مجموع الأصوات: 4
نشر قبل شهر واحد
القراءات: 246

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

سنّة التبديل والتغيير من سنن التطور الإجتماعي في القرآن الكريم

وتعني سنّة التبديل والتغيير أنّ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى حين يمنّ على أمّة مّا بالتمكين والقوّة، فينعم عليها بنعمه العامّة، ثمّ يتمّها بنعمته التّامّة الّتي هي نعمة القيادة الإلهيّة الّتي بها تنال الأمّة عزّة الدنيا والآخرة، وسعادتهما، والفوز والفلاح فيهما، يتحتّم على هذه الأمّة- وفقاً للواجب العقليّ، وما يحكم به الضمير الإنسانيّ- أن تشكر الله على نعمه هذه، وبخاصّة نعمته التامّة الكبرى الّتي هي نعمة القيادة الإلهيّة، وشكر كلّ نعمة إنّما هو:

أوّلًا: بالإفادة منها، وعدم تعطيلها وإهمالها.

ثانياً: بالإفادة منها في موضعها اللائق بها، وبالطريقة المناسبة.

وليس شكر النعمة التامّة الكبرى الّتي هي نعمة القيادة الإلهيّة إلّا بالسمع وبالطاعة لها، وبنصرتها، وعدم خذلانها.

فإن شكرت الأمّة نعمة الله عليها، وأحسنت الإفادة منها، زاد الله من نعمه عليها، وفتح عليها بركات السماء والأرض، وأعزّها وسمى بها إلى أعلى درجات الفوز والفلاح.

ولكنّها إن كفرت بنعمة الله، وخاصّة نعمة القيادة الإلهيّة الكبرى- وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم «تبديل النعمة»- سلبها الله نعمه، وضرب عليها الذّل والمسكنة، وباءت بغضب من الله، ونزل عليها العذاب. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ ... لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ 1.

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ 2.

﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ... 3.

﴿ ... إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ 4.

وهكذا تجري سنّة التغيير الّتي تعني تغيير النعمة، وزوالها، وحلول النقمة الإلهيّة محلّها، وذلك بسبب تبديل النعمة؛ أي‌ تعطيلها، وكفرانها، وعدم وضعها موضعها، وعدم الإفادة منها بالطريقة الصالحة المناسبة.

وقد أشار الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى إلى تنفيذ سنّة التغيير هذه على أمّةٍ وصف حالها بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ 5.

والظاهر أنّ المراد «الرّسول» هنا: هو خاتم المرسلين وسيّدهم محمّد (ص)، وأنّ المراد «القرية»: مدينة الإسلام الّتي أعزّها الله بالإسلام، وأعلى كعبها بطاعة النبيّ (ص)، وفضّلها على سائر المدن بنصرة رسول الله (ص)؛ فقد وُصف الرسول هنا بأنّه من القوم الّذين أرسل إليهم، وهذا ما وصف الله به خاتم النبيّين محمّداً (ص) في أكثر من آية؛ إذ قال:

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... 6.

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ... 7.

فمدينة الإسلام الأولى الّتي أعزّها الله بنعمته الكبرى، بدّلت نعمة الله بالإعراض عن رسول الله (ص)، وخذلانه، وعصيانه، بعد أن خضعت لحكم الطغاة من الأمويّين، وأقرانهم، وأمثالهم، فغير الله نعمتها عليها، وسلبها عزّها الأوّل، فتعرّضت للعذاب، واستباحة الدماء والأموال، حتّى آل أمرها إلى ما نشاهده اليوم 8.