الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

آل سعود

كان في القرن الخامس عشر رجل من عنيزة يسكن في الاحساء ، اسمه مانع ، و له ابن عم يقيم بقرية بنجد ، اسمها منفوحة ، و اسم هذا النجدي درع ، و هو زعيم عشيرة الدروع هناك ، و كان موسراً ذا ممتلكات واسعة ، و في احدى السنين زار مانع الاحسائي قريبه درعاً النجدي ، فاعطى هذا قطعتين كبيرتين من أرضه لضيفه ، فانتقل مانع بأهله إلى نجد يستغل عطية قريبه درع .

 و مانع هذا هو الجد الأول لآل سعود 1 .
و ورث الأرض من مانع ولده ربيعة ، و أضاف إليها ارضاً جديدة انتزعها من المجاورين ، و مات ربيعة ، و ورثه ولده موسى ، و أضاف ملكاً إلى مالك أبيه بالغزو و الغارات ، و دانت له المنطقة ، و صارت له امارة صغيرة و مات موسى ، فخلفه ولده إبراهيم ، و من بعده ولده فرحات ، و رزق فرحات ولدين ربيعة و مقرنا ، و رزق مقرن محمداً ، و رزق محمد سعوداً ، رأس الأسرة السعودية ، و قد استولى سعود على الدرعية انتزعها من آل معمر ، قال فيليبي : و هكذا لم ينقض جيلان ، حتى غدا النازحون الغرباء سادة المنطقة التي آوتهم . . و بقيت الدرعية عاصمة الامارة السعودية إلى عهد تركي الذي يأتي الكلام عنه ، فانتقلت من الدرعية الى الرياض ، ولم تزل ، حتى اليوم ، و مات سعود سنة 1144 هـ فخلفه ولده محمد الذي نشأت الوهابية في عهده ، فاعتنقها و آزرها ، و ما زال السعوديون عليها ، حتى اليوم ، و الى آخر يوم ، و فيما يلي نتكلم بإيجاز عن كل أمير من الأمراء السعوديين الوهابيين الذين جعلوا من الوهابية عقيدة متبعة ، و كان لهم الفضل الأكبر عليها ، و لولاهم لم تكن شيئاً مذكورا ، نتكلم بإيجاز عن هؤلاء الأمراء منذ الأمير الأول ، حتى الملك عبد العزيز والد الملك الحالي سعود .

محمد بن سعود

تولى محمد بن سعود إمارة الدرعية سنة 1158 هـ إلى سنة 1178 ، و هو صاحب محمد بن عبد الوهاب و ساعده الأيمن الذي تكلمنا عنه في فصل سابق ، و أول حاكم وهابي و كانت نجد في عهد محمد بن سعود موزعة إلى ست أو سبع إمارات رغم أن عددها لم يتجاوز في ذاك الحين نصف مليون . . من تلك الأمارات إمارة الدرعية ، و فيها محمد المذكور ، و منها امارة ابن دواس بالرياض ، و امارة آل معمر بالعينية ، و امارة آل هزال بنجران ، و امارة آل علي بالشمال ، و امارة آل جحيلان بالقصيم .
اما النظام الذي كانت تتبعه هذه الامارات فهو أشبه بالنظام القبلي ، يتمشى مع أهواء الأمراء و الأقوياء . . و يظهر ان المواطنين لم يتأففوا منه ، لأنهم قد اعتادوا عليه و آباءهم من قبل ، حتى حسبوه امراً طبيعياً .
و دارت بين محمد بن سعود أمير الدرعية ، و بين ابن دواس حروب و غزوات انتهت بالصلح بينهما .

عبد العزيز بن محمد

اختار محمد بن سعود ولده عبد العزيز ولياً للعهد من بعده باقتراح محمد عبد الوهاب ، فكان أول أمير يبايع بولاية العهد من السعوديين ، و منذ ذلك العهد أصبحت الامارة تنتقل بالمبايعة بولاية العهد تماماً كما فعل معاوية مع ولده يزيد ، و هذه من حسنات الشيخ محمد عبد الوهاب ، و من غريب الصدف أن سيرة عبد العزيز تشبه سيرة يزيد بن معاوية من وجوه :
اولاً : ان كلاً منهما عاش في كنف أبيه الأمير بالعز و الدلال .
ثانياً : نشأ كل منهما جاهلاً لا يزينه علم و لا خلق و لا ثقافة .
ثالثاً : ما عرفا به من القسوة و الغلظة ، و البعد عن الرحمة و الرأفة .
رابعاً : الحكم عن طريق المبايعة بولاية العهد بمعاونة الحواشي و الهوامش ، لا عن طريق الشورى و الاختيار .
خامساً : ما وقع في عهدهما من القلاقل و الفتن و الحروب .
سادساً : غزا يزيد المدينة المنورة ، و أباح منها ما ذكره المؤرخون لوقعة الحرة ، و غزا مكة المكرمة ، و ضرب الكعبة بالمنجنيق .
و ألف عبد العزيز السعودي الوهابي جيشاً بقيادة ولده سعود ، و غزا مكة ، و هدم قبة مولد النبي ، و مولد أبي بكر ، و قبة السيدة خديجة ، و قبة زمزم ، و القباب التي حول الكعبة ، و ذلك سنة 1218 هـ .
و في سنة 1221 غزا المدينة ، و هدم قبور أئمة البقيع و غيرها ، و عن تاريخ الجبرتي : « لما استولى الوهابيون على المدينة المنورة اخذوا جميع ذخائر الحجرة النبوية و جواهرها ، حتى انهم ملأوا أربع سحاحير من الجواهر المحلاة بالماس و الياقوت العظيمة القدر ، و من ذلك أربع شمعدانات من الزمرد ، و نحو مئة سيف ملبسة قراباتها بالذهب الخالص ، و عليها ياقوت ، و نصابها من الزمرد » . ( كشف الارتياب للسيد الأمين ) .
سابعاً : قتل يزيد سيد الشهداء ، و ريحانة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم الحسين بن أمير المؤمنين علي ، و ذبح أطفاله ، و سبي نساءه في كربلاء . . و كذلك غزا عبد العزيز كربلاء بجيشه الذي قاده ولده سعود ، و هدم قبر الحسين ، و نهب جميع ما فيه من الذخائر ، و أعمل السيف بالكربلائيين رجالهم و نساءهم و أطفالهم و كان ذلك سنة 1216 هـ .
ثامناً : ان فعلة يزيد و جيشه في كربلاء هزت العالم ، و نقم جميع المسلمين على يزيد بخاصة ، و الأمويين بعامة ، و هذا ما حصل بالذات حين فعل جيش عبد العزيز ما فعل في كربلاء ، قال فيليبي في تاريخ نجد ص 99 :
« اقتحم سعود بجيش أبيه كربلاء ، و بعد حصار قصير اعمل السيف في رقاب أهلها ، و نهبهم ، لقد قتل السكان بلا رحمة في الشوارع و البيوت ، و دمر ضريح الحسين ، و نهب المجوهرات التي كانت تغطي الضريح ، و جمع كل شيء ذا قيمة في المدينة . . و الحق يقال : ان عمله هذا هز العالم كله فضلاً عن الشيعة ، فقد كان نقطة انطلاق ركينة للانقلاب على الوهابيين ، كما أدى فيما بعد إلى عواقب وخيمة على هذه الدولة » 2 .
أرأيت إلى هذا الشبه القوي بين يزيد بن معاوية من جهة ، و بين عبد العزيز و ولده سعود من جهة ثانية ، و الى هذا الكره العميق في قلب كل مسلم ، لكل من يمس بسوء آثار الرسول و آله الكرام ؟ . . و بالتالي هل يتفق هذا النوع من القتل و النهب و السلب مع الإسلام و روح الإسلام الذي يدعيه الوهابية أو أنهم يعلنون شيئاً ، و يعتقدون و يفعلون شيئاً آخر ؟ .
هذه هي أيام عبد العزيز كلها حروب و فتن و تدمير و تخريب و ضحايا و نهب و سلب و هتك للمقدسات الدينية ، و غارات متصلة ليل نهار على الفقراء المستضعفين ، و العراة و الجائعين ، و عن هذا الطريق انتزع الرياض من ابن دواس ، و سائر امارات نجد من حكامها ، حتى اخضعها جميعاً لسلطانه ، و ضم اليها عسيراً و الحجاز و القطيب .
و قتل عبد العزيز سنة 1218 اغتاله رجل من الشيعة انتقاماً منه لما فعله بضريح الحسين في كربلاء ، قال فيليبي : لقد تنكر القاتل بزي درويش ، و ذهب إلى الدرعية ، و بقي فيها أياماً يصلي خلف عبد العزيز ، و في ذات يوم القى بنفسه على عبد العزيز ، و هو يصلي ، و طعنه بمدية في ظهره اخترقت إلى بطنه ، و عجلت به إلى مقره الأخير . . و تكاثر الناس على القاتل ، و قتلوه .
و بعد هذا الحادث جرت عادة آل السعود على أن يقف حارسان على رأس الأمير ، و هو يؤدي الصلاة خوفاً من الاغتيال . . و لكن الحاكم العادل العامل بكتاب الله ، و سنة نبيه يصلي ، و يتجول ، و يرتاد أي مكان بدون حارس ، لان العدالة تحرسه ، و الدين يحفظه ، تماماً كما كان الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم و خلفاؤه الهداة الأخيار .

سعود بن عبد العزيز

و حل سعود محل أبيه عبد العزيز ، و أول عمل قام به غزو بلدة الزبير و البصرة من أرض العراق ، و أعمل فيهما القتل و السلب ، و هدم قبر طلحة و الزبير ، و ذلك سنة 1218 ، و غزا نجران سنة 1220 ، و الشام سنة 1225 ، و دوخ حوران قتلاً و سلباً ، و وصل ، أو كاد إلى أبواب دمشق .
و سنة 1226 أرسل محمد علي باشا ولده طوسون لتحرير الحجاز من الوهابيين ، فصدوه في الكرة الاولى ، و تغلب عليهم في الثانية ، و استولى على مكة و المدينة ، و حاول أن يفتح نجداً ، فلم يفلح ، و سنة 1228 هـ حج محمد علي باشا ، و عزل الشريف غالباً ، و أرسله منفياً إلى سلانيك ، و عين مكانه الشريف محمد بن عون ، فانتقلت الامارة من فرع إلى فرع آخر من أسرة الاشراف ، و محمد بن عون هو جد الشريف حسين أبي فيصل ملك العراق ، و عبد الله ملك الأردن .
و تجدر الاشارة إلى أن سعود هذا هو أول أمير أقام هيئة للأمر بالمعروف ، و مهمتها التجوال في الأسواق أوقات الصلاة . تحض الناس على أدائها ، و ما زالت هذه الطريقة متبعة إلى اليوم عند السعوديين ، و تطورت بمرور الأيام ، حيث اتسع اختصاصها ، و أصبحت تحمل العصي ، و تجول في الأسواق و الشوارع تنهال ضرباً بها على حليق الذقن ، أو من يلمس قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم أو قبر أمام من أئمة البقيع ، و غير ذلك مما يخالف عقيدة الوهابية ، بل كانوا إلى الأمس القريب يضربون المدخنين علناً ، و ان كانوا غرباء عن الديار ـ كما قيل ـ .
و دامت امارة سعود من سنة 1218 إلى سنة 1229 .

عبد الله بن سعود

و تولى بعد سعود ولده عبد الله ، فنازعه الامارة عمه عبد العزيز ، و انقسمت الأسرة على نفسها ، و تفرقت كلمتها .
و سنة 1231 هـ جهز محمد علي باشا جيشاً بقيادة ولده ابراهيم فتوجه ابراهيم إلى الحجاز ، و كانت لم تزل مع أبيه ، ثم سار منها إلى نجد ، يتوغل فيها شيئاً فشيئاً إلى أن وصل سنة 1233 إلى الدرعية عاصمة الوهابيين ، و بعد حصار دام 5 أشهر استسلم أميرها عبد الله بن سعود ، فأرسله إبراهيم إلى الاستانة ، حيث قتل و من معه في ميدان اياصوفيا .
و طغى ابراهيم باشا و بغى في البلاد ، و اكثر فيها الفساد ، و صادر أموال آل سعود ، و آل محمد عبد الوهاب ، و أجلى الكثير من رجالهم و نسائهم و اطفالهم عن الديار ، و نفى الكثير منهم إلى مصر ، و كان هذا جزاء وفاقاً لما فعلوه من قبل بأمة محمد من المظالم و المآثم ، و ما ارتكبوه من الخيانة لله و كتابه ، و للنبي و سنته . . و هكذا كل ظالم لابد أن يبتلى بأظلم و أغشم .
استمر حكم عبد الله بن سعود من سنة 1229 إلى سنة 1234 .

تركي بن عبد الله

كان لعبد الله بن سعود المتقدم ذكره ابن عم ، اسمه تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود ، و محمد هذا الذي هو الجد القريب لتركي هو صاحب محمد عبد الوهاب ، و أول أمير سعودي وهابي .
و كان تركي قد فر من وجه ابراهيم باشا تاركاً الدرعية تحت جنح الظلام ، و راح يتنقل في صحراء نجد داعياً العربان إلى إحياء مجد الأسلاف ، و تزوج أثناء تجواله بامرأة من آل تامر ، ولدت له ذكراً ، اسماه « جلوي » لأنه ولد في زمن الجلاء ، فتجمع حول تركي أول ما تجمع ثلاثون رجلاً ، ثم انضمت إليه بعض القبائل ، فاسترد الرياض سنة 1235 من باشا مصر ، و اتخذها عاصمة له ، و من يومه انتقلت عاصمة السعوديين من الدرعية إلى الرياض ، و ما زالت ، و كان لتركي ولد ، اسمه فيصل ، نفاه ابراهيم باشا مع من نفى إلى مصر ، و لما سمع بخبر أبيه هرب ، و جاء إليه .
و مما قدمنا يتبين أن الامارة السعودية الوهابية ابتدأت بمحمد بن سعود صاحب محمد عبد الوهاب ، ثم ولده عبد العزيز ثم ولده سعود ، ثم ولده عبد الله الذي انتزع منه الأمارة ابراهيم باشا ، و قتل في الاستانة .
و كان انتصار ابراهيم على السعوديين سبباً لانتقال الامارة من فرع عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى فرع عبد الله بن محمد بن سعود الأمير الوهابي الأول عن طريق عبد الله بن محمد بن سعود ، و عبد الله هذا الذي هو أبو تركي لم يتول إلامارة ، و انما تولاها أخوه عبد العزيز الأمير السعودي الوهابي الثاني ، فتركي ـ إذن ـ هو الأمير السعودي الوهابي الأول من الفرع الثاني لمحمد بن سعود ، و به انتقلت الامارة من سلالة عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى سلالة أخيه عبد الله بن محمد بن سعود ، و ما زالت فيها حتى اليوم .
و كبر على نسل عبد العزيز ان تخرج الامارة منهم ، فدبر احد السعوديين ، و اسمه مشاري ، أمر اغتيال تركي ، و تم له ذلك ، و نادى مشاري بنفسه اميراً ، ولم تطل ايامه ، حتى قتله فيصل بن تركي المغدور ، و استرجع امارة ابيه .
و استمر حكم تركي الذي أعاد النفوذ الى اسرته ، استمر من سنة 1235 إلى سنة 1249 .

فيصل بن تركي

تولى فيصل بن تركي الحكم بعد أبيه ، و لكن محمد علي باشا لم يمهله طويلاً ، فأرسل حملة كبرى إلى نجد ، و معها خالد بن سعود الذي كان مع السعوديين المنفيين بمصر ، فدخل جيش محمد علي نجداً ، و استولى على العاصمة بلا مقاوم بعد أن فر منها فيصل ، فأقام المصريون فيها خالد بن سعود حاكماً مكان فيصل ، و ذلك سنة 1253 هـ . و كانت الحجاز لم تزل بيد محمد علي .
و سنة 1254 ظهر فيصل مع رجاله من أتباعه ، و حاول طرد المصريين ، و لكنه لم يفلح ، ولم يجد سبيلاً إلا الاستسلام ، فاستسلم ، و نفي إلى مصر ، مع من نفي فيها من السعوديين .
و بعد ان قويت شوكة محمد علي بخضوع الجزيرة العربية له بما فيها نجد و الحجاز و عسير و تهامة استولى على فلسطين و لبنان و سورية ، و بلغ أبواب الاستانة ، و لكن الحلفاء اضطروه الى التراجع و الانسحاب من البلاد التي احتلها ، و تسليمها للأتراك ، ما عدا مصرا ، حيث منحت له و لسلالته يديرونها إدارة باشوية باسم سلطان الاستانة ، و ذلك سنة 1256 هـ .
و في سنة 1259 . عاد فيصل من مصر إلى نجد هو و الأمراء السعوديون الذين نفوا إليها من قبل ، و حلوا ضيوفاً في مدينة حائل شمالي نجد على اميرها ابن الرشيد ، و كان من قبل تابعاً للسعوديين ، بل ان فيصلاً هو الذي عينه حاكماً لحائل قبل الاحتلال المصري مكافأة له على مناصرته للقضاء على فتنة مشاري الذي قتل اباه تركياً 3 .
و قد رد له ابن الرشيد هذا الجميل ، فاحتفى بفيصل ، و قدم له الرجال و المال ، و دعا للالتفاف حوله ، و اول من استجاب أهل عنزة ، و زحف فيصل على الرياض بمعاونة ابن رشيد ، و كان فيها أمير يدعى عبد الله بن ثنيان ، أقامه المصريون حين جلائهم عنها ، فاسترجعها فيصل منه بعد مقاومة ، و حصار دام 20 يوماً ، و أسر ابن ثنيان ، ثم عفا عنه .
و ما استتب الأمر لفيصل ، حتى شرع باسترجاع ما اخذ من السعوديين ، فأخضع نجداً و عسيراً و الاحساء و القطيف ، و دان له بالطاعة أمراء البحرين ، و مسقط ، و سواحل عمان .
مات فيصل بن تركي سنة 1282 هـ .

عبد الله بن فيصل

كان لفيصل بن تركي أربعة أولاد : عبد الله ، و هو الأكبر ، و سعود ، و محمد ، و عبد الرحمن ، و كان فيصل قد بايع ولده الأكبر عبد الله بولاية العهد طبقاً للتقاليد المتبعة في البيت السعودي ، و لكن سعوداً نازع أخاه عبد الله ، و ثار عليه ، و استعرت الحروب الأهلية بين الطرفين ، و نشبت الفتن و القلاقل ، و استمرت الحرب بين الأخوين 25 عاماً ، مما أدى إلى ضعف الدولة ، و ذهاب سلطانها ، و انتقاض حكام المقاطعات عليها ، و استقال كلٍ بدويريته ، كما هو الشأن في توزيع اسلاب الضعيف ، و احتل الأتراك الإحساء ، و القطيف .
و استطاع سعود ان ينتزع الرياض من أخيه عبد الله بعد أن فر منها ، و نزل في ديار عتبة ، و مات سعود في الرياض سنة 1290 ، و تولى بعده أخوه عبد الرحمن والد الملك عبد العزيز الشهير ، و جد الملك سعود الحالي ، و لكن أبناء أخيه سعود انتفضوا عليه ، و طردوه من الرياض ، فالتجأ إلى أخيه عبد الله في ديار عتبة ، لاجيء الى لاجيء ، و استغل عبد الله هذا الخلاف ، و أسرع الى الرياض بمعاونة بعض العربان ، فجلى عنها أولاد سعود قبل وصوله .
و ما استقر فيها ، حتى هاجمه محمد بن سعود ، و دارت بينهما معارك طاحنة ، فاستنجد عبد الله بابن رشيد أمير حائل ، و قبل ان تصل النجدة منه تغلب محمد على عمه عبد الله ، و دخل الرياض ، و سجن عبد الله ، ولم يطل الأمد ، حتى وصل ابن رشيد ، ففر محمد بن سعود ، و اخرج ابن رشيد عبد الله من السجن ، و لكن لم يرجعه إلى الحكم ، بل عهد به إلى أخيه عبد الرحمن الذي كان قد تولى الامارة بعد أخيه سعود ، و قفل ابن رشيد راجعاً إلى حائل بعد ان ترك في الرياض مندوباً من قبله يراقب عبد الرحمن ، و اسم هذا المندوب سالم السبهان ، و بهذه الحادثة أصبح ابن رشيد سيد نجد و المسيطر عليها .
و مات عبد الله بن فيصل سنة 1307 هـ .

عبد الرحمن بن فيصل

هو الذي تولى الامارة اياماً بعد أخيه سعود ، و هو الذي طرده ابن أخيه محمد بن سعود ، و هو الذي اقام ابن رشيد ثانية و هو ايضاً والد الملك عبد العزيز الشهير .
اشرنا إلى أن ابن رشيد أقام مندوباً و رقيباً على عبد الرحمن ، و أراد عبد الرحمن أن يتخلص من هذا المندوب الرقيب و هو سالم السبهان ، فسجنه ، و قيل : إنما سجنه ، لأنه حاول اغتياله بأمر ابن رشيد ، و مهما يكن ، فقد توجه ابن رشيد إلى الرياض ، و أطلق سراح السجين .
و لما رأى عبد الرحمن قوة ابن رشيد بنجد اشعر انه بين أمرين : إما أن يحارب ابن رشيد ، و إما أن يخضع له كموظف عنده . . و لا طاقة له على الاولى ، و لا تطيعه نفسه على الثانية ، فلم يبق أمامه إلا الرحيل . . و هكذا فعل . . رحل عن نجد بأهله سنة 1309 ، و ظل متنقلاً في الأمصار . . فذهب اولاً إلى الاحساء ، ثم إلى الكويت ، ثم إلى قبائل بني مرة بقرب الربع الخالي ، ثم إلى قطر ، و منها عاد إلى الكويت ، و استقر فيها مع عائلته و أولاده ، و كان عمر ولده عبد العزيز آنذاك عشر سنوات .
و عين له أمير الكويت الشيخ محمد بن الصباح مرتباً إلى أن خصصت له الدولة العثمانية ستين ليرا عثمانية في الشهر ، فقطع ابن الصباح عنه المرتب ، و عاش هو و أفراد عائلته في شدة و ضيق .

الملك عبد العزيز او الاسطورة

عبد العزيز بن عبد الرحمن أول من لقب بالملك من السعوديين . .
كانت الشمس منذ القديم كما نراها اليوم تطلع من الشرق ، و تتوارى في المغرب ، ولم يصادف في يوم أن أشرقت حيث تغيب ، أو غابت حيث تشرق ، أما الأحداث التي تقع بين الشروق و الغروب فهي كل يوم ، بل كل ساعة في شان . . فور و غور ، و صعود و نزول . . لا قاعدة ، و لا ضابط ، و لا مقياس ينتظم كل شيء ، و لا يشذ عنه شيء . . ترى النجاح منك قاب قوسين أو أدنى ، و إذا أنت في الأرض ، و النجاح في السموات العلى ، و ترى نفسك غريقاً تتقاذفك الأمواج ، و انك ستلفظ النفس الأخير ، و إذا بك على اليابسة تتنفس الصعداء فرحاً و سرورا .
و ترى هذا يزحف كالسلحفاة ، و ينطلق ذاك إلى المريخ ، و بين طرفه عين و انتباهتها ترى الزاحف في الطليعة ، و السابق جماد لا يستطيع الحراك .
و مهما شككت فاني لا اشك ابداً ان الحكمة من ذلك ان لا ييأس الضعيف ، فيذل و يخنع للقوي ، و أن لا يطغى القوي فيتحكم بالضعفاء ، و ان لا يحزن الفاقد ، و لا يفرح الواجد ، و ان يضع الجميع نصب أعينهم ان الغالب قد يصير مغلوباً ، و المغلوب غالباً . . و التاريخ وحده يعطينا الدرس الصحيح ، لا النظريات و لا الفلسفات 4 ؟ . ثم كيف تعيش دولة مهدأها و شعارها : « ما دمت فليهلك العالم كله » ؟ . .
و إليك هذا الدرس من التاريخ القريب : لقد استرجع الفتى البالغ من العمر 20 عاماً ما كان لآبائه و أجداده ، و هذا الفتى هو عبد العزيز اللاجيء و أبوه عبد الرحمن في الكويت ، استرجع ملك الآباء و الأجداد ، و لكن لا بالمال ، و لا بالجيوش ، و لا بالانتخاب ، و لا بتأليف الأحزاب و إعلان الشعارات المغرية ، و لا بالاضراب و المظاهرات ، و لا بتغيير الزمن بسبب حرب عالمية ، و لا بشيء من ذلك ، بل باسطورة ، هذا موجها :
كان عبد العزيز و أبوه عبد الرحمن لاجئين عند الشيخ مبارك أمير الكويت ، و ذات يوم جاء الفتى عبد العزيز إلى الشيخ مبارك ، و قال له : أريد أن أنقذ نجداً من ابن رشيد ، فهل تساعدني بالمال و العتاد ؟ .
و سخر الشيخ من الفتى ، و لكنه لم يشأ أن يصدمه ، فأعطاه مئتي ريال ، و ثلاثين بندقية ، و أربعين جملاً ، فأخذها و مضى هو و بعض أرحامه و أصحابه ، و لا يتجاوز عدد الجمع أربعين رجلاً . . و كانوا يسيرون ليلاً ، و يتوارون نهاراً ، و إذا احتاجوا إلى الطعام اختطفوا شاة أو بعيراً من هنا و هناك ، و ظلوا يواصلون السير إلى أن بلغوا الرياض ليلاً ، و هم أهلها ، و أعرف الناس بما فيها ، و من فيها ، فتسلقوا الحائط إلى منزل الحاكم الرشيدي عجلان ، و طافوا في أنحائه ، و بدأوا بالخدم ، فألقوا القبض عليهم ، و شدوا وثاقهم ، و اقتحم عبد العزيز ببندقيته حجرة الحاكم ، فوجد زوجة عجلان و اختها ، ولم يجد عجلان .
و لما سألهما عنه قالتا : انه يبيت في الحصن المجاور للبيت ، و كان الفجر قد طلع ، فأسبغ القوم الوضوء ، و صلى بهم عبد العزيز صلاة الصبح جماعة في بيت عجلان ، ثم جلسوا في البيت كأنهم أهله و أصحابه . . و ما ان طلعت الشمس ، حتى فتح باب الحصن ، و حاول المهاجمون اقتحامه ، و اغتيال الحاكم ، و إذا به يخرج من الحصن متوجهاً إلى بيته ، فاستقبله عبد العزيز برصاة اصابته في غير مقتله ، و لكن ابن جلوي السعودي أجهز عليه ، و أرداه قتيلاً ، و ذبح المهاجمون عدداً كبير من حامية الحاكم .
و ما شاع خبر هذه المفاجأة في المدينة ، حتى استولى عليهم الذهول ، و خافوا سوء العاقبة ، فسارعوا إلى تقديم الولاء و الطاعة . . و ذلك في 3 شوال سنة 1319 هـ . الموافق 15 كانون الثاني سنة 1902 م . و نقل عبد العزيز والده من الكويت إلى الرياض ، و احتفظ الوالد بلقب إمام ، و الولد برئاسة الحكومة ، و قيادة الجيش ، و انتقل من نصر إلى نصر ، فقتل ابن رشيد و استتب له الأمر بنجد ، و أخذ الاحساء و القطيف ، و الحجاز و عسير ، و مات ابوه عبد الرحمن سنة 1928 ، و له من العمر 78 عاماً ، مات بعد أن رأى ولده ملكاً على جميع الأراضي الواقعة الآن تحت سيطرة حفيده سعود بن عبد العزيز .
و كما كان ابن رشيد حليفاً مخلصاً للأتراك ، فقد كان عبد العزيز حليفاً دائماً ، و صديقاً وفياً للانكليز ، فكان يذكرها و يشكرها في خطبه و غيرها ، و هذا مثال من أقواله بحق الانكليز ، جاء في خطبة ألقاها بمكة المكرمة عام 1362 ، قال :
« و لا يفوتني في هذا الموقف أن أتمثل بأنه من لم يشكر الناس لم يشكر الله ، فاثني على الجهود التي قدمتها الحكومة البريطانية بتقديم بواخر الحجاج ، و تسهيل سفرهم ، كما اثني على مساعدتها ، و مساعدة الحلفاء القيمة ، و متابعتهم تتميم تموين البلاد ، و ما يحتاجه الأهالي من أسباب المعيشة و غيرها ، و كذلك لابد من الإشارة إلى أن سيرة البريطانيين معنا طيبة من أول الزمن إلى آخره » .
و يعلم الكبير و الصغير أن الانكليز و الحلفاء ، و أية دولة استعمارية يستحيل ان تفعل شيئاً بقصد الخير و الإنسانية ، و إذا فعلت مع بلد من البلدان ما يبدو كذلك فإنما تتخذ منه وسيلة إلى التسرب إلى أسواقه ، و السيطرة على مقدراته . . إن الاستعمار ينافق و يتصنع ، ليمتص دماء الشعوب . .
و غريب أن تخفى هذه الحقيقة على الملك عبد العزيز ، و أن يقول ، و هو الوهابي الذي يصلي في أول الوقت ، حتى في بيت عدوه عجلان . . غريب ان يقرن شكر الله بشكر الانكليز ، و يقول : من لم يشكر الناس ـ أي الانكليز ـ لم يشكر الله . . هذا ، مع العلم بأن الوهابية ـ كما قدمنا ـ يقولون بفساد الصلاة و جميع العبادات إن أديت عند قبر نبي أو ولي ، لأنها ، و الحال هذه ، تكون مشوبة بعبادة صاحب القبر ، أو تؤدي إليها بزعمهم . . إذن ، كيف ربط الملك عبد العزيز شكر الله بشكر الانكليز ، بحيث لا يقبل الأول بدون الثاني ؟ . و بعد أن ضعف الانكليز حل محلهم الأميركيين .
و دام حكم عبد العزيز 64 سنة من سنة 1309 إلى سنة 1373 هـ و تولى الحكم بعده أولاده سعود ثم فيصل فخالد ففهد الملك الحالي 5 6 .

  • 1. كتب الشيخ محمد جواد مغنية في نهاية هذا الكتاب شارحا لأهدافه في الكتاب ما يلي :

    كل كلمة من صفحات هذا الكتاب إنما كتبتها بنية الدفاع لا الهجوم ، و بقصد الوفاء للإسلام ، لا بقصد الحرب على الوهابية ، كما هو شأني مع كل من افترى و تهجم . . و ما أنا و لما اعتقده محمد عبد الوهاب ، و غير محمد عبد الوهاب ، فإن لكل إنسان عقيدته ، و ثقافته ، و سلوكه في هذه الحياة ، و هو وحده المسؤول عما يدين و يفعل، و لا يحق لإنسان أن يتفحص عن نوايا أي إنسان و أقواله و أفعاله ، ما دامت لا تعني احداً سواه ، و لا تتصل بغيره من قريب أو بعيد.

    و أقسم إني ما أردت من ردودي السابقة و اللاحقة أن احمل معانداً على عقيدة التشيع ، بل كتبت ، و أنا أعلم أن الذي أرد عليه لن يتخلى عن أخطائه المتزمتة الموروثة ، و إنما هدفي الأول و الأخير أن اقطع الطريق عليه ، و على كل من يحاول الدس و الافتراء ، و أن يعلم أني له بالمرصاد ، و انه لن يجد إلى الهرب و النجاة من سبيل .
    مالي و لمحمد عبد الوهاب ، و عقيدته و دعوته ، بخاصة بعد أن أقدم على ما قدم ؟.
    ما شأني و شأنه لو لا قوله : « و بسبب الرافضة ـ يريد الشيعة ـ حدث الشرك و عبادة القبور.. و أن بعض السلف أخرجهم من الثنتين و السبعين فرقة ( كتاب التوحيد باب ما جاء من التغليظ ص 57 من الرسائل التسع طبعة 1957. ) و قول حفيده عبد الرحمن « و القتل لمن عاند منهم ، ولم يتب ( فتح المجيد : 491 طبعة 1657. ) ».
    بهذا الصورة ابرز الشيعة محمد عبد الوهاب ، و انهم سبب الشرك ، و اسوأ من الفرق الهالكة.. و بالقتل حكم عليهم حفيده عبد الرحمن.. و اني على يقين بأن كلاً من الجد و الحفيد لم يقرأ كتاباً واحداً ، و لا صفحة من كتاب للشيعة ، و لا اجتمع مع عالم منهم أو جاهل ، شأنهم في ذلك شأن كل من افترى و تهجم .
    و لو اسدل الستار على قول محمد عبد الوهاب ، و انطوى مع الأيام لكنا معذورين في تجاهله و التجاوز عن أخطائه ..
    اما و قد صار عقيدة راسخة ، و مثلاً أعلى للدين و الحقيقة عند الوهابية ، و انعكس في نظراتهم و آرائهم في الشيعة ، لا لشيء إلا لأنه جاء على لسان محمد عبد الوهاب ، و حفيده عبد الرحمن ، اما و الحال هذه ، فان السكوت و التجاهل ربما يعد اعترافاً ضمنياً بأن هذا القول علم لا جهل ، و عدل لا تحامل . . و كيف نستسلم للكذب و الافتراء ، و لا نرد بقوة و عزم ، و لدينا القوى التي تصد المهاجمين و المفترين ؟ . .
    و بعد ، فان من يقرأ كتاب التوحيد ، أو إنجيل الوهابية على الأصح يراه متخماً بالثرثرة بالشرك ، و إخراج المسلمين من الدين و الإسلام ، و هذا طرف من العناوين التي جاءت في هذا الكتاب « من الشرك لبس الخيط و الحلقة . . من الشرك النذر لغير الله . . من الشرك الاستعاذة بغير الله . . من الشرك الاستغاثة بغير الله . . » و من أقواله : « الطيرة شرك . . لعنة زوارات القبور . . لعنة سراجها » ( لعنة الزوارات و السراج جاءت في كتاب التوحيد المطبوع مع الرسائل التسع ص 59 طبعة 1957. ) ..
    و بعد ، فإذا كان « بسبب الرافضة حدث الشرك و عبادة القبور » فمن هو السبب ـ يا ترى ـ لهذا الشرك المتراكم و اللعنات المكدسة في كلام محمد عبد الوهاب ؟.. حقاً ان صاحب كتاب التوحيد يستحق شهادة الدكتوراه في التفكير .

  • 2. عبد الله فيليبي هذا ، اسمه الحقيقي « سنت جون فيلبي » و هو انكليزي اسلم ، و أقام امداً طويلاً في الأراضي السعودية ، و كان من الأصدقاء على حكامها ، ثم غضبوا عليه ، و منعوا كتابه هذا تاريخ نجد … و من أسباب المنع تسجيله هذه الحقيقة التي تدين السعودية و الوهابية و تدمغهم بالعار …
  • 3. فيليبي : 169 .
  • 4. و من هنا أومن ايماناً لا يشوبه ريب بان إسرائيل ستمحى من الوجود ، و ان بلغت من القوة ما بلغت ، و آزرها الغرب و الشرق ، و هل في قول الله ريب : ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ... القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 112 ، الصفحة : 64 .
  • 5. مصادر هذا الفصل : كشف الارتياب للسيد محسن الأمين ، و تاريخ نجد لفيليبي ، و تاريخ الدولة السعودية لأمين سعيد ، و الامام العادل ج 1 و 2 لعبد الحميد الخطيب . و تاريخ الكويت السياسي ج 1 و 2 و 3 لحسين خلف الشيخ خزعل .
  • 6. المقالة مأخوذه من كتاب هذه هي الوهابية ، للعلامة محمد جواد مغنية : 136 ـ 155 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا