الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

حب فاطمة وبنيها

قال رسول الله ﷺ: ”أدبّوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن“.

وبأسانيد معتبرة صحيحة عن الإمام الرضا ، عن آبائه، عن رسول الله ﷺ، قال: ”إذا كان يوم القيامة نادى مناد: يا معشر الخلائق غضّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد“.

ذكرنا في الحلقة السابقة، أنَّ الحب ليس مجرد عواطف ومشاعر تبقى عاجزة عن الوصول إلى الأبناء، فينمو الطفل معتقداً أنه غير محبوب ومرفوض من الوالدين.. بل هو رسالة يجب أن تصل إلى الطفل بأسلوب التعامل وطريقة الكلام والحوار مع الطفل، ويجب أن يشعر الطفل أنه محبوب لشخصه ولذاته وليس لما يفعل أو لا يفعل.

وفي هذهِ المرحلة تنمو المشاعر والعواطف والأحاسيس عند الطفل، من حب وبغض وانجذاب ونفور، واندفاع وانكماش.

فالمطلوب من الوالدين:

1. استثمار حالات الاستعداد العاطفي عند الطفل وتنمية مشاعره وعواطفه.

2. توجيهها نحو الارتباط بأرقى النماذج البشرية.

3. المبادرة إلى تركيز حبّ النبي ﷺ، وحب أهل البيت  في خلجات نفسه، والطريقة الأفضل في تركيز الحبّ هو إبراز مواقفهم وسلوكهم في المجتمع وخصوصاً ما يتعلق برحمتهم وعطفهم وكرمهم، ومعاناتهم وما تعرضوا له من حرمان واعتداء، يجعل الطفل متعاطفاً معهم محباً لهم، مبغضاً لمن آذاهم من مشركين ومنحرفين.

4. ثم التركيز أيضاً على قراءة القرآن في الصغر حيث يجعل الطفل منشدّاً إلى كتاب الله، ومتطلعاً على ما جاء فيه، وخصوصاً الآيات والسور التي يفهم الطفل معانيها، وقد أثبت الواقع قدرة الطفل في هذه المرحلة على ترديد ما يسمعه، وقدرته على الحفظ، فينشأ الطفل وله جاذبية وشوق للقرآن الكريم، وينعكس ما في القرآن من مفاهيم وقيم على عقله وسلوكه.

ما معنى محبتنا لفاطمة الزهراء ؟

إنّ محبة أهل البيت من الإيمان ولا يتأتى الإيمان باليوم الآخر من دون محبة أهل بيت رسول الله ﷺ. وإنّ آيات القرآن الكريم تصرح بوجوب محبة أهل البيت ، ولا تدع مجالاً للشك في ذلك. فلذا نرى الإمام الشافعي أوجب السلام على أهل البيت  في الصلاة، واعتبرها الإمام أبو حنيفة سنة، واعتبر جميع أئمة الفقه أنّ صلاة من لا يأتي بالسلام على أهل البيت  صلاة ناقصة. وتوجد كذلك كتب كثيرة في مدح أهل البيت .

ولا شك أنّ لأهل بيت النبي ﷺ منزلة رفيعة ودرجة عالية من الاحترام والتقدير عند المسلمين، حيث يرعون حقوق آل البيت التي شرعها الله لهم، فيحبونهم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ التي قالها يوم غدير خم: ”أذكركم الله في أهل بيتي“.

وفاطمة الزهراء  هي جوهرة هذا البيت طهارة وعفة.. فقد روى البخاري في باب مناقب فاطمة عن النبي ﷺ قال: ”فاطمة سيدة نساء أهل الجنة“.

ومشوار حبنا للزهراء فاطمة وأهل بيتها  إنما يخضع لسلوك القرآن في معنى الحب، فالله سبحانه وتعالى يقرر معنى الحب الحقيقي في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ 1.

فتقرر الآية الأولى أنّ الحب ليس بالعلاقة القلبية الطبيعية فحسب، بل يجب أن تظهر آثاره في عمل الإنسان أيضاً.

ف ﴿ قُلْ ... 2 يا محمد، لهؤلاء الذين يتحدثون عن حبهم لله بطريقة عاطفية، عليكم أن تحولوا حبكم لله إلى منهج عملي يتصل في علاقة الإنسان بالله في كل وجوده، من خلال الرسول الذي يفتح للناس أبواب الله.

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ... 2 فكراً ووعياً وإخلاصاً ﴿ ... فَاتَّبِعُونِي ... 2 في رسالتي التي بلَّغتكم إياها، وفي الشريعة التي أمركم الله بإتباعها.

فالرسول لا يمثل انتساباً إلى عائلة أو إلى مكان، بل يمثل ما أرسله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم، ويفتح لهم أبواب الجنة بالدعوة إلى الطاعة، ويغلق عنهم أبواب النار بالدعوة إلى البعد عن المعصية، فكلمات الله هي كلماته، وطاعته هي طاعته، ومعصيته هي معصيته، والرادّ عليه هو راد الله، والمنفتح عليه هو منفتح على الله، لأنّ الرسول لا يمثل نفسه، بل يمثل صاحب الرسالة، وهو الله..

فإذا اتبعتم الله في كل تعاليمه التي علّمكم إياها، فإنّكم بذلك تؤكدون إتباعه، وأي حب أعظم من الذوبان في طاعة من تحب، فإذا رأى الله منكم هذا الحب الواقعي المتمثل بالعمل الرسالي الخاضع لله ورسالاته ﴿ ... يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 2.

وإذا كان حب العبد لله طاعة له، فإنّ حب الله للعبد مغفرة له ورضوان، هذا ما عبرت عنه الآية التالية ﴿ ... وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ... 2 التي أسلفتم في غفلتكم وحيرتكم ﴿ ... وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ 2 لأنّه الرب الكريم الذي لا يتعاظمه غفران الذنب العظيم.

وفي الواقع أنّ من آثار الحب الطبيعية انجذاب المحب نحو المحبوب والاستجابة له. صحيح أنّ هناك حباً ضعيفاً لا تتجاوز أشعته جدران القلب، إلا أنّ هذا من التفاهة بحيث لا يمكن اعتباره حباً. لا شك أنّ للحب الحقيقي آثاراً عملية تربط المحب بالحبيب وتدفعه للسعي في تحقيق طلباته.

والدليل على ذلك واضح، فحب المرء شيئاً لا بد أن يكون بسبب عثوره على أحد الكمالات فيه. لا يمكن أن يحب الإنسان مخلوقاً ليس فيه شيء من قوة الجذب، وعليه فإنّ حب الإنسان لله ناشئ من كونه منبع جميع الكمالات وأصلها. إنّ محبوباً هذا شأنه لا بد أن تكون أوامره كاملة أيضاً، فكيف يمكن لإنسان يعشق الكمال المطلق أن يعصي أوامر الحبيب وتعاليمه، فإن عصى فذلك دليل على أنّ حبه غير حقيقي.

فالذين لا يفتأون - ليل نهار - يتحدثون عن حبّهم لله ولأئمة الإسلام وللمجاهدين في سبيل الله وللصالحين والأخيار، ولكنّهم لا يشبهون أولئك في العمل، هم كاذبون. والذين يعتقدون أنّ الإيمان والحب هي المحبة قلبية فحسب، هم غرباء على منطق الإسلام تماماً... فإذا كنتم تحبون الله، وبدت آثار ذلك في أعمالكم وحياتكم، فإنّ الله سيحبكم أيضاً، وسوف تظهر آثار حبّه أنّه سيغفر لكم ذنوبكم، ويشملكم برحمته.

ويتبين من هذه الآية أن ليس هناك حب من طرف واحد، لأنّ الحب يدفع المحب إلى أن يحقق عملياً رغبات حبيبه. وفي هذه الحالة لا يمكن للمحبوب إلاَّ أن يرتبط بالمحب.

ولقد جاء في كثير من الأحاديث أنّ أئمة الإسلام كانوا يقولون: ما الدين إلا الحب.

ومن ذلك ما جاء في ”الخصال“ و”الكافي“ عن الإمام الصادق  أنّه قال: ”وهل الدين إلا الحب“ ثم تلا هذه الآية ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ... 2.

فهذه الأحاديث تريد أن تبين أنّ حقيقة الدين وروحه هي الإيمان بالله وحبه، ذلك الإيمان والعشق اللذين يعم نورهما كل الوجود الإنساني ويضيئانه، وتتأثر بهما الأعضاء والجوارح، ويظهر أثرهما في إتّباع أوامر الله.

يقول العلامة الطباطبائي: ”ومن جميع ما تقدم على طوله يظهر معنى الآية التي نحن بصدد تفسيرها، أعني قوله: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله فالمراد - والله أعلم - إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم بالبناء على الحب حقيقة فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب الذي ممثله الإخلاص والإسلام وهو صراط الله المستقيم الذي يسلك بسالكه إليه تعالى، فإن اتبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشأن أحبكم الله وهو أعظم البشارة للمحب، وعند ذلك تجدون ما تريدون، وهذا هو الذي يبتغيه محب بحبه، هذا هو الذي تقتضيه الآية الكريمة بإطلاقها. وأما بالنظر إلى وقوعها بعد الآيات الناهية عن اتخاذ الكفار أولياء وارتباطها بما قبلها فهذه الولاية لكونها تستدعي في تحققها تحقق الحب بين الإنسان وبين من يتولى كما تقدم كانت الآية ناظرة إلى دعوتهم إلى اتباع النبي ﷺ إن كانوا صادقين في دعواهم ولاية الله وأنّهم من حزبه فإنّ ولاية الله لا يتم بإتباع الكافرين في أهوائهم ولا ولاية إلا باتباع وابتغاء ما عندهم من مطامع الدنيا من عز ومال بل تحتاج إلى إتباع نبيه في دينه كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ 3، انظر إلى الانتقال من معنى الإتباع إلى معنى الولاية في الآية الثانية. فمن الواجب على من يدعي ولاية الله بحبه أن يتبع الرسول حتى ينتهي ذلك إلى ولاية الله له بحبه. وإنّما ذكر حب الله دون ولايته لأنّه الأساس الذي تبتني عليه الولاية، وإنّما اقتصر على ذكر حب الله تعالى فحسب لأنّ ولاية النبي والمؤمنين تئول بالحقيقة إلى ولاية الله“ انتهى كلامه رحمه الله.

الخلاصة:

إنّ الإنسان الذي يعرف الزهراء ، ويعرف تقواها، ويعرف كيف تذوب وتتحرق وتتأوه آخر الليل، ثم يعشق فاطمة فمن المستحيل أن يقوم بأعمال تخالف أوامرها، ومن المتيقن أنّه سوف يعمل بما أمرت وعملت به تلك السيدة الطاهرة من تقوى وصلاح واستقامة.

وكل حبيب لا بد أن يحترم رغبات محبوبه ويجل أوامره، والطاعة المحبوبة لازمة من لوازم الحب الصادق.

إذن معنى أن نحب فاطمة وعلي وولدهم صلوات الله عليهم، وذلك بأن يسد حبهم الطريق أمام الذنوب، وليس معناه - كما تخيل بعض الجاهلين - أنّ حبهم شيء إذا ظفرت به فإنّك مهما ترتكب من ذنوب فهي لن تضرك.

وبطبيعة الحال فمثل هذه الأمور تكون سبباً لوقوع الناس في الغرور، وموجباً لافتتانهم، ومنشأ لجرأتهم على الله سبحانه وتعالى.

ولقد أجاد الإمام الصادق  حينما تمثل:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إنَّ المحب لمن يحب مطيع

ويقول طاووس اليماني: رأيت رجلاً يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب يدعو ويبكي في دعائه فجئته حين فرغ من الصلاة فإذا هو علي بن الحسين ، فقلت له: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمنك من الخوف؛ أحدها: أنّك ابن رسول الله، والثاني: شفاعة جدك، والثالث: رحمة الله!

فقال: ”يا طاووس أما إنّي ابن رسول الله ﷺ فلا يؤمنني وقد سمعت الله تعالى يقول ﴿ ... فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ 4، وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأنّ الله تعالى يقول ﴿ ... وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ... 5، وأما رحمة الله فإنّ الله تعالى يقول إنّها ﴿ ... قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ 6 ولا أعلم أني محسن“.

وعن الحسن الوشاء قال: كنت بخراسان مع علي بن موسى الرضا  في مجلسه، وزيد بن موسى حاضر، قد أقبل على جماعة في المجلس، يفتخر عليهم ويقول: نحن ونحن، وأبو الحسن  مقبل على قوم يحدثهم، فسمع مقالة زيد فالتفت إليه فقال: ”يا زيد أغرك قول بقالي الكوفة إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النار، والله ما ذلك إلا للحسن والحسين وولد بطنها خاصة، فأما أن يكون موسى بن جعفر  يطيع الله، ويصوم نهاره، ويقوم ليله وتعصيه أنت، ثم تجيئان يوم القيامة سواء!! لأنت أعز على الله عز وجل منه؟! إنّ علي بن الحسين  كان يقول: لمحسننا كفلان من الأجر ولمسيئنا ضعفان من العذاب“.

وقال الحسن الوشاء: ثم التفت إليّ فقال: ”يا حسن كيف تقرءون هذه الآية ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... 7؟“.

فقلت: من الناس من يقرأ ﴿ ... إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... 7، ومنهم من يقرأ إنه عملُ غيرِ صالح، فمن قرأ ﴿ ... إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ... 7 نفاه عن أبيه.

فقال : ”كلا، لقد كان ابنه، ولكن لما عصى الله عز وجل نفاه الله عن أبيه، كذا من كان منا لم يطع الله عز وجل فليس منا، وأنت إذا أطعت الله فأنت منا أهل البيت“.

إنّ الحب الضبابي سرعان ما يزول عندما يزول الضباب، ولكن الحب المرتكز على قواعد فكرية وعقلية هو حب يبقى مهما انطلقت العواصف من أجل أن تجتث جذورها، لأنها كالشجرة الطيبة ﴿ ... أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ... 8.