الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

فوارق بين الكلمات القرآنية

نص الشبهة: 

ما الفرق أيضاً بين أن تأتي كلمات الصراط المستقيم «معرفة» أو «منكرة» في الآيات التالية ؟﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ... . لما لا ترد: «إلى الصراط المستقيم»..﴿ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .. لما لا ترد «على الصراط المستقيم»..﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . ﴿ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿ ... هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ .. والكثير من الآيات المباركات التي تتحدث عن الصراط، ومعظم الآيات تأتي غير معرفة في كلتا الكلمتين، وفي بعض الآيات ينسب الحق تبارك وتعالى «الصِّرَاطَ» إلى ذاته، وبصيغة أسماء الصفات مثل «صراط العزيز»، أو «صراط الحميد»، وفي آية أخرى، يجمع العزيز والحميد في آخر الآية، ولقد لاحظت أيضاً أن كلمة «صراط» أتت في بعض الآيات منكرة كـ ﴿ ... فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا أو﴿ ... صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا . السؤال: كما لاحظت أن كلمة «صراط» لم تأت بصيغة الجمع خلاف كلمة «سبيل»، بل في بعض الآيات نسب الحق تعالى السبيل إلى نفسه ككلمة «سبيلي» فهل كلمة «سبيلي» هنا بمعنى صراطي أم أن لها معنى آخر؟

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الجواب: 

كلمة صراط، والصراط

وأما بالنسبة لتعريف كلمة الصراط، وتنكيرها، فنقول:

إن التعريف للكلمة من شأنه أن يحصر مضمونها في نوع، أو جنس، أو فرد بعينه، وأما تنكيرها، فيطلقها من هذا القيد، وكلمة صراط المنكرة، تدل على فرد شائع في جنسه، على سبيل البدل، فإذا كان الكلام مع الكافرين الذين يرون أنه ليس للخلق غاية إلهية تحتاج إلى صراط مستقيم واحد يوصل إليها، وهو الدين الذي شرعه الله سبحانه، بل تتساوى لديهم جميع المناهج الاعتقادية، والسلوكية، ولا يعترفون بحتمية أي منهج أو طريق..
نعم، إذا كان الكلام مع هؤلاء، فإن هذا النوع من الخطاب يشير إليهم بوجود غاية لا بد أن ينتهي الخلق إليها، وأن الطريق إلى تلك الغاية واحد، وهو مستقيم، لا مجال للاعوجاج، ولا للتعدد فيه..
وذلك يستبطن إدانة إنكارهم للبعث، والحساب، والجنة، والنار.. وإدانة واقع الاختلاف في الاعتقاد، والمناهج والسبل، وفي الأديان.. والتأكيد على أن الطريق الموصل إلى الله طريق وصراط واحد مستقيم، لا يصح فيه الالتواء، والاعوجاج، لأن ذلك معناه الضلال عنه، وعدم الوصول إليه..
وبعدما تقدم نقول: إن المثال التالي يوضح، ما نرمي إليه.. وهو:
أنه إذا كانت هناك غاية يراد الوصول إليها، وبيننا وبينها جبال وأودية، وغابات وصحاري، ونبحث عن طريق موصل، فنحن نجهل الطريق، ونجهل مواصفاته التي توجب كونه موصلاً.. فهل يجب أن يكون مستقيماً، أو يكفي مطلق الطريق، حتى لو كان فيه التواء..
فيقال لنا: إن المستقيم فقط هو الموصل، لأن أي التواء واعوجاج في الطريق يمثل انحرافاً عن الهدف، وتضييعاً له..
وفيما نحن فيه نلاحظ: أن قوله﴿ ... صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا 1.. فيه إعلام بالحاجة إلى طريق موصل وإعلام بصفته، وهو كونه مستقيماً..

فالتنوين إنما هو للإشارة والإعلام بلزوم الطريق الموصل، ولزوم كونه مستقيماً، وذلك لأن السامع جاهل بالأمرين معاً..
وأما التعبير: بـ «الصراط المستقيم» فإنما يكون في صورة إدراك الحاجة إلى شيء محدد، فرضته علينا تلك الغاية، وهو الطريق، وإدراك الحاجة إلى صفة بعينها فيه، هي صفة الاستقامة، وليس هو مطلق طريق.. ولكن مع عدم تحديد المصداق الجامع لهذين الوصفين. وهما كونه طريقاً، وكونه مستقيماً..
فالإتيان بـ «أل» التعريف يفيد تحديد ذلك المصداق الجامع للأوصاف المطلوبة..
ويكون قد وجد ما يبحث عنه، مع علمه بحاجته إليه، وبحاجته إلى صفة الاستقامة فيه..
والمؤمن يعرف أنه بحاجة إلى الصراط الموصوف بالاستقامة، ولعل هذا هو السبب في أنه تعالى قال:﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ 2.

وقال سبحانه عن موسى وهارون:﴿ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ 3.

ولعل منه أيضاً قوله تعالى:﴿ ... فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا 4.

أو﴿ ... صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا 1  حيث يظهر منه: أنه بصدد تحديد مصداق الصراط السوي..

صراط العزيز الحميد

وهناك حالات يكون المطلوب فيها هو ضمان توفر صفة الاستقامة في الصراط، أو تحديد خصوصية أخرى فيه، كخصوصية أو صفة يتصف بها واضعه، ومن ينتهي إليه، أو غير ذلك، فتكون الآيات مشيرة إلى توفر تلك الخصوصية، مؤكدة عليها، وذلك كما في قوله تعالى:﴿ ... صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ 5.

نسبة الصراط إلى نفسه

وأما السبب في أنه ينسب الصراط إلى نفسه من خلال صفتي «العزيز» و «الحميد»، فيقول تارة: «صراط الحميد»، وتارة: «صراط العزيز الحميد»..
فإنه يظهر من ملاحظة أجواء الآيات التي ذكرت الوصفين، أنها تشتمل على خصوصيات لها ارتباط بهذين الوصفين، أو أحدهما، فما اقتصر في القرآن على وصف واحد هو آية واحدة، وهي قوله تعالى عن المؤمنين:﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ 6.

وهناك ثلاث آيات، ذكر فيها وصفان، هي:
الأولى: قوله تعالى:﴿ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ 7.

الثانية: قوله تعالى:﴿ وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ 5.

الثالثة: قوله تعالى:﴿ ... الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ 8.

فإذا لاحظنا الآيات الأربع، فسوف نلاحظ: مدى انسجام ملاءمة وصف الحميد لمضمون الكلام الذي سبقه وهو قوله:﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ... 6.. في الآية الأولى..

وفي الآية الثانية: هناك انسجام تام بين إشارات ودلالات الآية وبين ألوهيته ومالكيته تعالى لما في السماوات وما في الأرض، فإنه تعالى هو الذي جعل ذلك الوحي نوراً، وهو الذي يهدي به، وهو الذي يشاء لهم الهداية..
فالصراط الذي يهدي إليه الرسول، هو صراطه تعالى من موقع ألوهيته، ومالكيته لما في السموات وما في الأرض..
إذ إن هذه الهداية، وهذا الاستقلال في المشيئة، هما من مظاهر ألوهيته، ومن تجليات مالكيته تعالى..
وفي الآية الثالثة: نجد أن كل ما أنزله الله على رسوله يختزن الحق كل الحق، وهذا يتناغم مع ما ينشده الإنسان في حياته، ويجسد له طموحاته، حين يستوثق من واقعه ومن مستقبله، إذ هو يستند إلى مقام العزة، والكرامة، ليعيش هذه الروح في التزامه بذلك الحق الذي أنزله الله على الرسول، ويطمئن إلى أنه في مواضع الحمد، والسلامة، والرضا، والفلاح. فالتعبير بالعزيز الحميد هو الذي يتناغم وينسجم مع هذه المشاعر، ومع واقع الحق في ما أنزله الله تعالى..
والآية الأخيرة: تؤكد على أن بالخروج من الظلمات إلى النور يتجلى ثبات الإنسان، ويشعر بقوة بكيانه، وبحقيقة وجوده، فلا يعيش الضعف، والوهن، والضياع، والذل، في ظلمات التيه والجهل والحيرة..
وهذا ما يجعله يشعر بالعز وبالكرامة، ويعيش الرضا والسلامة والحمد مع الله العزيز الحميد..
الجواب على السؤال الثالث:

السبيل والصراط

وأما السؤال عن السبيل والصراط، وعن الإفراد والجمع فيهما، فنقول:
إن هناك فرقاً من ناحيتين على الأقل، بين السبيل والصراط..
ويتضح ذلك من خلال العرض التالي:
قد فسر السبيل بالطريق، ولكنه يختلف عن الطريق بأمور:
أحدها: أنه أغلب وقوعاً في موارد الخير.. 9.
الثاني: أنه يستعمل في الطريق وما وضح منه.. 10.
الثالث: أنه يراد به في الطريق السهل.. 11.
الرابع: أنه يستعمل في ما يتوصل إليه بالأعمال الجوارحية، فيقال: أنفق، وجاهد في سبيل الله.. أو في سبيل الشيطان..
الخامس: أنه يستعمل في مفردات الدين وأجزائه..
أما الصراط فهو الطريق أيضاً، ولكنه يختلف عنه بالخصوصيات التالية:
1 ـ إنه الطريق السهل، قال الشاعر:
حشونا أرضهم بالخيل حتى *** تـركناهم أذل من الـصراط
وهو من الذل خلاف الصعوبة، لا من الذل خلاف العز.. 12.
وعبارة الراغب: السبيل هو: الطريق المستسهل.. 13.
2 ـ إنه الطريق المستقيم.. 14
3 ـ وهو أيضاً السبيل الواضح 15.
4 ـ ويطلق على الدين كله. بما فيه المعتقد القلبي..
وبعدما تقدم نقول:
إذا كانت الاستقامة مأخوذة في معنى الصراط، وإذا كان لا بد للصراط المستقيم من غاية يوصل إليها.. وإذا كان حين يطلق على ما يوصل إلى الله، فإنه يكون منحصراً بفرد واحد، وهو المستقيم، والواضح، والسهل..
فسيصبح واضحاً: أن الصراط يفترق عن السبيل بأمرين:
1 ـ إن الصراط يستبطن معنى الاستقامة..
2 ـ إن السبيل يطلق على أجزاء الدين ومفرداته، وما له اتصال بالعمل الجوارحي، والصراط يطلق على الدين كله كما هو الغالب..
وهذا يعطينا: أن الصراط لا بد أن يكون بصيغة المفرد، وأن لا يأتي جمعاً أصلاً..
وأما كلمة «سبيل»، فإنها تستعمل في الطريق السهل والواضح، ولم يؤخذ فيها معنى الاستقامة، وإنما يؤدي السبيل معنى الصراط حين يراد منه الدين الحق، وذلك إذا صاحبته قرينة على ذلك، مثل أن ينسب إلى الله تعالى، أو إلى النبي صلى الله عليه وآله، كقوله تعالى:﴿ ... هَٰذِهِ سَبِيلِي ... 16.. أي طريقي السهل الواضح، الموصل إليَّ..

ولأجل ذلك، فإن السبل قد تتعدد، كما قال تعالى:﴿ ... وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ... 17.

وبعد، فإن الإجابة الوافية على هذا السؤال تحتاج إلى المزيد من البحث والبيان، وأعتذر عن القصور، وعن التقصير، فإن القرآن بحر عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنفد غرائبه، ولا يشبع منه علماؤه..
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين 18..