نشر قبل أسبوعين
مجموع الأصوات: 3
القراءات: 141

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

محاولة عثمان الخميس تضعيف حديث الثقلين

نص الشبهة: 

قال عثمان الخميس: (حديث الثقلين: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي...).

ثم قال في هامش الصفحة: (سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب أهل البيت رقم 3786، وفيه زيد الأنماطي والحديث له أكثر من طريق لا يخلو من طرق منها من كلام مع اختلاف في المتون).

ثم قال في أصل الصفحة: (هذا الحديث يستدلون به على أنه يجب أن يتمسك المؤمن بعترة النبي (ص)، ثم قالوا بعد ذلك إذا وجب التمسك بهم صاروا أولياء الأمر بعد رسول الله (ص) وهم الخلفاء بعده، وهذا يرد عليه من وجوه...).

وقال: (الحديث فيه كلام من حيث صحته وثبوته عن النبي (ص) والثابت عند مسلم أن الأمر كان بالتمسك بكتاب الله والوصية بأهل البيت كما مر من حديث زيد بن أرقم في مسلم فأوصى بكتاب الله وحثّ على التمسك به، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، فالذي أمر بالتمسك به كتاب الله، وأما أهل بيت النبي (ص) فأمر برعايتهم وإعطائهم حقوقهم التي أعطاهم الله تبارك وتعالى إياها، وقد ثبت من حديث جابر في مسلم أن النبي لما خطب في حجة الوداع قال: (قد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به، كتاب الله) ولم يذكر أهل البيت، وهو الذي إذا تمسك به الإنسان لا يضل أبداً) (حقبة من التاريخ: 202.).

الجواب: 

خلاصة ما يريد أن يقوله الشيخ عثمان الخميس أن حديث الثقلين بالنص الذي ذكره عن الترمذي والألفاظ المشابهة له فيه كلام من حيث صحته وثبوته عن النبي صلى الله عليه وآله، فلا يصح للشيعة الاحتجاج به، وأن الثابت عنه صلى الله عليه وآله هو الحديث المروي بالألفاظ التي ذكرها مسلم بن الحجاج في صحيحه، وفي رواية مسلم لم يأمر النبي صلى الله عليه وآله بالتمسك إلاّ بالقرآن الكريم، فلم يأمر بالتمسك بأهل بيته عليهم السلام، بل وصى أمته بهم بحفظهم ومراعاة حقوقهم!

وردّنا عليه في وجوه:

أولاً: حديث الثقلين صحيح بلفظ الترمذي وغيره

إن حديث الثقلين الذي ذكره عن الترمذي وبألفاظ مشابهة ورد بطرق كثيرة صححها العديد من علماء أهل السنة، ونذكر في أولهم إمامهم الألباني في أكثر من كتاب له، منها صحيح سنن الترمذي، حيث قال فيه ناقلاً الحديث عن سنن الترمذي:

(حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي حدثنا زيد بن الحسن – الأنماطي – عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (ص) في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

قال الألباني: (صحيح: " المشكاة " 6143 – التحقيق الثاني) 1.

وفيه أيضاً: (حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد، والأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

ثم قال الألباني معلقاً على الحديث: (صحيح: المشكاة: 6144، الروض النضير: 977-878، الصحيحة: 4/356 – 357) 2.

وقد صحح الحديث ابن حجر العسقلاني في كتاب المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية في باب فضائل الإمام علي عليه السلام عن علي قال:

(إن النبي (ص) حضر الشجرة بخم، ثم خرج آخذاً بيد علي فقال: ألستم تشهدون أن الله ربكم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كان الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سببه بيده وسببه بأيديكم وأهل بيتي) قال: وهذا إسناد صحيح3.

وقد صححه أيضاً ابن حجر الهيثمي في كتابه الصواعق المحرقة فقال: (ومن ثم صح أنه (ص) قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي) 4.

وقال في نفس المصدر: (وفي رواية صحيحة: إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي.

زاد الطبراني: إني سألت لهما فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم...) 5.

كما صححه البوصيري في " اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة " قال: (وعن علي بن أبي طالب أن النبي (ص) حضر الشجرة بخم، ثم خرج آخذاً بيد علي فقال: ألستم تشهدون أن الله ربكم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم وأن الله ورسوله مولاكم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كان الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله سببه بيده وسببه بأيديكم وأهل بيتي) قال البوصيري: (رواه إسحاق بسند صحيح) 6.

ورواه بسند صحيح أيضاً يعقوب بن سفيان الفسوي في كتابه المعرفة والتاريخ، قال: (حدثنا يحيى قال: حدثنا جرير عن الحسن بن عبيد الله عن أبي الضحى عن زيد بن أرقم قال: قال النبي (ص): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله عزّ وجل وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) 7.

ورجال سنده كلهم من الثقات، أما (يحيى) فهو الإمام الحافظ يحيى بن يحيى بن بكير التميمي المنقري النيسابوري أبو زكريا، ثقة، أخرج له من الستة البخاري ومسلم والنسائي والترمذي8.

و (جرير) هو جرير بن عبد الحميد بن قرط الضبي الرازي، وهو ثقة أخرج له الستة جميعهم9.

و (الحسن بن عبيد الله) هو الحسن بن عبيد الله بن عروة النخعي أبو عروة وهو ثقة من رجال مسلم والبقية عدا البخاري10.

و (أبو الضحى) هو مسلم بن صبيح وهو ثقة من رجال الجميع11.

وصححه الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في ينابيع المودة قال:

(ومن ثمة صح أنه (ص) قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي) 12.

وقال القندوزي: (وأخرج الطبراني في الكبير برجال ثقات، ولفظه: إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وأهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) 13.

كما رواه بهذا النص أحمد بن حنبل في مسنده، وقد قال عن مسنده: (إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله (ص) فارجعوا إليه فإن كان فيه وإلاّ فليس بحجة) 14.
وبما أن الحديث باللفظ المذكور موجود في المسند، فيكون حجة ففيه: (حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ألا وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) 15.

وقال محمود شكري الألوسي في كتابه " مختصر التحفة ": (وههنا فوائد جليلة لها مناسية مع هذا المقام، وهي أن رسول الله (ص) قال: إني تارك فيكم الثقلين فإن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وهذا الحديث ثابت عند الفريقين أهل السنة والشيعة) 16.

وقال بصحته ابن جرير الطبري، نقل تصحيحه له المتقي الهندي في كنز العمال، قال: (عن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب: أن النبي (ص) قال: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله، سبب بيد الله، وسبب بأيديكم، وأهل بيتي).

(ابن جرير وصححه) 17.

وصححه المحاملي في أماليه، ذكر ذلك جلال الدين السيوطي في مسند الإمام علي قال: (عن علي رضي الله عنه أن النبي (ص) قام بحفرة الشجرة بخم ثم خرج آخذاً بيد علي فقال: أيها الناس ألستم تشهدون أن الله ربكم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تشهدون أن الله ورسوله أولى بكم من أنفسكم وأن الله ورسوله مولاكم؟ قالوا: بلى، قال: فمن كان الله ورسوله مولاه فإن هذا مولاه، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به فلن تضلوا بعده، كتاب الله سببه بيده وسببه بأيديكم وأهل بيتي) (ابن راهويه وابن جرير وابن أبي عاصم والمحاملي وصحح) 18.

وصححه أيضاً الحافظ السقاف في كتابه " صحيح صفة صلاة النبي " قال: (ففي سنن الترمذي 5/663 برقم: 3788 قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما).

ثم قال السقاف: (وهو صحيح) 19.

كما صححوا حديث الثقلين بألفاظ أخرى تؤدي معنى وجوب التمسك بهما ففي مستدرك الحاكم قال: (حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن تيميم الحنظلي ببغداد، حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا يحيى بن حماد، وحدثني أبو بكر محمد بن بالويه وابو بكر أحمد بن جعفر البزار قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن حماد، وحدثنا أبو نضر أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا صالح بن محمد الحافظ البغدادي، حدثنا خلف بن سالم المخرمي، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة، عن سليمان الأعمش قال: حدثنا حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل بغدير خم أمر بدوحات فقممن فقال: كأني قد دعيت فأجبت أني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله تعالى وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن الله عز وجل مولاي وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه).
ثم قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بطوله) 20.
وقال ابن كثير: (وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله (ص) قال في خطبته بغدير خم: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) 21, وقد ارتضى ابن كثير تصحيح الذهبي: (وقد روى النسائي في سننه عن محمد بن المثنى، عن يحيى بن حماد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال: لما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع ونزل بغدير خم أمر بدوحات فقممن ثم قال: كأني دعيت فأجبت، إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟ فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فقلت لزيد سمعته من رسول الله (ص)؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينه، وسمعه بأذنيه).
ثم قال ابن كثير: (تفرد به النسائي من هذا الوجه، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي: وهذا حديث صحيح) 22.

وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير: (إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).

(صحيح) (حم، طب، عن زيد بن ثابت) 23.

وقال جمال الدين القاسمي: (وقد ثبت في الصحيح أن رسول (ص) قال في خطبته: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي، وأنهما لم يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) 24.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (وعن زيد بن ثابت عن رسول الله (ص) قال: إني تركت فيكم خليفتين، كتاب الله وأهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
ثم قال: (رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات) 25.

وقال أيضاً: (عن زيد بن ثابت قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله عز وجل حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض). ثم قال: (رواه أحمد وإسناده جيد) 26.

وقال السمهودي: (وأخرجه الطبراني في الكبير برجال ثقات، ولفظه: إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله عزّ وجل وأهل بيتي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) 27.

وقال الأزهري: (روى شريك عن الركين، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (ص): إني تارك فيكم الثقلين خلفي، كتاب الله وعترتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) ثم قال الأزهري: (قال محمد بن إسحاق: وهذا حديث حسن صحيح) 28.
ويطول الحديث لو أردنا أن نستعرض كلمات علماء المذاهب في تصحيح حديث الثقلين بلفظ الترمذي وبألفاظه الأخرى، فهو حديث ثابت لا غبار على صحته، وأسانيده عديدة منها ما هو صحيح عندهم ومنها ما هو حسن، وقد حكم عليه أعلام أهل السنة بالصحة، وتلقوه بالقبول.

وبذلك يظهر عدم صحة قول عثمان الخميس: (الحديث فيه كلام من حيث صحته وثبوته عن النبي (ص))!

وعندما نعرف أن عثمان الخميس مطلع على الحديث ومتخصص به، ولا بد أنه قرأ هذه المصادر كلها أو جلها، وعلى الأقل ما صححه شيخه الألباني نطمئن بأن تضعيفه للحديث ناتج عن مرضه وغرضه فقط!.

كما نعرف أن تصويره للحديث وكأن روايته محصورة بلفظ مسلم التي يزعم أنه ليس فيها أمر التمسك بأهل البيت عليهم السلام هو تدليس في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله!.

فهل هذه محبة أهل البيت عليهم السلام التي يدّعيها الشيخ عثمان الخميس ويتشدّق بها؟! وإعطائهم حقوقهم كاملة وبدون نقيصة كما يزعم؟!29.
فهل من محبتهم وإعطائهم حقوقهم كاملة أن يكتم العالم العارف صحة ما هو ثابت من مناقبهم وفضائلهم، ويزعم أن حديثها غير ثابت؟!.

وهل يصدر هذا الفعل إلا ممن ناصبهم العداء!.

ثانياً: النبي أوصى في حديث الثقلين بالتمسك بالكتاب والعترة

قال عثمان الخميس: (وقد ثبت من حديث جابر في مسلم أن النبي (ص) لما خطب في حجة الوداع قال: قد تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به كتاب الله، ولم يذكر أهل البيت...).

وجوابه:

أولاً: ان هذا الكلام تدليس في تدليس، لم يقله أحد قبل ابن تيمية وعثمان الخميس، فكل من قرأ حديث الثقلين الشريف من علماء المسلمين واطلع على صيغه المتعددة يعرف أن النبي صلى الله عليه وآله قد كرره مراراً عند فتح الطائف، ثم في المدينة، ثم في حجة الوداع، ثم في مرض وفاته صلى الله عليه وآله.. ويعلم أنه أوصى بالتمسك بهما معاً، وليس بخصوص الكتاب!!.

قال ابن حجر الآخر في الصواعق المحرقة وهو يتحدث عن حديث الثقلين: (ثم اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقاً كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً... وفي بعض تلك الطرق أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة وفي أخرى أنه قال ذلك بغدير خم، وفي أخرى أنه قال لما قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ولا تنافي إذ لا مانع أنه كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة) 30.

وقال الرافعي في كتاب التدوين: (وروى أحمد بن ميمون عن محمد بن مدان، وحدث سبطه أبو الحسن أحمد بن محمد بن أحمد بن ميمون عنه وعن محمد بن الحجاج قالا: حدثنا محمد بن مهران، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: أن النبي (ص) قال يوم عرفة في حجته على ناقته القصواء: أيها الناس قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي) 31.

وكذلك رواية الترمذي المروية من طريق زيد بن الحسن الأنماطي32 والتي حسنها الترمذي، وغيرها.
وبمعناه ما صححه الحاكم في المستدرك33، وغيره، وغيره.

وبهذا يتبين كذب عثمان الخميس بادعائه أن النبي صلى الله عليه وآله قد أمر بالتمسك بالقرآن فقط دون أهل البيت عليهم السلام.

ثانياً: لماذا لا تكون رواية مسلم ناقصة أو مبتورة؟!

روى مسلم بن الحجاج هذا الحديث من طريق حاتم بن إسماعيل عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه الإمام الباقر عليه السلام عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضوان الله تعالى عليه، وبغض النظر عمّا قيل في (حاتم بن إسماعيل) من جرح يجعلنا نعرض عن روايته هذه، فقد قالوا: إنه (كان يهم) 34، وأن (به غفلة) 35، وأنه روى أحاديث مراسيل عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه أسندها كما قال عنه ذلك علي بن المديني36 وأنه: (ليس بالقوي) كما قال عنه النسائي37 فقد مر عليك في صفحة (119) رواية الرافعي في كتابه التدوين لحديث الثقلين بسند فيه (حاتم بن إسماعيل) وفيها أمر بالتمسك بالكتاب والعترة معاً.

ومنه يظهر أن هناك بتراً في رواية مسلم هذه، فقد بتر أحد رواتها وصيته وأمره صلى الله عليه وآله بالتمسك بالعترة من أهل بيته عليهم السلام.

بل حتى لو فرضنا صحة رواية مسلم وعدم نقصانها فإن أمره صلى الله عليه وآله في موقف ما بالتمسك بالقرآن الكريم لا ينافي أمره في موقف آخر بالتمسك بالكتاب والعترة معاً، ولا يعد ذلك دليلاً على بطلانه بعد ثبوته بالدليل الصحيح.

لكن عثمان الخميس استغل لفظ مسلم ومهد بمزعومة زعمها أن حديث الثقلين باللفظ الذي ذكره الترمذي أو بالألفاظ القريبة منه في صحته كلام! ليخدع القرىء لكتابه والمستمع له ويوهمه أن النبي صلى الله عليه وآله لم يأمر فيه بالتمسك بالعترة الطاهرة عليهم السلام مع الكتاب، وإنما كان الأمر خاصاً بالتمسك بالقرآن فقط! وهو بفعله هذا يقلد النواصب أخزاهم الله الذين يسعون بكل جهدهم لتحريف أحاديث النبي صلى الله عليه وآله الصحيحة في حق أهل بيته عليهم السلام ويغمضون عيونهم عن تصحيح أئمة علماء السنة لها! والحمد لله أننا أسقطنا ما في يده.

ثالثاً: لقد فهم العلماء حتى من رواية مسلم وجوب التمسك بالثقلين

فحديث الثقلين حتى بلفظ مسلم صريح وواضح في أن النبي صلى الله عليه وآله إنما أمر فيه المسلمين بالتمسك بالكتاب والعترة معاً وليس بخصوص الكتاب كما يزعم عثمان ومن قبله ابن تيمية، وهذا ما فهمه العلماء من هذا الحديث، فهم لا يفرقون بين ألفاظ هذا الحديث وغيره في دلالتها على لزوم التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة، وهذه نماذج من أقوالهم:

ففي شرح المقاصد للتفتازاني قال:

(وقال عليه الصلاة والسلام: إني تركت فيكم ما أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وقال عليه السلام: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.

ومثل هذا يشعر بفضلهم على العالم غيره لاتصافهم بالعلم والتقوى وشرف النسب، الا ترى أنه عليه الصلاة والسلام قرنهم بكتاب الله تعالى في كون التمسك بهما منقذاً عن الضلالة، ولا معنى للتمسك بالكتاب إلا الأخذ بما فيه من العلم والهداية، فكذا العترة، ولهذا قال النبي (ص): من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) 38.
وقال الشوكاني وهو يرد على من ادعى أن آل النبي صلى الله عليه وآله جميع الأمة:

(ولكن ههنا مانع من حمل الآل على جميع الأمة وهو حديث إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي، الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره فإنه لو كان الآل جميع الأمة لكان المأمور بالتمسك والأ مر المتمسك به شيئاً واحداً وهو باطل) 39.

وقد عقد محب الدين الطبري باباً في كتابه " ذخائر العقبى " بعنوان (باب فضل أهل البيت والحث على التمسك بهم وبكتاب الله عز وجل والخلف فيهما بخير) ونقل تحت هذا الباب حديث الثقلين عن سنن الترمذي وصحيح مسلم40؟

وقال الحافظ السخاوي الشافعي: (وتجبت من إيراد ابن الجوزي له في (العلل المتناهية) بل أعجب من ذلك قوله: إنه حديث لا يصح! مع ما سيأتي من طرقه التي بعضها في صحيح مسلم...) 41.

وقال الشيخ محمد أمين بن محمد معين في كتابه " دراسة اللبيب في الأسوة بالحبيب ": (ووجدنا في أهل البيت سلام الله تعالى عليهم أجمعين حديث التمسك المشهور، وفتشنا عن مخرجيه فإذا هو أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشري في صحيحه ولفظه) ونقل حديث الثقلين بنص مسلم.

وقال أيضاً: (فنظرنا فإذا هو – حديث الثقلين – مصرح بالتمسك بهم وبأن اتباعهم كاتباع القرآن على الحق الواضح، وبأن ذلك أمر محتم من الله تعالى لهم، ولا يطرأ عليهم في ذلك ما يخالفه حتى الورود على الحوض، وإذا فيه حث بالتمسك فيهما بعد الحث على وجه أبلغ) وقال أيضاً وهو يشرح حديث الثقلين بلفظ مسلم:

(فحملنا قوله: أذكركم الله على مبالغة التثليث فيه على التذكير بالتمسك بهم، والردع عن عدم الاعتداد بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم وفتياهم، وعدم الأخذ بمذهبهم) 42.

والنتيجة: أنك بعد أن عرفت أن ألفاظ الحديث في غير مسلم قد صرحت بوجوب التمسك بالكتاب والعترة عليهم السلام وأن علماء السنة قد فهموا حتى من حديث مسلم وجوب التمسك بالثقلين الكتاب والعترة لا بالكتاب وحده.

فلم يبق عذر لعثمان الخميس وأمثاله أن يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله بأنك لم تأمرنا بالتمسك بالعترة43!.

  • 1. صحيح سنن الترمذي 3/542 برقم: 3786.
  • 2. صحيح سنن الترمذي 3/543 برقم: 3788.
  • 3. المطالب العالية 4/65 برقم: 3972.
  • 4. الصواعق المحرقة 2/428.
  • 5. الصواعق المحرقة 2/439.
  • 6. اتحاف الخيرة المهرة 9/279.
  • 7. المعرفة والتاريخ 1/536.
  • 8. تهذيب الكمال 8/102 رقم الترجمة: 7538.
  • 9. تهذيب الكمال 1/447 رقم الترجمة: 901.
  • 10. تهذيب الكمال 2/138 رقم الترجمة: 1226.
  • 11. تهذيب الكمال 7/100 رقم الترجمة: 6523.
  • 12. ينابيع المودة: 295.
  • 13. ينابيع المودة 1/120 برقم:45.
  • 14. من له رواية في مسند أحمد 9، سير أعلام النبلاء ترجمة أحمد بن حنبل.
  • 15. مسند أحمد 3/59 برقم: 11578.
  • 16. مختصر التحفة: 52.
  • 17. كنز العمال 1/379 برقم: 1650.
  • 18. مسند علي 192 برقم: 605.
  • 19. صحيح صفة صلاة النبي: 29.
  • 20. المشتدرك على الصحيحين 3/118 برقم: 4576.
  • 21. تفسير ابن كثير 4/122.
  • 22. البداية والنهاية لابن كثير 5/ 228، السيرة النبوية لابن كثير 4/416.
  • 23. صحيح الجامع الصغير 1/842 برقم: 2457.
  • 24. محاسن التأويل 4/307.
  • 25. مجمع الزوائد 1/170.
  • 26. مجمع الزوائد 9/256، وانظر مسند أحمد 8/138 برقم: 21634.
  • 27. جواهر العقدين: 236.
  • 28. تهذيب اللغة 2/264.
  • 29. لقد زعم عثمان الخميس أنهم هم أتباع عترة النبي صلى الله عليه وآله حيث أعطوهم حقوقهم ولم ينقصوا منها شيئاً! قال: (بل نحن أتباع عترة النبي (ص) الذين أعطيناهم حقهم ولم نزد ولم ننقص) (حقبة من التاريخ: 240).
  • 30. الصواعق المحرقة 2/440.
  • 31. التدوين 2/266.
  • 32. ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه العديد من علماء أهل السنة أمثال إسحاق بن راهويه وسعيد بن سليمان وعلي بن المديني وجرحه أبو حاتم بقوله: (منكر الحديث) وجرحه هذا غير معتبر لأن النكارة في حديثه كما أنها تأتي من الراوي نفسه فقد تأتي من بعض الرواة الذين روى عنهم وممن رووا عنه، ولأن مقياس هؤلاء في الحكم على الحديث بالنكارة غير صحيح، فقد يحكمون على الحديث بالنكارة أو على راويه بأنه منكر الحديث لأن ما ورد فيه لا يتماشى مع مذهبهم في الأصول والفروع، فهم يحكمون على الكثير من الأحاديث التي تروى عن النبي صلى الله عليه وآله في حق أهل بيته بأنها أحاديث منكرة خصوصاً تلك الأحاديث التي تقدمهم على غيرهم كالثلاثة، أو تثبت لهم خصوصية قيادة الأمة من بعده صلى الله عليه وآله ولذلك يجرحون الراوي لها بقولهم: (منكر الحديث)، نعم لقد قال الذهبي وابن حجر عنه بأنه ضعيف وهما متأخران فجرحهما له وحكمهما عليه بالضعف ليس إلا اجتهاداً منهما وهو أيضاً غير معتبر لعدم ذكرهما ما استندا إليه في هذا الجرح، فيبقى الرجل بدون جرح ورواية أولئك العلماء عنه دليل على اعتبارهم حديثه وقد حكم الترمذي على هذا الحديث بأنه حديث حسن.
  • 33. المستدرك على الصحيحين 3/144.
  • 34. تقريب التهذيب 1/144.
  • 35. الجرح والتعديل 3/258، ميزان الاعتدال 1/428.
  • 36. تهذيب التهذيب 2/110.
  • 37. ميزان الاعتدال 1/428، تهذيب التهذيب 2/110.
  • 38. شرح المقاصد 2/221.
  • 39. نيل الأوطار 2/328.
  • 40. ذخائر العقبى: 16.
  • 41. استجلاب ارتقاء الغرف: 83.
  • 42. دراسة اللبيب 231- 232.
  • 43. نقلا عن كتاب الرد النفيس على أباطيل عثمان الخميس، تأليف الشيخ حسن عبد الله العجمي.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا