نشر قبل 6 أشهر
مجموع الأصوات: 1
القراءات: 992

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

فوق كل ذي علم عليم

قيل: إن سائلا سأل موسى بن عمران الكليم عليه السلام : أي الناس أعلم؟
فقال موسى : أنا ، فأوحى الله سبحانه إليه: عند مجمع البحرين رجل يعلم ما لا تعلم.
قال: كيف لي به؟
قال تعالى: تحمل معك حوتا ميتا فحيث تفقده فالعالِم هناك، فحمل الحوت وجدّ في السير هو و فتاه يوشع 1 حتى بلغا مجمع البحرين، فأخذت موسى سِنة فنام، و في أثناء نومه قفز الحوت إلى البحر، فكانت هذه آية من آيات اللّه لموسى، و كان ذلك بمرأى من يوشع، و حين استيقظ موسى من نومه قال له: هلمّ نتابع السير.
﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبًا ﴾ 2 تعبا، طلب موسى من يوشع الغداء، بعد أن تجاوزا المكان الذي قفز منه الحوت إلى البحر.
قالَ يوشع أَ رَأَيْتَ أخبرني ما رأيك فيما حدث إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ أن أحدّثك عن قصة الْحُوتَ وَ ما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً كيف عادت الحياة إليه بعد الموت، و اهتدى تلقائيا إلى البحر.
قالَ موسى ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ هذا هو المكان الذي نريده بالذات فَارْتَدَّا رجعا عَلى‏ آثارِهِما قَصَصاً يقصان أثرهما و يسيران على هدايته.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً قال المفسرون: المراد بالعبد هنا الخضر، و بالرحمة النبويّة، و بالعلم الوحي بالغيب، و سواء أكان المراد الخضر أم غيره فإن هذا الوصف الجليل يجري على الأنبياء من دون ريب.
قالَ لَهُ مُوسى‏ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى‏ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً موسى كليم اللّه و من أولي العزم و الشرائع، لا يستنكف أن يتعلم ما خفي عنه ممن هو دونه مكانه أو يستويان، ذلك بأن العلم النافع كالتعبد للّه، بل أفضل، و في الحديث:
من رأى أنه قد علم- مستغنيا بما لديه- فقد جهل. و في نهج البلاغة: ما أكثر ما نجهل ... و من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله.
قالَ الخضر الموسى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً نفى استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد، و علل ذلك بقوله:
وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً لأني أعلم من غيب اللّه ما لا تعلمه أنت، و هو منكر في ظاهره دون واقعه، و أيضا أنت تعلم من غيبه تعالى ما لا أعلمه أنا.
قالَ موسى للخضر: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً استثنى مشيئة اللّه خشية أن لا يملك نفسه إذا رأى منكرا و لو في الظاهر.
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً شرطي عليك أن لا تسألني عن شي‏ء مما تنكر حتى أكون أنا المفسر له.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها سار موسى و الخضر على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فحملتهما و لكن الخضر خرق السفينة بلا مبرر ظاهر، فثارت العاطفة الإنسانية في نفس موسى و قالَ للخضر:
أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً عجبا، و أخذ موسى ثوبه، وحشا به الخرق على عهدة الراوي.
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فاعتذر موسى.
قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ و تدل هذه الآية بظاهرها أن النسيان في غير التبلغ عن اللّه جائز على الأنبياء، أما فيه فمحال، لأن النبي في هذه الحال بالخصوص هو لسان اللّه و بيانه وَ لا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً لا تضيق عليّ في صحبتي لك.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ ثار موسى على خرق السفينة فكيف بقتل النفس، و لذا غضب و قالَ للخضر: أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ينكره الدين و العقل و الناس.
قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً مرة ثانية يذكره الخضر بالشرط، و أيضا مرة ثانية يعتذر موسى.
قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي من قبل كان الشرط من الخضر على موسى أن لا يسأله و الآن موسى بنفسه يشترط على نفسه قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً قطعت عليّ كل عذر أتعلل به.
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها طلبا منهم طعاما فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما بخلا و لؤما، و شر القرى قرية لا يضاف الضيف فيها فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ يكاد أَنْ يَنْقَضَّ أن يسقط فَأَقامَهُ الخضر و أصلحه بلا مقابل، فعجب موسى من ذلك و قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أتصلح الجدار مجانا لقوم رفضوا ضيافتنا؟
هلا طلبت أجرا على عملك لنشتري به ما يسد الرمق و جوعة المضطر؟.
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَ بَيْنِكَ فارقة بعد أن أخبره بحكمة ما أنكر و قال:
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فيصيبون بها رزقا يعينهم على مطالب الحياة، و لكن ملكا ظالما كان يغتصب كل سفينة، فخرقتها رحمة بالمساكين، حتى إذا رآها الملك الطاغية زهد فيها، و تركها لأهلها.
وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ و كان هو في سن البلوغ، و قد كفر باللّه، و عاث في الأرض فسادا، و في رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : أنه كان يعمل جاهدا لحمل أبويه على الكفر و الإلحاد، و يؤيد ذلك قوله تعالى:
فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً أن يستبد بهما و يطغى عليهما في تكليف الكفر، و لهذا استحق القتل، و عن الإمام عليّ عليه السلام : ما زال الزبير معنا حتى أدرك فرخه عبد اللّه.
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ فرجونا اللّه سبحانه أن يرزقهما مولودا مطيعا للّه بارا بأبويه، و لا نعمة من اللّه على عبده بعد الإيمان أفضل من هذه زَكاةً طهرا وَ أَقْرَبَ رُحْماً لأن القريب من قربه الدين و الخلق الكريم لا من قربة النسب أو السبب.
وَ أَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ قال سبحانه في آية سابقة: "أتيا أهل قرية" و قال هنا: "في المدينة" و معنى هذا أن القرية تطلق على المدينة وَ كانَ تَحْتَهُ تحت الجدار كَنْزٌ لَهُما وَ كانَ أَبُوهُما صالِحاً فيه إيماء إلى أن لصلاح الأب بعض الأثر لحفظ الابن و العناية به فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أن يبلغا الحلم و الرشد وَ يَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ كان تحت الجدار مال مدفون، و متى سقط الجدار ظهر المال للعيان، و ترك للغصب و النهب، فأقمته حرصا على المال، حتى إذا كبر الغلامان استخرجاه بطريق أو بآخر و انتفعا به وَ ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي بل يوحي منه تعالى ذلِكَ تَأْوِيلُ ما أنكرت و عارضت، و عليك أن تنتفع بهذا الدرس، و لا تحكم على الشي‏ء بقول مطلق، و أنت لا تعرف منه إلا وجهه الظاهر، بل تمهل و انظر إلى الشي‏ء من جميع جهاته، فإن لكل ظاهر باطنا قد يكون على مثاله، و قد يكون على الضد منه.
و قد تساءل كثيرون عما فعله الخضر من خرق السفينة و قتل الغلام، و إقامة الجدار بلا سبب ظاهر؟ و ملخص الجواب:
أولا هذه حوادث خاصة في وقائع معيّنة، تمت بوحي من اللّه إلى نبي من أنبيائه، و ليست مبادئ عامة و قواعد كلية، يطبقها الفقية حسب نظره و اجتهاده. ثانيا إن خرق السفينة يتفق تماما مع قاعدة دفع الضرر الأشد بالضرر الأخف.
و إقامة الجدار تفضل و إحسان على كل الفروض و التقادير، أما قتل الغلام فقد كان على جرمه المادي المشهور، حيث كان شابا تجاوز سن القصور و الطفولة، بدليل أنه كان يجاهد أبويه على الكفر و الإلحاد كما سبقت الإشارة، و الآية الكريمة ظاهرة في ذلك، لأن الطفل الصغير أعجز من أن يطغى على أبويه 3 .

  • 1. يوشع بن نون .
  • 2. القران الكريم: سورة الكهف (18)، الآية: 62، الصفحة: 301.
  • 3. ...التفسير المبين : 389 ، للعلامة الفقيد الشيخ محمد جواد مغنية رحمه الله .