الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

فضل زيارة رسول الله

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع *** وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع *** جئت شرفت المدينة مرحباً يا خير داع

هذه الأنشودة هي التي يصدح بها الحجاج عندما تطل عليهم المدينة المنورة ويهمون بالدخول إليها لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللصلاة في مسجده، وتثير في نفس الإنسان الكثير من المشاعر المرهفة والحساسة النبيلة تجاه شخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أنقذ البشرية من الضلال والتيه والانحراف وهداهم إلى عبادة الله الواحد القهار.
فالقلوب مشتاقة وملهوفة للوصول إلى ذلك المكان المقدس الذي يضم جسد النبي الطاهر اعترافاً بفضله على المسلمين جميعاً، وتقديراً لتضحياته وجهوده التي بذلها طوال ثلاث وعشرين سنة من عمره المبارك، لأنه لولا ذلك لما عرفنا الله على النحو الذي نعرفه الآن، ولولاه لما عرفنا كيف نعبد الله سبحانه وتعالى.
فزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم جزء لا يتجزأ من فريضة الحج وإن لم تكن دخيلة في صحة الحج وعدمه، وإنما هي من متممات ومكملات الحج، وقد ورد في الروايات عن الأئمة عليه السلام ما يشير إلى أهمية زيارة النبي سواء بعد أداء الفريضة أو قبلها إذا كانت طريق الحجاج تمر بالمدينة قبل الوصول إلى مكة المكرمة، ومن تلك الروايات ما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام: أتموا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجكم إذا خرجتم إلى بيت الله، فإن تركه جفاء وبذلك أمرتم، وأتموا بالقبور التي ألزمكم الله عزوجل زيارتها وحقها واطلبوا الرزق عندها وكذلك ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: إذا حج أحدكم فليختم حجه بزيارتنا لأن ذلك من تمام الحج.
ولا شك أن زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لها اجر كبير وثواب عظيم عند الله عزوجل، خصوصاً إذا عرفنا أنه خاتم الأنبياء عليه السلام وأنه حبيب الله، وأنه الذي وصل في رحلة المعراج إلى " قاب قوسين أو أدنى." وأنه أفضل خلق لله، وهو سيد الخلق أجمعين، وأنه الرحمة المهداة من رب العالمين، وأنه دعوة إبراهيم الخليل عليه السلام في قوله تعالى ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ... 1 " ربنا وابعث فيهم رسولا منهم "، وأنه أول الناس خروجاً عند بعث الناس للحساب، وأنه الخطيب عنهم أمام الله عندما يعرضون أمامه، وأنه الشافع المشفع لمن يستحقها، وأنه أكثر الأنبياء عليه السلام اتباعاً يوم القيامة، وأنه ابن الذبيحين إسماعيل النبي وأبيه عبد الله بن عبد المطلب، وأنه النبي الذي استغاث به كل الأنبياء في الشدائد من آدم عليه السلام إلى نوح وإبراهيم وغيرهم عليهم السلام جميعاً، وهو الذي كان نوره مولوداً قبل خلق السموات والأرض بألفي عام وأنوار أهل بيته عليه السلام إلى جانبه و هم "أصحاب الكساء".
وقد ورد في الأحاديث الشريفة الكثير مما يشير إلى فضل زيارته، ومن ذلك ما جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حيث قال: من أتاني زائراً كنت شفيعه يوم القيامة، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: من سلًم عليّ في شيء من الأرض أبلغته، ومن سلّم عليّ عند القبر سمعته، و كذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: من زارني حياً وميتاً كنت له شفيعاً يوم القيامة، وفي خبر جاء فيه أن الإمام الحسن عليه السلام سأل جده النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبتاه ما جزاء من زارك؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا بني من زارني حياً أو ميتاً أو زار أباك أو زار أخاك أو زارك كان حقاً عليً أن أزوره يوم القيامة فأخلصه ذنوبه، وفي حديث معتبر عن الزيارة ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام: من زار أولنا فقد زار آخرنا، ومن زار آخرنا فقد زار أولنا، ومن تولى أولنا فقد تولى آخرنا، ومن تولى آخرنا فقد تولى أولنا.
وهذا الحديث الأخير يفيد أن زيارة السيدة الزهراء عليها السلام المردّد قبرها بين أن يكون إلى جوار قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو في البقيع هي أيضاً تابعة لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك زيارة الأئمة الأربعة المدفونين في البقيع هي أيضاً تابعة لزيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك زيارة أي امام منهم كما جاء هنا في الرواية: إن لكل إمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإن من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة ـ الإمام الرضا عليه السلام.
وعليه فزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم موجبة للأجر والثواب وهي تعبير عن الموالاة وتجديد البيعة له والالتزام بنهجه والطمع بشفاعته يوم القيامة، ولا أتصور أن هناك مسلماً موحداً يفوّت على نفسه فرصة نيل شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشفاعة أهل بيته وخصوصاً شفاعة الزهراء عليها السلام يوم القيامة، حيث يحتاج كل مسلم إلى العون والمساعدة لكي يغفر الله له وليكون مؤهلاً لدخول الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر، وهي غاية كل مسلم ومؤمن.
نسأل الله أن يوفقنا لزيارة قبر نبيه والصلاة في مسجده وزيارة أهل بيته عليهم السلام وأن يجعلنا من المشمولين لشفاعتهم يوم القيامة " يوم الفقر والفاقة والحاجة " وأن يجعل حياتنا ملتزمه بنهجهم ومماتنا على ولايتهم. 2

  • 1. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 129، الصفحة: 20.
  • 2. نُشرت هذه المقالة على الموقع الالكتروني الرسمي لسماحة الشيخ محمد توفيق المقداد بتاريخ: السبت، 15 شباط/فبراير 2014.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا