مجموع الأصوات: 6
نشر قبل شهران
القراءات: 716

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الفكر الإسلامي والخبرة النقدية

مازال الفكر الإسلامي المعاصر يستعيد الحديث عن تلك التجربة الفكرية الشيقة، التي جرت بين أبي حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة)، وبين ابن رشد في كتابه (تهافت التهافت)، في الفترة ما بين بداية القرن السادس الهجري ونهايته. وقد باتت هذه التجربة تؤرخ لمرحلة فاصلة في تاريخ تطور الفكر الإسلامي، وبالذات من جهة علاقته بالفلسفة، وهي العلاقة التي أثرت على وجهة الفكر الإسلامي العامة، وعلى طبيعة مساراته الفكرية. فأثر ذلك الانقسام والتباين مازالت مفاعيله حاضرة في اتجاهات الفكر الإسلامي المعاصر، فهناك من يتحيز إلى الغزالي، ويصطف إلى جانبه، ويدافع عن موقفه المعارض لنهج الفلاسفة، وهناك أيضاً من يتحيز إلى ابن رشد، ويصطف إلى جانبه، ويدافع عن موقفه المساند لنهج الفلاسفة.
والشاهد في هذه التجربة الفكرية، هي أنها كشفت عن خبرة نقدية مبكرة في المجال الفكري الإسلامي، وعلى مستوى علمي رفيع، جمعت بين قطبين بارزين مثل فيها الغزالي مدرسة علم الكلام، ومثل فيها ابن رشد مدرسة علم الفلسفة. والمهم في هذه التجربة أنها برهنت على إمكانية أن يولد الفكر الإسلامي من داخله، ومن معارفه ومنهجياته مثل تلك الخبرة النقدية، وبذلك المستوى العلمي الرفيع.
ويذكر لهذه التجربة أنها ساهمت في توليد وتحريك الخبرة النقدية في المجال الفكري الإسلامي، حيث واصل البعض مسلك الغزالي، وفي هذا النطاق صدرت ثلاثة مؤلفات حملت عنوان كتاب الغزالي نفسه (تهافت الفلاسفة) وكانت متأثرة بنهجه، ومدافعة عن موقفه في معارضة مسلك الفلاسفة، وهذه المؤلفات: واحد من تأليف سعيد بن عبد الله بن الحسن الراوندي في القرن السادس الهجري، وآخر من تأليف علاء الدين الطوسي في القرن التاسع، وثالث من تأليف مصلح الدين خواجه زاده في القرن التاسع أيضاً.
وتجددت تجربة الغزالي وابن رشد في تجربة مشابهة لهما، ومتأثرة بنهجهما، حصلت ما بين القرن السادس والقرن السابع. فقد أصدر صاحب كتاب الملل والنحل محمد بن عبد الكريم الشهرستاني كتاباً في صف الغزالي بعنوان (مصارعة الفلاسفة)، فرد عليه نصير الدين الطوسي في القرن السابع بكتاب يدافع فيه عن الفلاسفة بعنوان (مصارعة المصارعة).
وفي القرن السابع ظهرت تجربة أخرى ما بين الفخر الرازي ونصير الدين الطوسي، وهي أيضاً من التجارب التي ما زال الفكر الإسلامي المعاصر يتوقف عندها، ويستعيد الحديث عنها. فعندما صنف الفخر الرازي كتاباً في شرح كتاب (الإشارات والتنبيهات) أحد أشهر مؤلفات ابن سينا الفلسفية، وأظهر فيه نقداً ومعارضة لأفكار ابن سينا الفلسفية، حيث وقف إلى صف الغزالي في معارضة الفلاسفة، مع استقلاله في منهجه عن الغزالي، فقد كان عالماً بارعاً في العلوم العقلية والنقلية. هذا الموقف من الفخر الرازي حرض نصير الدين الطوسي على أن يصنف كتاباً آخراً في شرح كتاب ( الإشارات والتنبيهات) دفاعاً عن ابن سينا ونهج الفلاسفة، ونقداً لأفكار الفخر الرازي.
هذه بعض التجارب الفكرية النقدية التي اشتهرت وعرفت في الكتابات والدراسات التي تناولت الحديث عن تاريخ تطور الفكر الإسلامي، وتاريخ تطور الفلسفة والفكر الفلسفي في الإسلام، إلى جانب تجارب أخرى قبل وبعد تلك التجارب، وبعضها ينتمي إلى معارف وعلوم أخرى.
وبغض النظر عن موقفنا وتقييمنا لهذه التجارب، إلا أنها ساهمت في تطور الفكر الإسلامي والمعارف الإسلامية، وفي تحريكهما وازدهارهما.
والفكر الإسلامي المعاصر وهو يجابه أخطر إيديولوجية تنبعث اليوم في البيئات الإسلامية، وهي إيديولوجية التعصب والتطرف والتكفير، والتي تقدم صورة تتعارض بشدة والجوهر الحضاري والمنبع الإنساني للإسلام، فإنه بحاجة ماسة لأن يستعيد تلك الخبرة النقدية، لتوليد فكر نقدي من داخله لمواجهة ومحاصرة تلك الإيديولوجية العمياء.
فمعركة الإسلام الحقيقية هي في بناء المدنية والعمران الإنساني، ومكافحة الجهل والأمية، وطلب العلم ولو بالصين، وتحرير العقول من الغلو والتطرف والخرافات، والسعي في طريق التقدم. وهذا هو التحدي ينتظر الفكر الإسلامي المعاصر1!

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الأربعاء / 1 فبراير 2006م، العدد 14403.