مجموع الأصوات: 4
نشر قبل 3 أشهر
القراءات: 577

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

سلب قدرة التشخيص و مسألة الجبر

أول سؤال يطرح في هذا المجال يدور حول مسألة الجبر، التي قد تتبادر إلى الأذهان من قوله تعالى: ﴿ خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ... 1فهذا الختم يفيد بقاء هؤلاء في الكفر إجبارا، دون أن يكون لهم اختيار في الخروج من حالتهم هذه. أليس هذا بجبر؟ و إذا كان جبرا فلما ذا العقاب؟

القرآن الكريم يجيب على هذه التساؤلات و يقول: إن هذا الختم و هذا الحجاب هما نتيجة إصرار هؤلاء و لجاجهم و تعنتهم أمام الحق، و استمرارهم في الظلم و الطغيان و الكفر. يقول تعالى: ﴿ ... بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ... 2و يقول:﴿ ... آمَنُوا كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ 3و يقول أيضا: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً ... 4.
كل هذه الآيات تقرر أنّ السبب في سلب قدرة التشخيص، و توقف أجهزة الإدراك عن العمل يعود إلى الكفر و التكبر و التجبر و اتباع الهوى و اللجاج و العناد أمام الحق، هذه الحالة التي تصيب الإنسان، هي في الحقيقة ردّ فعل لأعمال الإنسان نفسه.
من المظاهر الطبيعية في الموجود البشري، أن الإنسان لو تعوّد على انحراف و استأنس به، يتخذ في المرحلة الاولى ماهية ال «حالة» ثمّ يتحول إلى «عادة» و بعدها يصبح «ملكة» و جزء من تكوين الإنسان حتى يبلغ أحيانا درجة لا يستطيع الإنسان أن يتخلّى عنها أبدا. لكن الإنسان اختار طريق الانحراف هذا عن علم و وعي، و من هنا كان هو المسؤول عن عواقب أعماله، دون أن يكون في المسألة جبر. تماما مثل شخص فقأ عينيه و سدّ أذنيه عمدا، كي لا يسمع و لا يرى.
و لو رأينا أن الآيات تنسب الختم و إسدال الغشاوة إلى اللّه، فذلك لأن اللّه هو الذي منح الانحراف مثل هذه الخاصية. (تأمّل بدقّة).
عكس هذه الظاهرة مشهود أيضا في قوانين الطبيعة، أي إن الفرد السائر على طريق الطهر و التقوى و الاستقامة تمتد يد اللّه عز و جل إليه لتقوّي حاسّة تشخيصه و إدراكه و رؤيته، هذه الحقيقة توضحها الآية الكريمة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ... 5.
في حياتنا اليومية صور عديدة لأفراد ارتكبوا عملا محرّما، فتألموا في البداية لما فعلوه و اعترفوا بذنبهم، لكنهم استأنسوا تدريجيا بفعلهم، و زالت من‌ نفوسهم حساسيتهم السابقة تجاه الذنب، و وصل أمرهم إلى حدّ يجدون اللذة و الإنشراح في الانحراف، و قد يضفون عليه صفة الواجب الإنساني! أو الواجب الديني!! و في تاريخنا الإسلامي ظهر مجرمون سفّاكون مولعون بإزهاق الأرواح و التنكيل بالمسلمين كما ذكر في حالات «الحجاج بن يوسف الثقفي» أنه كان يضع لأعماله الإجرامية تبريرات دينية، و يقول مثلا: إن اللّه سلّطنا على هؤلاء النّاس المذنبين لنظلمهم، فهم مستحقون لذلك!! و كذلك قيل إن أحد جنود المغول خطب في أحد مدن ايران الحدودية و قال: - ألستم يعتقدون أن عذاب اللّه يصيب المذنبين؟ فنحن عذاب اللّه عليكم، فلا ينبغي لكم المقاومة6.