما شاء الله أن أقيم ، فلما حضرته الوفاة قلت له : إن فلانا كان أوصى بي إليك فإلى من توصي بي ؟ قال : أي بني والله ما أعلم أحدا من الناس على ما نحن عليه إلا رجل بعمورية من أرض الروم فإن استطعت أن تلحق به فالحق فلما توفي جهزته ودفنته ، وتركت نصيبين والتحقت بعمورية من أرض الروم - فأتيته والتحقت به وكان آخر وصي من أوصياء حواري عيسى ( عليه السلام ) وأخبرته خبري وسلمته الألواح وخبر من أوصى به إليه فقال : نعم أقم ، فأقمت عنده وخدمته ودرست عنده فوجدته على مثل ما كان عليه أصحابه ، فمكثت عنده ما شاء الله أن أمكث . . . ثم حضرته الوفاة فقلت له : إلى من توصي بي ؟ فقال لي : يا بني والله ما أعلم أنه أصبح في الأرض أحد على مثل ما كنا عليه حتى آمرك أن تأتيه وتلتحق به وقد ترك الناس دينهم ولكن أعلمك قد أطل زمان نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفي ، يخرج في أرض العرب مهاجرا إلى أرض وقرارة ذات نخل بين حرتين ، قلت فما علامته ؟ قال أن به آيات لا تخفى ، وإنه لا يأكل الصدقة ، ويأكل الهدية ، وأن بين كتفيه خاتم النبوة إذا رأيته عرفته ، وهو صاحبك الذي تطلب ( يروى إن الألواح - أو اللوح - بقي معه ينقله من وصي إلى وصي ، منذ أن دفعها إليه صاحب الشام . ولم يخبرنا التاريخ هل أنه سلمها إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين أسلم على يديه أم لا ؟ الله العالم ) .

تابع " روزبه " حديثه قائلا : فلما فرغت من تجهيزه ودفنه رجعت إلى الدير وحدي أكفكف دموعي بيدي ، عندها سمعت هاتفا يهتف بي " يا روزبه أنت وصي من أوصياء عيسى بن مريم " ، فتذكرت فحوى الكتاب الذي قرأته في صباي والذي كان معلقا في غرفة والدي محل عبادته ، وربطت الأمور التي مرت علي بعضها البعض ( كشريط ذكرياتي ) وأنا في صومعتي بعمورية وحيدا غريبا ، حتى علمت بقافلة من الأعراب " من بني كلاب " تريد العودة إلى الجزيرة العربية ، " ويثرب بالذات " فعرضت خدمتي لهم مقابل أن يكفوني الطعام والشراب في الطريق ، فخرجت معهم فلما بلغوا بي وادي القرى وفي رواية : فقلت لهم ، تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم غنيمتي وبقراتي هذه ؟ قالوا : نعم ، فأعطيتهم إياها وحملوني ، حتى جاؤوا بي وادي القرى ظلموني ، فباعوني عبدا إلى رجل يهودي بوادي القرى بثلاثمائة درهم ، فأصبحت عبدا مملوكا ورقا لا أملك من أمري شيئا ، وقد تداولني بضعة عشر ربا ابتاعني فانتقل معه من رب إلى رب ، أحرث مزارعهم وأسقيها وأؤبر لهم نخلهم .

فبينما أنا كذلك إذ قدم ابن عم لسيدي من يهود بني قريظة فابتاعني منه وحملني معه إلى يثرب ، والله ما إن رأيتها حتى عرفتها ، فجاشت في نفسي الخواطر والأماني وهيجت في نفسي كمائن الشوق والأمل الذي كان يجيش في أعماقي ، ولم تشغلني العبودية الأثيمة عن تسنم الأخبار عن النبي المرتقب والرسول المنتظر وأصبح كياني كله آذانا صاغية بكل ما يمت إلى النبوة والبعث بصلة .
ثم بعث الله تبارك وتعالى نبيه الكريم ( صلى الله عليه وآله ) بمكة ولا علم لي بشئ من أمره ، فبينما أنا في رأس نخلة أقطع تمرها إذ أقبل ابن عم لسيدي وقال : قاتل الله بني قيلة 7 ، قد اجتمعوا على رجل بقبا قدم عليهم من مكة يزعمون أنه نبي ، قال : فانتفضت من مكاني وأخذتني رعدة ونزلت من النخلة ، وجعلت أستفسر واستقصي الأخبار لعلي أحصل على أمنيتي وأسألهم عنه فما أجابني منهم أحد بل قال سيدي ، أقبل على عملك وشأنك ودع ما لا يعنيك .

فلما أمسيت أخذت شيئا كان عندي من التمر وأتيت به إلى النبي وهو جالس بين أصحابه فقلت له :
بلغني إنك رجل صالح وإن لك أصحابا غرباء ذو حاجة وهذا شئ كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه كلوا وأمسك هو والنفر من بني هاشم فلم يأكلوا معهم ، فقلت في نفسي هذه واحدة من العلامات وانصرفت ، فلما كان من الغد أخذت ما كان بقي عندي من التمر وأتيته بطبق فقلت له إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية . فقال ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه كلوا ومد يده وأكل معهم ، فقلت في نفسي هذه العلامة الثانية ، وما كان يعلم سروري إلا الله سبحانه .
ثم جئته بعد أيام وهو ببقيع الغرقد يشيع جنازة رجل من أصحابه وكانت عليه شملتان ، وهو جالس بين أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت خلف ظهره أنظر هل أرى شيئا من خاتم النبوة الذي وصفه لي صاحبي بعمورية ؟ فلما رآني ( صلى الله عليه وآله ) استدبرته أبحث عن شئ في ظهره علم قصدي فأرخى رداءه عن ظهره الشريف بهدوء فنظرت إلى خاتم النبوة فما تمالكت نفسي حتى كببت على قدميه أقبلهما وأبكي بكاء الطفل في حضن أمه ، وأنطق بالشهادتين ، وأقول : آمنت بالله وبنبوتك ، آمنت برسالتك ، أنت رسول الله ، أنت خاتم الأنبياء ، أنت البشير النذير ، أنت السراج المنير ، أنت سيد العالمين ، فخشع قلبي ، واستقرت نفسي ، وآمنت به إيمان الأولياء البررة .

قال : فرفع رأسي من حضنه وقال مالك ؟
فقصصت عليه قصتي وهو العليم المخبر بكل ما جرى علي ، وأسلمت على يده ، ثم قال اسمك روزبه والآن أسميتك " سلمان " ، كاتب صاحبك ، فسألت صاحبي ذلك ولم أزل به حتى كاتبني على أن أحي له ثلاثمائة نخلة مثمرة نصفها حمراء والنصف الآخر صفراء ، وأربعين أوقية ورق 8، فأخبرت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بذلك فقال ( صلى الله عليه وآله ) للأنصار أعينوا أخاكم ، فجمعوا لي ثلاثمائة من فسيل النخل ، وأمرني رسول الله أن أفقر الفسيل 9 وجاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وغرس النخل بيده الشريفة وسقاها بالماء ، وما بلغ آخره حتى لحق بعضه بعضا وأطعم النخل كله ، إلا نخلة واحدة غرسها عمر ، فقال : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من غرسها ؟ قيل له عمر . فاقتلعها وغرسها بيده فأطعمت لوقتها وأثمرت 10، وأتاه مال من بعض غزواته ، فأعطى منه ما يكفي الدية وقال أد كتابك فأديت كل ما اشترط علي اليهودي فأعتقني ، وكان قد تداولني بضعة عشر سيدا ابتداء من خروجي من عمورية حتى وصولي يثرب .

هناك روايات كثيرة بطرق متعددة عن كيفية خروج سلمان من بلده هاربا بدينه ، ومن عذاب أبويه وسجنهم له بعد أن عرفا باعتناقه الدين الجديد وخروجه من دين آبائه .
وقد ذكر العلامة الذهبي في الجزء الأول من سير أعلام النبلاء 11طرق متعددة تغني المحقق عن غيرها فراجع . أعرض عنها روما للاختصار 12 13.

  • 1. اسم سلمان الأول ، وقيل : ماية ، وقيل : بهبود ، وقيل : ناجية .
  • 2. منطقة فارس ، قيل في شيراز عاصمة الأكاسرة حينذاك الذي لا يزال آثار تخت جمشي ظاهر للعيان ، وقيل في أصفهان : وقيل في كازرون .
  • 3. أي : من مستشاري الدولة وقوادها .
  • 4. الدهقان : هو صاحب القرى والمزارع الكبيرة وزعيم قومه .
  • 5. روي أنه أنزله في بئر مصفد بالحديد .
  • 6. يروى أن ذلك الدير لا تزال آثاره باقية .
  • 7. بني قيلة : الأنصار - الأوس والخزرج .
  • 8. الورق . . . الفضة .
  • 9. التفقير الحفر ، والفسيل : جمع فسيلة النخلة الصغيرة .
  • 10. الاستيعاب للقرطبي ج 2 ص 56 .
  • 11. ص 505 ط مؤسسة الرسالة - بيروت.
  • 12. المؤلف: أبين بعض الروايات المؤكدة من قبل فطاحل المحدثين والمؤرخين فاخترت منها ملخصا وبأسلوب قصصي مع بعض التصرف في العبارة دون المساس بالأصل.
  • 13. المصدر: كتاب الأعلام من الصحابة والتابعين، تأليف الحاج حسين الشاكري رحمه الله.