الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

المرجعية والولاية

هل يصحّ فصل المرجعية في التقليد عن الولاية، أو لا؟

أوّل ما يبدو للنظر هو أنّ انفصال المرجعية في التقليد عن الولاية أمر طبيعي لاختلاف إحداهما عن الأُخرى في الشرائط.

فالمرجعية في التقليد في الأُمور الفردية مدارها الأعلمية بحكم الارتكاز العقلائي في باب الرجوع إلى أهل الخبرة حيث يختار لدى تعارض آراء أهل الخبرة من هو أكثر خبرة، والأدلّة اللفظية للتقليد أيضاً تعطي نفس النتيجة، إمّا لأجل انصرافها إلى ما عليه الارتكاز، أو لأجل أنه لدى تعارض الفتويين يكون إطلاق الدليل لحجّيّة فتوى الأعلم سليماً عن المعارض، ولا يتعامل العرف مع الإطلاقين معاملة التعارض الداخلي والإجمال؛ لأن نكتة التقليد وهي الخبروية والعلم مأخوذة في لسان الدليل، فإذا كانت هذه النكتة موجودة بشكل متكّرر ومتأكّد في الأعلم التفت العرف إلى تيقن سقوط فتوى غير الأعلم وبقاء فتوى الأعلم تحت الإطلاق بلا معارض. نعم إن كان الفاصل بين الأعلم وغيره ضئيلا لا يصل إلى مستوى ملاك التقليد أشكل الأمر.

وعلى أية حال فالمقياس في التقليد في الأُمور الفردية هو الأعلمية.

أما المقياس في الولاية فيختلف عن مقياس مرجعية التقليد في أمرين:

الأوّل: أنّ الولاية مشروطة بالكفاءة السياسية والاجتماعية، في حين أنّ التقليد لم يكن مشروطاً بهذا الشرط، أو لنفترض أنّ كلاّ من مرجعيّة التقليد والولاية مشروطة بالأعلميّة في موردها، ولكن الأعلميّة في أحد الموردين تختلف عن الأعلميّة في الآخر.

صحيح أنّ الكفاءة الذهنيّة السياسيّة والاجتماعيّة دخيلة في استنباط كثير من الأحكام فتؤثّر ـ لا محالة ـ على الأعلميّة ولكن ليست هي وحدها الدخيلة في ذلك كي لا تنفكّ الأعلميّة عن الكفاءة.

والثاني: أنّ مقياس الترجيح في باب التقليد الفردي كان هو واقع الأعلميّة، وكان اعتقاد الشخص بأعلميّة فقيه طريقاً إلى الواقع، ولكن في باب الولاية حينما تتجاوز دائرة القيادات الموضعيّة والجزئيّة ـ كما إذا قامت الدولة الإسلاميّة بقيادة الفقيه ـ لا يمكن أن يكون المقياس واقع الأعلميّة في فنّ القيادة، أو قل: واقع الأكفئيّة؛ لما مضى في الأبحاث السابقة من أنّ جعل المقياس هو الواقع يفشل عمل الوليّ؛ لأنّ الناس يختلفون في تشخيص الواقع، فمنهم من يرى زيداً هو الأكفأ مثلا، ومنهم من يرى عمراً هو الأكفأ، فنقع عندئذ في فساد تعدّد الأولياء. إذن فالمقياس في الترجيح يجب أن يكون له حظّ من مرحلة عالم الإثبات وهو انتخاب الأكثريّة، ولو على أساس اعتقادهم بأكفئيّة من بين المتهيّئين للتصدّي للولاية.

فإذا اتّضح اختلاف مقاييس الولاية عن مقاييس التقليد في القضايا الشخصيّة فانفصال أحدهما عن الآخر أحياناً يكون ضروريّاً.

أدلّة عدم جواز الفصل:

إلاّ أنّ هناك وجوهاً لدعوى عدم إمكانيّة الفصل بينهما:

الوجه الأوّل: أنّه لو انفصلت المرجعيّة عن الولاية فكثيراً ما يتّفق أنّ الوليّ يصدر أحكاماً مبتنية على جذور فقهيّة لا يؤمن بها المرجع في التقليد؛ وذلك لأنّ الأحكام الولائيّة ليست دائماً منفصلة تماماً عن المباني الفقهيّة الأوّليّة، فإنّ الأحكام الولائيّة مشروطة بعدم التصادم مع الأحكام الإلزاميّة الأوّليّة التي لا يجوز مخالفتها إلاّ بنكتة التزاحم، فالفقيهان قد يختلفان في صحّة بعض الأحكام الولائيّة وعدم صحته نتيجة اختلافهما في فهم الأحكام الأوّليّة التي لابدّ من أخذها بعين الاعتبار ضمن الأحكام الولائيّة، وعندئذ لو كان أحدهما مرجعاً للتقليد والآخر زعيماً للأُمّة الإسلاميّة في القضايا السياسيّة والاجتماعيّة دار أمر الفرد بين أن يخالف أمر الوليّ أو يخالف أمر المقلّد، وكلاهما غير جائز، فكيف يمكن حلّ الإشكال لدى انفصال المرجعيّة عن القيادة؟ أفلا ينتهي هذا إلى بطلان أحد الأمرين المرجعيّة أو القيادة؟!

وتحقيق الكلام في ذلك: أنّ هذا البيان بعد التدقيق لا ينتهي إلى بطلان فصل المرجعيّة عن القيادة، بل تبقى لكلّ منهما مساحة خاصّة بها، ويتّضح ذلك بالالتفات إلى مجموع أُمور:

الأوّل: أنّ فتاوى المرجع ـ في غير موارد الاصطدام بأوامر الوليّ ـ تبقى على قوّتها بما فيها فتاواه المخالفة لفتاوى الوليّ التي كانت دخيلة في أوامره الولائيّة، فهي في غير الموارد التي شملها الأمر الولائي باقية أيضاً على قوّتها، وإنّما الإشكال يختصّ بالفتاوى المعارضة لفتاوى الوليّ الدخيلة في أوامره في خصوص مورد الأمر.

والثاني: أنّ فتوى المرجع في موارد الاصطدام بحكم الوليّ لو كانت فتوى ترخيصيّة وكان حكم الوليّ إلزاميّاً وجب على المولّى عليه العمل بحكم الوليّ، ويكفي في إثبات ذلك أن يقال: إنه لو عمل بحكم الوليّ لم يخالف مرجعه أيضاً؛ إذ غاية الأمر أنه ملتزم في رأي مقلّده بأحد طرفي الترخيص ولا بأس بذلك، وهذا بخلاف ما لو عكس الأمر والتزم بالترخيص فعمل على خلاف حكم الولي فعندئذ قد خالف أمراً إلزامياً.

وبكلمة أُخرى: إنّ فتوى المرجع هنا لا تمنع عن العمل بحكم الوليّ في حين أنّ حكم الوليّ يمنع عن الأخذ بنقيضه المطابق لفتوى المرجع. إذن فيجب عليه هنا اتّباع الوليّ، وهو في الحقيقة موافقة للولي والمرجع في وقت واحد فأحدهما يوجب ما فعله والثاني يجوّزه.

والثالث: أنّ فتوى المرجع في موارد الاصطدام بحكم الوليّ لو كان عبارة عن الإيجاب مع كون حكم الوليّ تحريماً أو بالعكس فهنا لو كان الوليّ يقصد بحكمه أنه حتى لو كان الحكم الأوّلي هو الذي يقوله المرجع فالمصالح الثانوية المزاحمة اقتضت الإلزام بنقيض ذلك، فهنا لابدّ من اتباع الوليّ، ويكفي في إثبات ذلك أنّ المرجع أيضاً يعترف بأنّ الحكم الأوّليّ على تقدير التزاحم بمصلحة أهمّ يتقدّم عليه الحكم الثانوي، ولو خالف الوليّ في تشخيص المصلحة فرأي الوليّ هو الحجّة في تشخيصها دون رأي المقلّد، فإنّ المقلّد إنما يكون رأيه حجّة في تخصّصه الفقهي الذي كان فيه أعلم من الوليّ مثلا لا في تشخيص المصلحة.

أما لو كان الوليّ إنّما حكم بالتحريم مثلا خلافاً لرأي المرجع الذي أفتى بالوجوب من باب ما يراه من مصلحة إلزامية ثانوية في التحريم دون مزاحمة بحكم أوّلي؛ لأنه كان يعتقد أنّ حكمه الأولّي هو الإباحة لا الوجوب، ولو كان يوافق المرجع في أنّ الحكم الأوّلي هو الوجوب لما كان يحرّم؛ لأنه لا يرى مصلحة التحريم بمستوىً يغلب على الوجوب الأوّلي، فهنا إن رأى الوليّ أنّه بعد التحريم تكون مصلحة وحدة الكلمة بين مقلّدي هذا المرجع وغيرهم وعدم تضعيف القيادة أهمّ من الوجوب الأوّلي الذي ادّعاه ذاك المرجع لو كان صحيحاً، فهنا أيضاً لابدّ من متابعة الوليّ حيث شخّص بالنهاية أنّ المصلحة الثانوية غلبت الوجوب الأوّلي لو كان، والمرجع ليس له حقّ تشخيص المصلحة للأُمّة في مقابل الوليّ. وإن لم يرَ الوليّ ذلك فهنا يتبع من يقلّد القائل بالوجوب رأي مقلّده، إلاّ إذا كان دليل الولاية نصّاً وارداً بعنوان إثبات السلطة ـ كآية الشورى، أو روايات البيعة لو تم الاستدلال بها ـ فإن كان كذلك تقدّم على دليل التقليد دائماً رغمأنّ النسبة بين الدليلين عموم من وجه؛ لأنّ دليل التقليد قابل للتخصيص بإخراج هذه الفتوى من فتاوى المرجع من إطلاقه، ولكن دليل الولاية والسلطة آبعن التخصيص عرفاً، بنكتة أنّ التفصيل في الولاية يكون غالباً موجباً لتضعيف السلطة والقيادة.

والرابع: أنّ فتوى المرجع لو كانت إلزامية وحكم الوليّ ترخيصياً فمن الواضح أنه لو كان مراد الوليّ مجرّد الرخصة ـ المنسجمة مع العمل بفتوى المرجع؛ لأنه عمل بأحد طرفي الرخصة ـ لما كان له داع إلى الحكم الولائي، فإنّ أي طرف يعمل به الناس وفق رأي من يقلّدونه يكون عملا بأحد طرفي الرخصة. إذن فحكم الوليّ الترخيصي لا يخلو حاله من أحد فرضين:

الأوّل: أن يكون في واقعه راجعاً إلى الإلزام بالمباح لا الترخيص في الحرام، مثاله: ما لو رخّص الوليّ للناس شراء متاع بسعر محدّد وهو أقلّ مما يرضى به البائع، فهذا وإن كان بحسب الظاهر ترخيصاً في الحرام؛ لأنّ المفتي يقول: إنّ الناس مسلّطون على أموالهم، فيحرم شراء شيء بسعر تحميلي على البائع، والقائد قد رخّص في ذلك، ولكن بعد شيء من التدقيق يتّضح أنّ المسألة مسألة الإلزام بالمباح دون تحليل الحرام؛ لأنه كان من المباح على البائع أن يبيع متاعه بالسعر المحدد فقد ألزمه الولي بفعل هذا المباح، فإن فعل راضياً بذلك فبها ونعمت وإلاّ فعل حراماً في مخالفة الوليّ، فيجبر عندئذ على ترك الحرام، ويكون رضا الوليّ في البيع قائماً مقام رضا المالك الممتنع، فإذا رجع الأمر في واقعه إلى الإلزام بالمباح لا الترخيص في الحرام رجع هذا إلى القسم الأوّل الذي عرفت الحال فيه.

الثاني: أن يكون في واقعه إلزاماً في الرخصة بمعنى أنّ الوليّ لايقبل أن يحسّ الفرد بتحتم ما يقوله المفتي عليه من الفعل أو الترك، فالوليّ يرى أنّ نفس التقيّد بما يقوله هذا المفتي هو المضرّ بالمصلحة الثانوية، ولابدّ من رفعه، وهذا القسم يكون ملحقاً بالقسم الثالث، أعني ما إذا أفتى المفتي بالحرمة وحكم الولي بالوجوب أو بالعكس، فإنّهما معاً يشتركان في التضارب بين مصلحتين ملزمتين، أعني المصلحة الأوّلية التي يراها المفتي ملزمة والمصلحة الثانوية التي يرى الحاكم ضرورة تحصيلها، إما بمعنى إلزام الفرد بنقيض ما أفتى به المفتي كما هو الحال في القسم الثالث أو بمعنى ضرورة ثبوت الرخصة والحرّية للفرد، بمعنى عدم الإحساس بضغط فتوى المفتي عليه كما في المقام، ويأتي هنا عندئذ نفس التفصيل الذي شرحناه في القسم الثالث.

الوجه الثاني: أنّ إسناد المرجعية إلى غير الوليّ تضعيف عمليّ لولايته، فإنّ الشيعة المؤمنين بمبدأ التقليد مجبولون على تقديس المرجع الذي يقلّدونه وعدم تقديس غير المرجع بمقدار تقديس المرجع الذي يأخذون منه حلالهم وحرامهم، فالوليّ إن لم يكن مرجعاً في الحلال والحرام لم يكتسب تلك القدسية في النفوس، وبالتالي ضعف نفوذ كلمته في الأُمّة. إذن فلابدّ من جمع المرجعية والولاية في شخص واحد وإيقاع الكسر والانكسار بين المرجّحات حينما يكون مرجّح المرجعية ـ وهو الأعلمية ـ في بعض، ومرجّح الولاية ـ وهو الأكفئيّة ـ في بعض آخر، ويكون الفاصل هو انتخاب أكثرية النّاس ولو نظراً منهم إلى مجموع المرجّحين؛ لما عرفت فيما مضى من عدم إمكان كون المقياس في فرض التصدّي الحقيقي للحكم الإسلامي من قبل المسلمين هي الأكفئية الواقعية.

ولو فرض أنّ الأعلم لم يكن كفوءاً للقيادة اختصّ التقليد بالوليّ الكفوء، وإن كان مفضولا في الفقه، كل هذا لأجل التزاحم بين مصلحة تقليد الأعلم ومصلحة الولاية، وأهميّة الثانية من الأُولى.

فإن قلت: إنّ التقليد وحجيّة الفتوى حكم ظاهري، وظاهر أدلّة الأحكام الظاهرية هي الطريقية البحتة لحفظ مصالح الأحكام الواقعية المتزاحمة في ما بينها في الحفظ لدى الجهل، في حين أنّ التقليد في المقام أصبح بالبيان الذي ذكرتموه تابعاً لمصلحة سلوكية، أي أنّ هناك مصلحة في تقليد الوليّ وهي تقويته في وسط الأُمّة وتهيئة المناخ المناسب لقيادته لها، وهذا خلاف ظاهر دليل الحكم الظاهري.

قلت: إنّ وجوب تقليد الأعلم الذي هو حكم ظاهري قد سقط بمزاحم أهمّ، وهو وجوب تهيئة المناخ لقيادة الكفوء للمجتمع الذي هو حكم واقعي، وبعد ذلك أصبحت فتوى الولي حجة لطريقيّتها إلى الواقع، فحجّية فتوى الولي حكم ظاهري لا يشذّ عن باقي الأحكام الظاهرية في كونها لأجل حفظ الأحكام الواقعية لدى التزاحم الحفظي، وإنّما كان سقوط رأي الأعلم عن الحجّية نتيجة للتزاحم بين حجّيته ـ التي هي حكم ظاهري ـ وحكم واقعي أهمّ، وهذا له نظيره في سائر الأبواب، فإنّ التزاحم كما قد يتفق بين حكمين واقعيين كما في الصلاة والإزالة كذلك قد يتّفق بين حكمين ظاهريين أو حكم واقعي وحكم ظاهري من دون سراية التزاحم إلى الحكمين الواقعيين، كما لو فرضنا أنّ واجبي النفقة لم يكن تزاحم بين وجوبي الإنفاق عليهما؛ لكون المنفق مالكاً لما يكفي لنفقتهما، ولكن كلّ منهما وقع الاشتباه فيه بين شخصين فكان مقتضى الحكم الظاهري في كل منهما هو العمل بالعلم الإجمالي بالإنفاق على شخصين بناء على أنّ الاحتياط في مورد العلم الإجمالي حكم ظاهري، والمنفق لم يكن قادراً على الإنفاق على أربعة أشخاص، فهنا قد وقع التزاحم بين حكمين ظاهريين من دون سريان التزاحم إلى الحكمين الواقعيين، وكما لو فرضنا أنّ واجب النفقة تردّد بين شخصين وقلنا بأنّ وجوب الاحتياط بالإنفاق عليهما احتياط شرعي فهو حكم ظاهري، ولكن كان ذلك مزاحماً لمصرف أهمّ يؤدّي إلى حفظ النفس مثلا حيث لم يكن المنفق قادراً على الجمع بين ذاك المصرف والإنفاق على طرفي العلم الإجمالي بوجوب النفقة في حين أنه كان قادراً على الجمع بين ذاك المصرف والإنفاق على أحدهما، فالتزاحم وقع بين حكم ظاهري وحكم واقعي من دون سراية ذلك إلى التزاحم بين حكمين واقعيين.

وتحقيق الحال في المقام: أنه متى ما وقع التزاحم حقّاً بين تقليد الأعلم ومصلحة قيادة الأُمّة تقدّم الثاني على الأوّل بلا إشكال للقطع بأهميته، ولكن قد تتفق إمكانية حلّ التزاحم كأن نعمل مثلا على توعية الأُمّة على مقاييس التقليد ومقاييس القيادة وتوضيح الفرق بينهما وإمكانية انفكاك أحدهما عن الآخر بحيث تصبح الأُمّة متقبّلة للتفكيك، ولا يوجب التفكيك شلّ القيادة عن النجاح، أو كما إذا كانت السلطة الفعليه المستقرّة بيد الوليّ الفقيه غير الأعلم بحيث لم يكن يخشى على قيادته الفشل لمجرّد كون التقليد لغيره باعتبار أنّ ما يمتلكه من السلطة كاف لدعم قيادته.

وعلى أيّة حال فلا إشكال في أنه متى ما اجتمعت مقاييس التقليد ومقاييس القيادة في شخص واحد كان في ذلك دعم كبير للقيادة الرشيدة وترتّب على ذلك خيرات وبركات كثيرة.

الوجه الثالث: هو التمسّك بالتوقيع الذي ورد فيه: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه»، وذلك ببيان أنّ هذا الحديث يرجع الأُمّة إلى الراوي في قضايا التقليد وقضايا الولاية معاً، وهذا يعني أنّ من ترجع إليه الأُمّة ترجع إليه في كلا الأمرين، ويجب أن يكون كفوءاً في كلا الأمرين، فمن لا يمتلك الكفاءة في أحدهما ليس هو الذي يُرجع إليه هذا الحديث المقيّد إطلاقه بقيد ارتكازي كالمتصل وهو قيد الكفاءة، وفي مقام الترجيح لدى تعدّد الكفوئين لابدّ من ملاحظة الكسر والانكسار بين مرجّح التقليد ومرجح الولاية، واختيار من يتراءى أنه أفضل بلحاظ مجموع الأمرين، وهذا يعني ضرورة التوحيد بين القيادة والمرجعية.

ويرد عليه: أنّ هذا الحديث ليس ظاهره دعوة الناس للالتفاف حول راية موحّدة حتى يستظهر منه التوحيد بين المرجعية والقيادة وضرورة انتخاب من يتراءى أنه الأفضل من ناحية مجموع المنصبين، على الخصوص أنه لم يكن عصر صدور الحديث عصراً يحتمل فيه إرادة إبراز راية واحدة غير راية النّواب الخاصّين الذين كان يبرزهم الإمام صاحب الزمان عجل اللّه فرجه بالتصريح بالاسم، وإنما الحديث ظاهر في الرجوع إلى كلّ الرواة، وهذا يفيد الانحلال، ويعني أنّ كلّ شخص يرجع إلى راو من الرواة في أخذ مواقفه التي يحتاج إلى أخذها منه، والشخص الآخر قد يرجع إلى راو آخر، بل الشخص الواحد بإمكانه أن يرجع في بعض الأُمور إلى راو، وفي بعضها الآخر إلى راو آخر.

ولو سلّمنا ظهور هذا الحديث في توحيد الراية وضرورة الرجوع في مجموع أمري التقليد والولاية إلى من له الكفاءة في الأمرين فهو معارض بسائر أدلّة التقليد المنصرفة بالارتكاز إلى الأعلم في الفقه، والذي قد لا يكون كفوءاً في القيادة، أو لا يكون هو الأكفأ الذي ينبغي أن ينتخب للقيادة 1.

  • 1. المصدر: كتاب ولاية اللأمر في عصر الغيبة، لسماحة السيد كاظم الحائري.