مجموع الأصوات: 13
نشر قبل 7 أشهر
القراءات: 1011

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

آيات القرآن تتجلّى في الأربعين

وبدأت نسائم الأربعين تنشر عبقها لعشّاق زوّار الإمام الحسين ، تلك الزيارة المليونية التي ليس لها نظيرٌ في تاريخ البشرية، والتي عدّها إمامنا الحسن العسكري علامة من علامات المؤمن الخمس، حيث قال - سلام الله عليه: «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ إِحدى وخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».

والمتأمل في هذه الزيارة العظيمة تنكشف له تجلّيات آيات القرآن الحكيم فيها:

أولاً - يقول تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ﴾ 1، وهذه الآية تتجلى بوضوح في مسيرة الأربعين الخالدة حيث الملايين الذين يتّجهون ناحية كربلاء المقدّسة من مختلف الجهات وبمسافات شاسعة، ورغم المخاطر التي قد تعترضهم في الطريق إلا أنهم يؤدّون هذا النُسك العظيم في أمن وأمان ببركات سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين .

ثانياً - يقول تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ 2، وتجلّيات هذه الآية أكثر وضوحاً، فكلُّ من يتوجّه لزيارة الأربعين يشهد المنافع، سواءً كان غنيّاً أم فقيراً معدماً، فمائدة الإمام الحسين تمتد لمئات الكيلومترات فلا يجوع زائر قد توجّه بقلبه للإمام الحسين ، وكذلك من يُمارس التجارة فإن موسم الأربعين فيه من الخيرات الكثير، والتاجر فيها رابحٌ بكلّ تأكيد، ومن يبذلون العلم والمعرفة يشهدون من المنافع ما لا يستطيعون إحصاءها، فبركات الأربعين أكبر من أن يستوعبها مقالٌ في صفحات، ولا حتى كتابٌ في مجلّدات.

ثالثاً - يقول تعالى: ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ 3، وهذه الآية الشريفة تعكس الجائزة الكُبرى التي ينالها زوّار الإمام الحسين والباكين لمصابه، وقد يسأل سائلٌ ما علاقة زيارة الإمام الحسين والبكاء لمصابه بهذه الآية، ولماذا يُساقون إلى الجنة؟ أوليس من يُبشّر بالجنّة يسير إليها على عجل، فلماذا زوّار الإمام الحسين يُساقون إلى الجنّة؟

وهنا تأتي هذه الرواية الشريفة لتُجلي هذا اللبس في فهم الآية الكريمة، ولتؤكد في ذات الوقت مدى انطباقها على زوّار أبي عبد الله الحسين والباكين لمصابه، فعن زرارة قال: قال أبو عبد الله الإمام الصادق : « وَ مَا مِنْ‏ عَبْدٍ يُحْشَرُ إِلَّا وَ عَيْنَاهُ بَاكِيَةٌ إِلَّا الْبَاكِينَ عَلَى جَدِّيَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَإِنَّهُ يُحْشَرُ وَ عَيْنُهُ قَرِيرَةٌ وَ الْبِشَارَةُ تِلْقَاهُ وَ السُّرُورُ بَيِّنٌ عَلَى وَجْهِهِ وَ الْخَلْقُ فِي الْفَزَعِ وَ هُمْ آمِنُونَ وَ الْخَلْقُ يُعْرَضُونَ وَ هُمْ حُدَّاثُ الْحُسَيْنِ عليه السلام تَحْتَ الْعَرْشِ وَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ لَا يَخَافُونَ سُوءَ يَوْمِ الْحِسَابِ يُقَالُ لَهُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فَيَأْبَوْنَ وَ يَخْتَارُونَ مَجْلِسَهُ وَ حَدِيثَهُ وَ إِنَّ الْحُورَ لَتُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَاكُمْ مَعَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ فَمَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَيْهِمْ لِمَا يَرَوْنَ فِي مَجْلِسِهِمْ مِنَ السُّرُورِ وَ الْكَرَامَةِ وَ إِنَّ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ مَسْحُوبٍ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى النَّارِ وَ مِنْ قَائِلٍ‏ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏ وَ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ مَنْزِلَهُمْ وَ مَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَدْنُوا إِلَيْهِمْ وَ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِمْ وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَأْتِيهِمْ بِالرِّسَالَةِ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَ مِنْ خُدَّامِهِمْ عَلَى مَا أُعْطُوا مِنَ الْكَرَامَةِ فَيَقُولُونَ نَأْتِيكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَزْوَاجِهِمْ بِمَقَالاتِهِمْ فَيَزْدَادُونَ إِلَيْهِمْ شَوْقاً إِذَا هُمْ خَبَّرُوهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَ قُرْبِهِمْ مِنَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَيَقُولُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا الْفَزَعَ الْأَكْبَرَ وَ أَهْوَالَ الْقِيَامَةِ وَ نَجَّانَا مِمَّا كُنَّا نَخَافُ وَ يُؤْتَوْنَ بِالْمَرَاكِبِ وَ الرِّحَالِ عَلَى النَّجَائِبِ فَيَسْتَوُونَ عَلَيْهَا وَ هُمْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ وَ الْحَمْدِ لِلَّهِ وَ الصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ » 4.

وفي هذا العام حيث يحول الظرف دون وصول جمعٌ كبير من عشّاق زيارة الإمام الحسين إلى تلك المشاهد الشريفة، والمراقد المقدّسة، والكرامات الإلهية، إلا أننا نرجو أن نكون مشمولين بالرحمة التي تنال زوّار أبي عبد الله الحسين ، وأن يُشركنا الله سبحانه في صالح دعواتهم، ونحن بذلك نكون بذات المبدأ الذي تجسّد مع الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري «رض» والذي سار من المدينة المنوّرة إلى كربلاء المقدّسة بعد شهادة الإمام الحسين ووصلها في يوم الأربعين، وكان من فقرات زيارته: السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلَّت بفناء الحسين وأناخت برحله، أشهد أنكم أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وجاهدتم الملحدين، وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين، والذي بعث محمداً بالحقّ، لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال عطية: فقلت لجابر: فكيف ولم نهبط وادياً، ولم نعلُ جبلاً، ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرِّق بين رؤوسهم وأبدانهم، وأوتمت أولادهم، وأرملت الأزواج؟! فقال لي: يا عطيَّة! سمعت حبيبي رسول الله ﷺ يقول: من أحبَّ قوماً حُشر معهم، ومن أحبَّ عمل قوم أُشرك في عملهم، والذي بعث محمداً ﷺ بالحقّ، إن نيّتي ونيَّة أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحابه.

ونحن عشّاق الإمام الحسين في هذا الظرف نيّتنا جميعاً مع زوّار الإمام الحسين وقلوبنا معهم، وأيادينا نرفعها لربّ العزّة والجلال بأن يحفظ زوّار الإمام الحسين ويحميهم من كلّ مكروه، وأن يجعلنا في العام القادم ممن يحظى بزيارته المباركة إن شاء الله تعالى.

اللهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة، بحضور سيّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان، وعجّل يا إلهي في ظهوره، واجعلنا من أنصاره والمجاهدين بين يديه وتحت لوائه، إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله ربّ العالمين 5.