مجموع الأصوات: 12
نشر قبل شهر واحد
القراءات: 654

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

إشكالية العقلانية في المجال الإسلامي.. الجذور التاريخية

من المحطات التاريخية القديمة، التي توقف عندها المفكرون والمؤرخون العرب والمسلمون، وحتى الأوروبيون من باحثين ومستشرقين، في الكشف عن ظاهرة الخشية من العقل والعقلانية في المجال الإسلامي، محطة المعتزلة التي عرفت في تاريخ تطور الفكر الإسلامي القديم بموقف تقدير دور العقل، وعرفوا بفرسان العقلانية، وارتبط الحديث عنهم في كتابات المتقدمين والمتأخرين مفكرين ومؤرخين بالحديث عن العقل وعلاقته بالدين، ومثلت هذه السمة علامة الدهشة في هذه الجماعة الفكرية التي ظهرت منذ وقت مبكر في تاريخ الثقافة الإسلامية.
وأمام هذه الجماعة انقسمت مواقف المسلمين قديما وحديثا، بين من أيدها وامتدحها ودافع عنها، واعتبرها أنها مثلث جماعة فكرية متقدمة أسهمت قي تقدم الثقافة الإسلامية وازدهارها، وبين من عارضها وذمها وشكك فيها، واعتبرها أنها مثلث جماعة فكرية خطيرة دفعت بالثقافة الإسلامية نحو الاضطراب، وأدت إلى تهوين الدين، وفتحت الباب أمام تسلل ونفوذ الأفكار والثقافات الأجنبية.
ومن الذين أيدوا هذه الجماعة من المعاصرين، الكتاب المصري أستاذ الفلسفة بدار العلوم الدكتور محمود قاسم الذي أعلن صراحة في كتابه (الإسلام بين أمسه وغده) أن المعتزلة هي أقرب الفرق إلى روح الدين، لأنها أدركت حقيقة الإسلام، فتمسكت بفرائضه وعقائده، ووفقت بقدر ما استطاعت بين هذه العقائد وبين العقل الذي جعلته مقياسا لكل شيء.
وعن الذين قالوا أن مسلك هذه الجماعة يوشك أن يوهن الدين، ويجتث أصول العقيدة في النفوس، استنادا على قاعدة أن للشرع حقيقته، وللعقل حقيقته، وقد تختلف الحقيقتان، فإذا جعلنا العقل مقياسا لكل شيء كان معنى ذلك أننا نضحي بالدين من أجل العقل.
وأمام هذه الاعتراض يرى الدكتور قاسم أن هذه الحجة ليست حديثة العهد، فقد وجدناها لدى أصحاب الديانات الأخرى، ممن يقولون بوجود حقيقتين، أو ممن يسلمون صراحة بأن الدين يحتوي على عقائد تناقض العقل؛ ومع       ذلك فمن الواجب في رأيهم أن يضحى الإنسان بعقله من أجل عقيدته. غير أن الإسلام لا يخشى العقل، فإن من شروط تكليف الناس بالإيمان به أن يكونوا عقلاء، وليس من حسن السياسة في شيء أن ينصب دين من الأديان نفسه لنصرة العقل، ثم يحاول الحجر عليه وتقييده بالأغلال، أو التضحية به.
ومن الذين عارضوا هذه الجماعة من المعاصرين، شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود الذي أعلن صراحة في كتابه (الإسلام والعقل) أن المعتزلة طائفة من طوائف إبليس، لم يسجدوا لله سجود خضوع وإذعان، ومذهبهم قائم على تحكيم العقل في الدين، ومثلوا أول محاولة مذهبية منظمة لإقحام البشرية في دائرة الوحي، وهي محاولة أساسها من غير شك في نظر الدكتور محمود، طغيان البشرية، وغلبة الهوى، وإن ظهر ذلك في صورة من التلبيس مموهة ترى أن عملها خدمة للدين.
ومع تراجع المعتزلة وتقدم خصومهم الذي دام واستمر منذ ذلك الوقت إلى اليوم، تغيرت صورة الموقف تجاه العقل والعقلانية في ساحة الفكر الإسلامي، وأصبحت شبهة الاعتزال والمعتزلة تلاحق كل من يدعو إلى العقل والعقلانية، من دون فرق أو تمييز بين من يقترب من المعتزلة ومن يبتعد عنهم، وبين من يتفق معهم ومن يختلف.
ودل على ذلك ما أشار إليه الدكتور عبد الحليم محمود، الذي يرى أن كل من نهج النهج العقلي في الدين في العصر الحاضر، إنما هو تابع من أتباع المعتزلة.
ومن صور تأثير تراجع المعتزلة في تغير الموقف تجاه العقل، ما أشار إليه الدكتور محمد علي الجوزو، الذي يرى أن المعتزلة كانوا هم السبب فيما لجأ إليه أهل السنة من رفض أحاديث العقل لتأثرهم بالفلسفة.
وحين توقف الباحث العراقي الدكتور محمد شريف أحمد أمام هذه القضية، في كتابه (تجديد الموقف الإسلامي في الفقه والفكر والسياسة)، اعتبر أن تغلب خصوم المعتزلة أدى إلى تشكل تصور مريب عن العقلانية، وإلى خصومة مفتعلة بين الدين والعقل، وحسب رأيه أن رؤية الأشاعرة بشأن شكلية القيم وتجذرها في عقول العامة، وتغلبها في المنهجية الرسمية أدت إلى ضمور دور العقل الإسلامي في إغناء التجارب الإنسانية.
وعند حديثه عن المعتزلة، وفي خاتمة الحديث اعتبر الدكتور إبراهيم مدكور في كتابه (في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه) أنه قد أصبح واضحا اليوم، أن المعتزلة فتحوا أبوابا شتى أمام الفكر الإسلامي، وأفسحوا السبيل للدراسات العلمية والفلسفية، وفي محاربتهم واختفائهم ما أساء إلى الإسلام، وعوق حركة التقدم والتطور1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الأربعاء / 27 يوليو 2011م، العدد 16405.