مجموع الأصوات: 9
نشر قبل 10 أشهر
القراءات: 1004

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

سيرة الإمام الهادي (عليه السلام)

في الثاني من رجب من عام 212 ه-، استقبلت المدينة المنورة ميلاد أول أبناء الإمام الجواد (ع)، و عمَّ البيت الهاشمي فرح عظيم، فسمّاه والده علياً باسم جده الرضا وجده الأكبر أمير المؤمنين، وكناه بأبي الحسن ومشت ألقابه الكريمة تعبر عن محياه الكريم وسيرته الزكيّة، فكان النجيب والمرتضى والهادي والنقي والعالم والفقيه والأمين والمؤتمن والطيب والمتوكل.
وعندما انتقل إلى مدينة سامراء وسكن محلة كانت تسمى عسكر سمي أيضاً العسكري أو الفقيه العسكري.
وقيل بل كان اسم سامراء العسكر لأنها كانت حاشية الجيش ولذلك سمي الإمام ب- (العسكري).
أما أمّه فكانت سماته الغربية، وترعرع الوليد في ظل أبيه يربيه بعلم الإمامة، ويرفع له من معارف الدين كل يوم علماً ويامره بالاقتداء به، وفي الثامن والعشرين من محرم عام 220 ه- حيث استقدم المعتصم والده الإمام الجواد (ع) إلى العراق، أجلسه في حجره وقال له: ما الذي تحب أن أهدي إليك من طرائق العراق؟ فقال سيفاً كأنه شعلة نار 1.
ولكنه لم ير ذلك االسيف ولم يعد يرى والده الكريم لأنه لم يعد من تلك الرحلة أبداً. فلعله كان في يوم 29/ ذي القعدة من عام 220 حيث رأت عائلة الإمام أنه قد رعب، وكان عمره يومئذ ثمانية أعوام فسألوه ما به فقال: مات أبي والله الساعة، فقالوا له: لا تقل هذا قال: هو والله كما أقول فكتبوا ذلك اليوم فكان كما قال 2.
وكان قد سبقت وصية أبيه إلى زعماء الطائفة فاجتمعوا وسلموا إليه الأمر .. كما سبق الحديث عن ذلك بتفصيل.
وبقي في مدينة جده بقية خلافة المعتصم وأيام خلافة الواثق، حيث اشتهرت مكارمه في الآفاق، فلما ملك المتوكل، خشي منه القيام ضده فاستقدمه، ليكون قريباً منه يراقبه ويسهل الضغط عليه.
ويبدو أنه لم يستقدمه إلّا بعد أن توالت عليه الرسائل من الحجاز تخبره بأن الناس في الحرمين يميلون إليه، وكانت زوجة المتوكل التي يبدو أنه أرسلها لاستخبار الأمر ممن بعثوا الرسائل.
ويبدو من طريقة استقدام الإمام أن المتوكل كان شديد الحذر في الأمر، حيث بعث بسرية كاملة من سامراء إلى المدينة لتحقيق هذا الأمر .. كما سبق. وقد كتب المتوكل إلى الإمام رسالة رقيقة جاء فيها:
فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبد الله بن محمد عما كان يتولى من الحرب والصلاة بمدينة الرسول إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقك، واستخفافه بقدرك، وعندما قرنك به ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه وصدق نيتك وبرك وقولك وأنك لم تؤهل نفسك لما قرفت بطلبه 3.
وكان هذا الرجل قد كتب رسالة إلى المتوكل يتهم الإمام فيها بانه ينوي القيام ضده، وكتب الإمام رسالة إلى المتوكل ينفي تلك التهمة، ثم أضاف:
وقد ولى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل وامره بإكرامك وبتجليك والانتهاء إلى أمرك ورأيك والتقرب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك.
وأمير المؤمنين مشتاق إليك يحب إحداث العهد بك والنظر إلى وجهك 4.
وعندما نزل الإمام مدينة سامراء أراد المتوكل النيل من شخصيته عند الناس فامر أن يسكن دار الصعاليك لمدة أيام ثلاث، قبل أن يدخل عليه وهو لا يعلم أن قدر الإمام عند الله، أو عند عباد الله الصالحين ليس بما يسكنه من دار أو يحوزه من ثروة، وإنما بزهده في درجات الدنيا ورغبته فيما عند الله، فلا يزداد بتواضعه وصبره على الأذى في جنب الله إلّا زلفى من الله.
وهكذا دخل عليه بعض شيعته (صالح بن سعد) في ذلك المكان المتواضع وقال له: جعلت فداك في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك والتشهير بك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع خان الصعاليك، ولكن الإمام أراه بعض مكرماته ثم قال له:
" حيث كنا فهذا لنا عتيد ولسنا في خان الصعاليك" 5. وقد فتش الموالون لأهل البيت عن موضع ذلك الخان فاشتروا مكاناً معيناً قريباً من مرقد الإمام الهادي (ع) وحولوه إلى مركز ديني بأمل أن يكون هو موضع ذلك الخان الذي تشرف بمقام الإمام فيه برهة من الوقت.
ويبدو أن الإمام كان يقود في تلك الفترة من مقامه في سامراء الخط الرسالي وبطرقه الخاصة، وقد استطاب السكن فيها حتى قال (ع): «أخرجت إلى سر من رأى كرهاً ولو أخرجت عنها، أخرجت كرهاً، قال الراوي: ولِمَ يا سيدي؟ قال: لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها» 6. والمتوكل العباسي المعروف بشدَّة بطشه وبغضه لأهل البيت، وإرهابه ضد الشيعة، أراد أن يبقى أعظم وأقوى معارضيه قريباً منه حتى يسهل عليه القضاء عليه أنى شاء. إلّا أن الإمام قد كاد بإذن الله كيداً، حيث أخذ ينفذ إلى عمق سلطته، ويمد نفوذه إلى أقرب أنصاره، وهكذا فعل.
في هذا الوقت كانت أم المتوكل تنذر للإمام، ولعل القصص التالية تعكس جانباً من تأثير الإمام في بلاطه.
(مرض المتوكل من خراج خرج به، فأشرف منه على التلف، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي أن يحمل إلى أبي الحسن علي بن محمد (ع) مالًا جليلًا من مالها).
وقال له الفتح بن خاقان: لو بعثت إلى هذا الرجل يعني أبا الحسن فسألته فأنه ربما كان عنده صفة شيء يفرج الله به عنك، قال: ابعثوا إليه فمضى الرسول ورجع، فقال: خذوا كسب الغنم فديفوه بماء ورد، وضعوه على الخراج فإنه نافع بإذن الله.
فجعل من بحضرة المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال فوالله إني لأرجو الصلاح به، فأحضر الكسب، وديف بماء الورد ووضع على الخراج،، فانفتح وخرج ما كان فيه، وبشرت أم المتوكل بعافيته فحملت إلى أبي الحسن (ع) عشرة آلاف دينار تحت ختمها فاستقل المتوكل في علته 7.
2- روي عن الصقر بن أبي دلف الكرخي، قال: لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن العسكري (ع) جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلى الزرافي وكان حاجباً للمتوكل، فأمر أن أدخل إليه فأدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك؟ فقلت: خير أيها الأستاذ، فقال: أقعد فاخذني ما تقدم وما تأخر، وقلت: أخطئت في المجيء.
قال: فوحى الناس عنه ثم قال لي: ما شانك وفيم جئت؟ قلت: لخبر ما فقال: لعلك تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟ مولاي أمير المؤمنين، فقال: أسكت! مولاك هو الحق، فلا تحتشمني فإني على مذهبك، فقلت: الحمد لله.
قال: أتحب أن تراه؟ قلت: نعم، قال: أجلس حتى يخرج صاحب البريد من عنده.
قال: فجلست فلما خرج قال الغلام له: خذ بيد الصقر وأدخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخل بينه وبينه، قال: فأدخلني إلى الحجرة وأومأ إلى بيت فدخلت فإذا هو جالس على صدر حصير وبحذاه قبر محفور، قال: فسلمت عليه فرد عليّ ثم أمرني بالجلوس ثم قال لي: يا صقر ما أتى بك؟ قلت: سيدي جئت أتعرف خبرك؟ قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت فنظر إليّ فقال: يا صقر لا عليك لن يصلوا إلينا بسوء الآن، فقلت: الحمد لله 8.
3- قال أبو عبد الله الزيادي:
لما سمَّ المتوكل، نذر لله إنّ رزقه الله العافية أن يتصدق بمال كثير، فلما عوفي اختلف الفقهاء في المال الكثير فقال له الحسن حاجبه: إن أتيتك يا أمير المؤمنين بالصواب فما لي عندك؟
قال: عشرة آلاف درهم وإلّا ضربتك مائة مقرعة قال: قد رضيت فأتى أبا الحسن (ع) فسأله عن ذلك فقال: قل له: يتصدق بثمانين درهماً فأخبر المتوكل فسأله: ما العلة؟ فأتاه فسأله قال: إن الله تعالى قال لنبيه (ص): ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ 9 فعددنا مواطن رسول الله (ص) فبلغت ثمانين مواطناً، فرجع إليه فأخبره ففرح وأعطاه عشرة آلاف درهم 10.
4- وهكذا كان الإمام (ع) يحل المعضلات فيزداد الناس إيماناً به، ومعرفة بمقامه وبمدى جهالة خصمه المتوكل، فكثيراً ما كان المتوكل يوعز إلى بعض أصحابه بأن يسألوا الإمام أسئلة صعبة لعله يتوقف فيها، فمثلًا قال المتوكل لابن السكيت: سل ابن الرضا مسألة عوصاء بحضرتي فسأله فقال: لم بعث الله موسى بالعصا وبعث عيسى (ع) بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، وبعث محمداً بالقرآن والسيف؟
فقال أبو الحسن (ع): بعث الله موسى (ع) بالعصا واليد البيضاء في زمان الغالب على أهله السحر، فأتاهم من ذلك ما قهر سحرهم وبهرهم، وأثبت الحجة عليهم، وبعث عيسى (ع) بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله في زمان الغالب على أهله الطب فأتاهم من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله فقهرهم وبهرهم، وبعث محمداً بالقرآن والسيف في زمان الغالب على أهله السيف والشعر فأتاهم من القرآن الزاهر والسيف القاهر ما بهر به شعرهم وبهر سيفهم وأثبت الحجة به عليهم.
فقال ابن السكيت: فما الحجة الآن؟ قال: «العقل يعرف به الكاذب على الله فيكذب».
وقد كان ابن السكيت هذا عالماً كبيراً في النحو والشعر واللغة وقالوا عن كتابه المنطق أنه أفضل كتاب في اللغة كتبه علماء بغداد، وكان المتوكل قد عهد إليه بتربية ابنيه المعتز والمؤيد، فسأله يوماً أيهما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين فقال ابن السكيت والله إن قنبراً خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك، فقال المتوكل للأتراك سلوا لسانه من قفاه ففعلوا فمات (رضوان الله عليه).
4- وفي بعض أيام الربيع حيث كان الجو صحواً وحاراً خرج الناس في مناسبة رسمية صائفين، وخرج الإمام الهادي (ع) في ثياب شتوية فلما توسطوا الصحراء خرجت عليهم سحابة ممطرة وفاضت عليهم الوديان ولم يسلم من أذى المطر والطين إلّا الإمام فاهتدى إليه وإلى علمه الكثير من الناس.
وهكذا تكيف الإمام (ع) مع الواقع المر لعهد المتوكل حتى استفاد منه إيجابياً لمصحلة الدعوة الإلهية، وذلك بحكمته الرشيدة وباستقامته وصبره في الله.
ولكن المتوكل عقد العزم على الإيقاع به في أيامه الأخيرة فلم يأذن له الله بذلك بل أطيح به في إنقلاب دموي.
فقد جاء في الجزامة: لمّا حبس المتوكل أبا الحسن (ع)، ودفعه إلى علي ابن كركر قال أبو الحسن: أنا أكرم على الله من ناقة صالح  ﴿ ... تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ 11، فلما كان من الغد أطلقه واعتقد إليه، فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه ياغز وتاشى ومعطوف فقتلوه واعقدوا
المنتصر ولده خليفة 12.
ولعل المتوكل اعتقل الإمام أكثر من مرة ولكن الله أنقذه من شرّه، ولعله كان يخشى كل مرة من ثورة جماهيرية عارمة ضده بالإضافة إلى أنّه لم يجد مبرراً للقضاء على الإمام مع أنه كان يعرف أن في أصحابه من يتشيع له.
فمثلًا عندما سعى البطحاني إلى المتوكل وكان من أولاد أبي طالب ولكنه يتشيع للبيت العباسي، وقال له أنّ عنده سلاح وأموال، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب وامره أن يهجم ليلًا عليه ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح ويحمل إليه.
فقال إبراهيم بن محمد: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن (ع) بالليل، ومعي سلم، فصعدت منه إلى السطح، ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار فناداني أبو الحسن (ع) من الدار:
" يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة"
. فلم ألبث أن أتوني بشمعة، فنزلت ووجدت عليه جبة من صوف وقلنسوة منها وسجادته على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة فقال لي: «دونك بالبيوت»
فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئاً، ووجدت البدرة مختومة بخاتم أم المتوكل وكيساً مختوماً معها، فقال أبو الحسن (ع): دونك المصلى فرفعت فوجدت سيفاً في جفن غير ملبوس، فأخذت ذلك وصرت إليه.
فلما نظر إلى خاتم أمه على البدرة بعث إليها، فخرجت إليه، فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت له: كنت نذرت في علتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها إليه، وهذا خاتمك على الكيس ما حركها.
وفتح الكيس الآخر وكان فيه أربع مائة دينار، فامر أن يضم إلى البدرة بدرة أخرى وقال لي: إحمل ذلك إلى أبي الحسن واردد عليه السيف والكيس بما فيه، فحملت ذلك إليه واستحييت منه، وقلت: يا سيدي عزَّ علي دخول دارك بغير إذنك، ولكني مأمور به، فقال لي: سيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون 13.
والواقع أن الشيعة كانوا يحملون إلى الإمام الأموال ولكنهم كانوا قد أتقنوا أساليب الكتمان، وكانت لديهم عناصرهم في البلاط العباسي مما يجعلهم عارفين بمواقع الخطر وكيفية اجتنابها، والحديث التالي يكشف لنا جانباً من ذلك.
فعن المنصوري، عن عم أبيه قال: دخلت يوماً على المتوكل وهو يشرب فدعاني إلى الشرب فقلت: يا سيدي ما شربته قط، قال: أنت تشرب مع علي بن محمد، قال: فقلت له: ليس تعرف من في يدك إنما يضرك ولا يضره ولم أعد ذلك عليه.
قال: فلما كان يوماً من الأيام قال لي الفتح بن خاقان: قد ذكر الرجل يعني المتوكل خبر مال يجيء من قم، وقد أمرني أن أرصده لأخبره له فقل لي من أي طريق يجيء حتى أجتنبه، فجئت إلى الإمام علي بن محمد فصادفت عنده من أحتشمه فتبسم وقال لي: لا يكون إلّا خيراً يا أبا موسى لِمْ لمْ تعد الرسالة الأولى؟ فقلت: اجللتك يا سيدي، فقال لي: المال يجيء الليلة وليس يصلون إليه فبت عندي 14.

الإمام بعد عهد المتوكل

بعد أن قتل المتوكل بدعاء الإمام الهادي وبسبب مؤامرات قواته التركية، انقشعت عن آل أبي طالب والموالين لأهل بيت الرسول سحابة الإرهاب إذ كان المنتصر بن المتوكل يخالف أباه في كل شيء ويظهر الحب والإحترام لآل الرسول وشيعتهم، حتى أنه عزل والي المدينة الذي نصبه أبوه واسمه صالح بن علي ونصّب مكانه علي بن الحسين، فدخل عليه يردعه فقال: يا علي إني أوجهك إلى لحمي ودمي، ومد جلد ساعده وقال: إلى هذا وجهتك فانظر: كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم- يعني آل ابي طالب 15.
أما الخلفاء العباسيون الذين تعاقبوا بعد المتوكل وابنه المنتصر لم يكونوا في قوة المتوكل ولا في لين المنتصر، ولم نجد في التاريخ حوادث مهمة تتصل بحياة الإمام الهادي (ع)، الذي يبدو أنه تفرغ لتربية وقيادة الربانيين من العلماء وإدارة الشؤون العامة لمواليه وشيعته، كذلك في ملاحقة بعض الغلاة والمشعوذين الذي أرادوا التسلل إلى صفوف الخط الرسالي مثل الذي اغتاله بعض الموالين وربما بعد صدور الفتوى الشرعية بإعدامه!!
والكتاب التالي نموذج لمنهجية إدارة الإمام (ع) للشيعة، قال: (نسخة الكتاب مع ابن راشد إلى جماعة الموالي الذين هم ببغداد المقيمين بها والمدائن والسواد وما يليها:
" أحمد الله إليكم ما أنا عليه من عافية وحسن عائدته، وأصلي على نبيه وآله أفضل صلواته وأكمل رحمته ورأفته، وإني أقمت أبا علي بن راشد مقام الحسين بن عبد ربه ومن كان قبله من وكلائي وصار في منزلته عندي، ووليته ما كان يتولاه غيره من وكلائي قبلكم، ليقبض حقي وأرتضيته لكم، وقدمته في ذلك وهو أهله وموضعه.
فصيروا رحمكم الله إلى الدفع إليه ذلك وإليَّ، وأن لا تجعلوا له على أنفسكم علة، فعليكم بالخروج عن ذلك، والتسرع إلى طاعة الله وتحليل أموالكم والحقن لدمائكم وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً فقد أوجبت في طاعته طاعتي، والخروج إلى عصيانه الخروج إلى عصياني، فالزموا الطريق يأجركم الله ويزيدكم من فضله، فأن الله بما عنده واسع كريم، متطول على عباده رحيم، نحن وأنتم في وديعة الله وحفظته وكتبته بخطي والحمد لله كثيراً".
وفي كتاب آخر:" وأنا آمرك يا أيوب بن نوح أن تقطع الإكثار بينك وبين أبي علي وأن يلزم كل واحد منكما ما وكل به وأمر القيام فيه بامر ناحيته، فإنكم إن انتهيتم إلى كل ما أمرتم به استغنيتم بذلك عن معاودتي وآمرك يا أبا علي بمثل ما آمرك به أيوب أن لا تقبل من أحد من أهل بغداد والمدائن
شيئاً يحملونه ولا تلي لهم استئذاناً عليّ، ومر من أتاك بشيء من غير أهل ناحيتك أن يصيره إلى الموكل بناحيته، وآمرك يا أبا علي بمثل ما أمرت به أيوب وليقبل كل واحد منكما ما أمرته به" 16.
وبالتالي وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً من الإمامة، وقيادة طليعة الأمة أحضر الإمام الهادي (ع) نجله الإمام الحسن العسكري وأوصى إليه وأشهد خيرة الطائفة بذلك واستعد للرحيل.
وفي الثالث من رجب وفي ملك المعتمد بالله فارقت روحه النقية الدنيا ونقل عن العالم الكبير ابن بابويه أن المعتمد قد دس إليه السم فمضى شهيداً!
وقال المسعودي: ولما توفي اجتمع في داره جملة بني هاشم من الطالبيين والعباسيين، واجتمع خلق كثير من الشيعة، ثم فتح من صدر الدار باب وخرج خادم أسود، ثم خرج بعده أبو محمد الحسن العسكري حاسراً مكشوف الرأس، مشقوق الثياب، وكان وجهه وجه أبيه لا يخطى منه شيئاً، وأضاف: وكانت الدار كالسوق بالأحاديث، فلما خرج وجلس أمسك الناس وكنا لا نسمع إلّا العطسة والسعلة وقال: وصاحت سر من رأى يوم موته صيحة واحدة 17.
ويظهر من المسعودي أن وفاة الإمام كانت في عهد المعتمد الذي استهل بعام 256 ه-، وحيث كان أخوه الموفق الغالب على السلطة وهو الذي حضر جنازة الإمام، ويقول المسعودي في ذلك: ووثب إليه (الإمام الحسن العسكري) أبو أحمد الموفق فعانقه ثم قال له:" مرحباً يابن العم" 17.
وهكذا يظهر من الشيخ ابن بابويه الذي يرى أن المعتمد قد سم الإمام، وعلى هذا فلا بدَّ أن تكون وفاته بعد عام 256 وليس كما قالوا عام (254)، ويظهر ذلك أيضاً من كشف الغمة إذ قال: وفي آخر ملك المعتمد استشهد مسموماً 18
ولعل هناك اشتباهاً عند النسّاخ بين المهتدي والمعتمد، إذ أن آخر ملك المعتمد يصادف عام 279، ولعل الذي استشهد في أيام المعتمد هو الإمام الحسن العسكري الذي استشهد عام 260 والله العالم 19.
 

  • 1. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 123.
  • 2. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 176.
  • 3. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 301.
  • 4. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 7.
  • 5. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 133.
  • 6. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 130.
  • 7. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 168.
  • 8. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 194.
  • 9. القران الكريم: سورة التوبة (9)، الآية: 25، الصفحة: 190.
  • 10. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 162 - 163.
  • 11. القران الكريم: سورة هود (11)، الآية: 65، الصفحة: 229.
  • 12. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 204.
  • 13. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 199 - 200.
  • 14. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 124- 125.
  • 15. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 210.
  • 16. تاريخ الإسلام السياسي : ج 3، ص 223.
  • 17. a. b. في رحاب أئمة أهل البيت ج 4، ص 183.
  • 18. بحار الأنوار: ج 50، ص 114.
  • 19. المصدر: كتاب الإمام الهادي( عليه السلام ) قدوة وأسوة ، لآية الله السيد محمد تقي المدرسي دامت بركاته.