مجموع الأصوات: 5
نشر قبل 5 أشهر
القراءات: 787

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الإعلان العالمي لواجبات الإنسان

في أواخر تسعينيات القرن العشرين اجتمع ستة وعشرون من القادة السياسيين، ومن الخبراء الأكاديميين، ينتمون لدول ومجتمعات مختلفة، وثقافات وديانات متعددة، اجتمعوا بقصد التوصل إلى ما أطلقوا عليه (الإعلان العالمي لوجبات الإنسان)، على أن يكون رديفا ومتمما إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وليس نقيضا له، أو بديلا عنه، وذلك على خلفية أن إعلان حقوق الإنسان جاء مقتصرا على جانب الحقوق، ولم يلتفت إلى جانب الواجبات.
ترأس هذا الاجتماع ودعا إليه المستشار الألماني الأسبق هيلموت شميدت، الذي سبق أن شرح فكرته لهذا الإعلان في مقالة له بعنوان: (آن الأوان للحديث عن الوجبات)، نشرتها صحيفة دي تسايت في أكتوبر 1997م.
في هذه المقالة حذر المستشار الألماني المجتمعات الغربية من السير في طريق الانهيار نتيجة المبالغة في تحصيل الحقوق الكاملة، دون الالتفات إلى الواجبات وعدم التوازن بينهما، الأمر الذي أحدث خللا في نظره أرجعه إلى الفهم الخاطئ لحقوق الإنسان، حسب ما نصت عليه الدساتير الأوروبية، والعديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية.
وانتقد شميدت ما اسماه الخطر الناجم عن استغلال حقوق الإنسان حين يوظف كوسيلة لممارسة الضغوط السياسية الخارجية متى ما اقتضت مصالح الدول الكبرى، في الوقت الذي تغمض هذه الدول أعينها عن دول ترتبط معها بمصالح اقتصادية واستراتيجية مثل إسرائيل.
وتطرق شميدت إلى صورة العالم الحديث في ظل العولمة، منتقدا ما يجري من تنافس شرس على الأسواق العالمية في ظل تلاشي الحواجز والحدود، معتبرا أن غياب الشعور بالواجب والمسؤولية يجعل أصحاب الشركات الكبرى يفكرون في العوائد المادية دون الالتفات إلى حاجات الناس وحياة العاملين، ضاربا مثالا على ذلك بما يحدث في مؤسسات الإعلام التي تلجأ إلى كافة السبل الأخلاقية وغير الأخلاقية لاجتذاب المشاهد والمستمع والقارئ بعيدا عن الشعور بالواجب تجاه الآخرين.
ولتأكيد موقفه نبه شميدت إلى أن أتباع الحضارات والديانات الأخرى، مثل المسلمين والبوذيين والهندوس وغيرهم، يرون أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يفتقر الإشارة إلى واجبات الإنسان تجاه أسرته ومجتمعه وأمته، وتجاه البشرية كذلك.
وبخلاف إعلانات حقوق الإنسان، جاء الإعلان العالمي لواجبات الإنسان مختصرا بعض الشيء، حيث احتوى على مقدمة وتسع عشرة مادة، نصت المادة الأولى منه على أن (كل شخص أيا كان جنسه أو أصله العرقي أو وضعه الاجتماعي، وأيا كانت قناعته السياسية، أو لغته أو كان عمره أو كانت جنسيته، أو كان دينه عليه واجب معاملة كل البشر بإنسانية).
اشترك في صياغة هذا الإعلان إلى جانب المستشار الألماني هيلموت شميدت، الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، والرئيس الفرنسي الأسبق جيسكار ديستان، وأستاذ الدراسات اللاهوتية بجامعة توبنجن الألمانية هانز كنج، وآخرون من اليابان وكوريا وسنغافورة وتايلند ومن أمريكا اللاتينية، ومن العالم العربي شارك رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سليم الحص والدكتور حسن حنفي من مصر.
وقد أراد هؤلاء أن يظهر هذا الإعلان إلى العالم، معبرا عن ضمير مختلف الثقافات والأديان، ومتخطي الانطباع الذي كان سائدا من قبل عن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكيف أنه جاء معبرا بصورة أساسية عن الثقافة الغربية دون الالتفات إلى باقي الثقافات الأخرى، التي لها تمايزات وتشريعات مختلفة عن الثقافة الأوروبية.
واللافت في الأمر أن هذا الإعلان منذ إشهاره لم يقابل بحماس أو اهتمام كبير على مستوى العالم، ولم يحض بدعم الأمم المتحدة، وبدلا عن ذلك قوبل بنوع من التحفظ والنقد، فهناك من تحفظ عليه من جهة الخشية في التقليل من شأن الحقوق، واستبدالها بواجبات تجعل الحقوق في مرتبة متأخرة.
وهناك من تحفظ عليه من جهة أنه يقدم للحكومات ذريعة للتدخل في جميع جوانب الحياة الشخصية للأفراد، ومحاسبتهم عند عدم القيام بواجباتهم المنصوص عليها تجاه الأسرة والمجتمع والدولة، وحتى تجاه المجتمع الدولي.
وهناك من تحفظ عليه من جهة أنه قد يؤدي إلى إجبار الأفراد والتخلي عن حقوقهم، ودفعهم للذوبان في مجتمعاتهم، وتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.
وهناك من تحفظ عليه من جهة أنه يفتقر إلى الأساس الأخلاقي، بخلاف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تشكل كرامة الإنسان جوهره الأخلاقي.. إلى جانب تحفظات أخرى.
والمحصلة فإن هذا الإعلان لم يسهم في تحريك الضمير الإنساني، ويبعث يقظة جديدة مع نهاية القرن العشرين، كما أحدثه إعلان حقوق الإنسان في منتصف القرن، ولم يترك هذا الإعلان أي أثر يذكر، وسرعان ما نسي وأصبح نسيا منسيا، ولم يعد يذكره أحد، ويكفي للدلالة على ذلك أن هناك شريحة كبيرة من الكتاب والمثقفين في المجال العربي لم تسمع بهذا الإعلان، منذ صدوره حتى اليوم1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الخميس / 22 أبريل 2010م، العدد 15944.