الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

سنّة الاستبدال‌ من سنن التطور الإجتماعي في القرآن الكريم

هذه السنّة هي السنّة الّتي تمهّد لتنفيذ سنّة الاستخلاف في مرحلتها الثانية الكبرى الّتي يتمّ فيها استقرار مجتمع العدل على مساحة الأرض كلّها، وقيام دولة الصالحين.

وسنّة الاستبدال هي السنّة الإلهيّة الّتي يتمّ بموجبها استبدال الأمّة المستخلفة بالاستخلاف الأوّل- بعد فشلها في مرحلة الابتلاء والاختبار التأهيليّ للخلافة الكبرى- بأمّة أخرى ثابتة في إيمانها، صلبة في إرادتها، قويّة في عزيمتها، لا تهون أمام أعداء الله مهما كثرت عِدّتهم، ولا تضعف في عرصات المواجهة معهم مهما اشتدّت وقويت عُدّتهم، وقد وصفها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى مخبراً عنها قائلًا:

﴿ ... فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ... 1.

وقد جاء التأكيد على سنّة الاستبدال هذه في آيات متعدّدة من‌ القرآن الكريم منها الآية الآنفة الذكر، ومنها قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ ... وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ 2.

﴿ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ... 3.

﴿ ... فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ 4.

﴿ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ... 5.

﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ... 6.

وعدم النفر في هذه الآية يعني عدم النفر للجهاد، وهو يعني نكث العهد مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ونقض ميثاق النصرة الّذي أخذه على المؤمنين؛ إذ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ 7.

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى- واصفاً المؤمنين الثابتين على عهدهم مع الله-:

﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾ 8.

وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى- واصفاً المنافقين الناكثين لعهدهم مع الله-:

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا 9.

وقد سبق بنو إسرائيل إلى نكث هذا الميثاق مع القيادة الإلهيّة في ما أشار إليه القرآن الكريم إذ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ * يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ 10 إلى قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ 11.

وهكذا، نقضت بنو إسرائيل ميثاق النصرة مع الله والقيادة الإلهيّة، فأصابها الهوان والذّل، وعوقبت من الله عقاباً شديداً، أشار إليه ربّنا في كتابه، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ... 12 إلى قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا 13.

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ... 14.

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ 15.

وقد جرت سنّة الاستبدال على بني إسرائيل، فسلبها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى ما آتاها من العزّة والملك، فأبدلهم عن ذلك ذلًا وهواناً؛ إذ قال:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ... 16.

غير أنّ المجموعة الأولى من أمّة نبيّنا (ص) لم تثبت هي الأخرى على عهدها مع الله، فخذلت رسول الله (ص) بعد رحيله، وقعدت عن نصرة خلفائه وأوصيائه (عليهم السلام)، فسلبها الله عزّها الأوّل، وأبدلها بذلّ، وهوان، وفرقةٍ، وشتات، بعد ما نكثت عهد الطاعة والنصرة لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

وقد بدت بوادر نقض ميثاق النصرة مع الله جليَّة في ما أبدته تلك المجموعة من خذلان لأمير المؤمنين (ع)، وتقاعس عن نصرته، ظهر في ما حكاه لنا الحديث والتاريخ من شكاواه (ع) عن ذلك‌ الجيل من الأمّة؛ فمنها: قوله صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه:

«فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ الْمَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَذَى، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ، وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَم»17.

وقال صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه:

«أَلَا وَإِنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إِلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَنَهَاراً وَسِرّاً وَإِعْلَاناً، وَقُلْتُ لَكُمُ: اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا، فَتَوَاكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ ..» إلى آخر الخطبة 18.

وقال صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه- مخاطباً جيل الخذلان من معاصريه-:

«أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الْأَعْدَاءَ، تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حَيَادِ مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَلَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ ..» إلى أن قال صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه: «أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ؟! وَمَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟! الْمَغْرُورُ- وَاللَّهِ- مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، وَمَنْ رَمَى‌ بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ، أَصْبَحْتُ- وَاللَّهِ- لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَلَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ، وَلَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ، مَا بَالُكُمْ؟! مَا دَوَاؤُكُمْ؟! مَا طِبُّكُمْ؟!» إلى آخر الخطبة 19.

وقد بلغ تخاذل الأمّة عن نصرة الله ورسوله (ص) ذروته في حادثة كربلاء؛ إذ هبّت القيادة الإلهيّة المتمثّلة في الحسين (ع) لنصرة دين الله، والعمل بسنّة رسوله (ص)، فبقي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه قليل الناصر، محاطاً بأعداء الله، حتّى استشهد صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مجاهداً صابراً محتسباً في ثلّة قليلة العدد من شيعته الأوفياء بعهدهم مع الله، والثابتين على ميثاق الطاعة والنصرة لأولياء الله.

هذا، وقد جاءت الإشارة إلى ما سيؤول إليه أمر هذه الأمّة من خذلان القيادة الإلهيّة، والتقاعس عن نصرتها، وما سوف ينتهي إليه هذا الخذلان من تنفيذ سنّة الاستبدال بشأن المجموعة المتخاذلة، وتبديلها بأمّة أخرى ثابتة على نصرتها للقيادة الإلهيّة، ووفيّة بميثاق النصرة لله؛ إذ قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 20.

ثمّ إنّ تنفيذ سنّة الاستبدال، لا يتحقّق بصورة دفعيَّة، وضمن عمليّة إعجازيّة، أو حدث غير مألوف تخرق فيه السنن الكونيّة، بل إنّما تنفّذ سنّة الاستبدال بصورة تدريجيّة، ومن خلال تغيّرات وتطوّرات اجتماعيّة خاضعة لسنّة إلهيّة أخرى من سنن التطوّر الاجتماعيّ؛ وهي: «سنّة التداول» 21.