مجموع الأصوات: 3
نشر قبل شهر واحد
القراءات: 312

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

عصر الإصلاح الإسلامي و الديمقراطية

لقد ساهم انفتاح نخبة من المصلحين المسلمين في القرن التاسع عشر، والعقود الأولى من القرن العشرين الميلادي، على التجربة السياسية والدستورية الأوروبية، في الالتفات إلى أمرين مهمين ومؤثرين، أحدهما له طبيعة نظرية، والآخر له طبيعة موضوعية. وكلاهما يتصلان بمجال المقارنة، تارة المقارنة في نطاق المفاهيم، حيث اتيحت الفرصة لتجديد النظر في المفاهيم السياسية الإسلامية، كمفهوم الشورى والحرية والإجماع، وهكذا مفاهيم الدولة والسلطة والدستور.

وتارة المقارنة في نطاق الوقائع، حيث أتيح الإطلاع على ما وصلت إليه أوروبا من تطور سياسي ودستوري على مستوى أنظمة الحكم وإدارة السلطة وبناء الدولة، وتقييد الحكم بالدستور، وتشكيل المجالس النيابية التي تتيح مجال المشاركة السياسية للأمة. هذا الإطلاع أتاح مجال المقارنة بين ما كان عليه العالم الإسلامي سياسياً ودستورياً، وبين ما وصلت إليه أنظمة الحكم في أوروبا.

وقد أفصح بعض هؤلاء المصلحين المسلمين كيف أنهم تنبهوا من جديد إلى مفاهيم الشورى والإجماع بعد أن اطلعوا على تجارب الأوروبيين. وفي هذا النطاق يأتي النص الذي اشتهر كثيراً عن الشيخ محمد رشيد رضا، في رده على قارئ بعث برسالة إلى المنار، يتحدث فيها عن حصر الإصلاح بالإسلام، فأجابه رشيد رضا عام 1907م بقوله: (لا تقل أيها المسلم أن هذا الحكم ـ المقيد بالشورى ـ هو أصل من أصول الدين، ونحن قد استفدناه من الكتاب المبين، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشرة الأوروبيين، والوقوف على حال الغربيين. فإنه لولا الاعتبار بحال هؤلاء الناس، لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام... إنني لا أنكر أن ديننا يفيدنا ذلك.. ومع هذا كله أقول إننا لولا اختلاطنا بالأوروبيين لما تنبهنا من حيث نحن أمة، أو أمم إلى هذا الأمر العظيم، وإن كان صريحاً جلياً في القرآن الكريم).

ويشير إلى مثل هذا الرأي كذلك محمد إقبال، في حديثه عن عدم تحول مفهوم الإجماع في الشريعة الإسلامية إلى نظام تشريعي ثابت في السابق، لأنه حسب رأيه كان يتعارض مع المصالح السياسية للحكم المطلق، وعن هذه الإمكانية في الفترة التي عاصرها إقبال، يقول: (أنه مما يبعث على الارتياح التام، أن نجد أن ضغط العوامل العالمية الجديدة، وتجارب الشعوب الأوروبية في السياسة، قد جعلت تفكير المسلمين في العصر الحديث، يتأثر بما لفكرة الإجماع من قيمة وما تنطوي عليه من إمكانيات. إن نمو الروح الجمهورية في البلاد الإسلامية، وقيام جمعيات تشريعية فيها بالتدرج خطوة عظيمة في سبيل التقدم).
وعلى الصعيد العملي، عرف عن المصلحين المسلمين في ذلك العصر، الدعوة والمطالبة بالنظام النيابي تحقيقاً لفكرة الشورى، وتأكيداً لمشاركة الأمة السياسية، وهذا ما سعى إليه السيد جمال الدين الأفغاني، وتيار ما عرف بحركة الجامعة الإسلامية. ولعل أوضح من عبر عنه من بعد الأفغاني، اثنان من المصلحين هما: عبد الرحمن الكواكبي في كتابه: (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، والشيخ محمد حسين النائيني في كتابه: (تنبيه الأمة وتنزيه الملة).
ولهذا يمكن القول أن المفاهيم السياسية الإسلامية في هذا العصر، كانت أوضح عند الفكر الإسلامي أكثر من أي عصر آخر، قبله وبعده، ليس في نطاقها النظري والمفاهيمي فحسب، وإنما حتى في محدداتها العملية، وأبعادها الموضوعية.
لذلك فإن هذا العصر يشكل لنا أهم المنابع وأنضجها على مستوى الفكر الإسلامي، في الحديث عن تلك المفاهيم السياسية الإسلامية، كما يشكل لنا أيضاً، أهم المحطات التاريخية في مراحل تطور الفكر الإسلامي، فقد مثلت تلك المفاهيم محور حركته الإصلاحية، التي ملئت سمع العالم بقوة زخمها، وعظمة رجالها، وتفوق خطابها1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الأربعاء / 9 أغسطس 2006م، العدد 14592.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
التحقق
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا