مجموع الأصوات: 2
نشر قبل أسبوعين
القراءات: 173

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

فقه المسجد

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ... 1 وقال أيضاً: ﴿ ... وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... 2، وقال تعالى كذلك: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ... 3.
تشير هذه الآيات الثلاث وما شابهها في القرآن الكريم على أهمية المسجد ودوره الإيماني والروحي والتربوي والاجتماعي في عقيدتنا الإسلامية التي تعمل على بناء الشخصية الإسلامية المؤمنة والقادرة على خوض غمار الحياة الدنيا من كل نواحيها وجوانبها الدينية والدنيوية.
فالمسجد هو المكان الذي يرتاده المسلمون المؤمنون بربهم ليتقربوا إليه بأصناف الطاعة من صلاة ودعاء وقراءة وتعلّم الأحكام والمفاهيم والاطلاع على المستجدات التي تحصل ليكون المؤمن على تواصل مع كل الأحداث وليأخذ منها الموقف الذي يتناسب مع الشرع الإسلامي الحنيف.
وللمسجد قدسية خاصة وتعظيم خاص له في شرعنا الإسلامي، لأن المساجد هي بيوت الله في الأرض، ومن دخل إليها فهو زائر لله عزوجل، وعلى الزائر أن يحترم أصول الضيافة والزيارة، فلا يقوم بأي عمل يتنافى مع قداسة المكان ومكانته الروحية والمعنوية مهما بدا ذلك الأمر حقيراً وتافهاً بنظر الكثير من الناس العاديين.
من أجل ذلك فرض الله سبحانه وتعالى أحكاماً خاصة بالمسجد يجب على المسلم أن يراعيها ويحترمها ويلتزم بها، هذه الأحكام تسمّى بـ " فقه المسجد".
والمراد من " فقه المسجد" هو الحفاظ على قدسية وطهارة ونزاهة هذا المكان عن أي أمر يشير إلى الإستخفاف به أو الاستهانة بأمره، باعتبار أنه مكان اجتماع المسلمين فيه من أجل إقامة شعائر دينهم، ولهذا يجب أن يكون المسجد على أبهى حلة وأجمل منظر للداخل إليه.
وينقسم فقه المسجد إلى الأحكام الأربعة " الواجب والحرام والمستحب والمكروه " وأما الأحكام الواجبة فهي:
1. إزالة النجاسة عن المسجد، فلو فرضنا أن داخلاً إلى المسجد وجد فيه نجاسة فيجب عليه أن يعمل على إزالتها ومقدّماً ذلك على الصلاة مع سعة الوقت، وأما مع ضيق الوقت فيصلي ثم يزيل النجاسة أو يطلب من أحد غيره أن يعمل على إزالتها.
2. يحب على الداخل إلى المسجد أن يكون متطهراً من الحدث الأكبر مثل الجنابة عند الرجل، أو الجنابة والحيض والنفاس عند المرأة، لأن المحدث بالأكبر لا يجوز له دخول المسجد والقيام فيه بأي نشاط عبادي، لأن الطهارة من الحدث الأكبر شرط صحة الأعمال العبادية بنحو عام خصوصاً الدخول إلى المسجد والصلاة، وشرط كمال أعمال عبادية أخرى كالدعاء وقراءة القرآن.
وأما الأحكام المحرمة فهي.
1. تنجيس المسجد، سواء أرض المسجد أو سقفه أو سطحه وجدرانه أو الأدوات الموجودة فيه كالصوتيات والفرش.
2. تزيين المساجد بالذهب إذا كان إسرافاً وزائداً عن مورد الضرورة، لأن الذهب فيه دلالة على التفاخر والتكبر، والله يريد للمساجد أن تكون بسيطة في هندستها وبنائها لكي تتناسب مع أجواء العبادة والابتهال والدعاء وسائر الأعمال الدينية.
3. الأعمال المنافية لحرمة المسجد مثل جعله مكاناً لممارسة الرياضة أو الغناء أو إقامة حفلات موسيقية ولو كانت محللة، أو جعله مكاناً للبيع والتجارة وعقد الصفقات، لأن كل ذلك يتنافى مع وظيفة المسجد ويعطلها ويلغي الدور العبادي له.
4. حرمة دخول الكفار إلى المساجد، حتى ولو كان ذلك من أجل التعرف إليه ومعاينة الآثار التاريخية أو المعمارية أو غير ذلك، ولا فرق في حرمة الدخول ما اعتبر هتكاً لحرمة المسجد وما لا يعتبر كذلك، فالدخول حرام مطلقاً، لأن المسجد هو مكان الموحدين الحقيقيين، وهذا غير متحقق في غير المسلمين من عباد الله وخلقه.
5. حرمة هدم المسجد أو تخريبه، ولو حصل ذلك، فيبقى عنوان المسجد به قائماً، ولا يجوز إقامة أي شيء آخر مكانه، بل يجب إعادة بناء المسجد فيما لو تم هدمه كلياً، أو بناء الجزء الذي تم هدمه، نعم يجوز هدم المسجد إذا كانت هناك مصلحة كبرى للمسلمين متوقفة على هدمه لأنه عائق في هذه الحالة، وهدمه لا يكون إلا بأمر الحاكم الشرعي المنوط به إعطاء الأذن.
6. حرمة العمل خلاف عناوين الوقف مثل استعارة سجاد المسجد أو صوتياته أو شيء من كتب القرآن والأدعية وإخراجها من المسجد، فهذه الأعمال كلها غير جائزة إذا كانت تلك الأمور موقوفة لخصوص المسجد كما هو المتعارف غالباً في بلادنا الإسلامية. وأما الأحكام المستحبة فهي:
7. تنظيف المسجد كي يكون لائقاً وجميلاً لكي يأنس المؤمن بوجوده فيه ويرتاح بالنظر إليه.
8. إعمار المساجد فهو أمر مستحب جداً، حتى ورد أنه من المستحب أن يجعل الإنسان في بيته مكاناً خاصاً يجعله كمسجد له يصلي فيه.
9. أن يكون المؤمن أول الداخلين إليه وآخر الخارجين منه، ليكون لذلك دلالة على ارتباط المؤمن بربه من خلال مسارعته في الذهاب إلى المسجد على قاعدة ﴿ ... فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ... 4.
10. أن يكون عند دخوله إلى المسجد خاشعاً وخاضعاً وذليلاً ومنكسراً للدلالة على أنه قادم إلى المسجد ليكون بين يدي الله سبحانه وتعالى ليأخذ منه العون والمدد والقوة لمواجهة الحياة بكل ما فيها من مغريات ومفاتن وغير ذلك مما يخرج الإنسان عن الصراط المستقيم.
11. أن يدخل بالرجل اليمنى ويخرج بالرجل اليسرى، وهذا ما ورد في الروايات والأحكام.
12. إرتداء أجمل الثياب وأنظفها والاهتمام بالمظهر العام مضافاً إلى وضع الطيب والعطر، وهنا نستغرب تصرف البعض من الناس الذين إذا أرادوا أن يزوروا شخصاً ذا مقام فإنهم يلبسون أفخر الثياب الموجودة عندهم، بينما يتهاونون في لباسهم عند الذهاب إلى المسجد، مع أن التزين بين يدي الله أهم وأعظم من التزين للناس مهما علت مقاماتهم.
13. أن يصلي في المسجد مع الجماعة إذا كان له إمام راتب يصلي الصلوات الخمس لأن أجر الجماعة لايحصيه إلا الله إذا بلغ عدد أفرادها العشرة وما فوق، وقد ورد التأكيد الشديد على إقامة صلاة الجماعة وأن لا يصلي الإنسان منفرداً.
14. إستحباب صلاة ركعتين فور دخوله إلى المسجد إن كان متوضئاً أو بعد الوضوء وذلك قبل الشروع بأي عمل آخر من صلاة أو دعاء، وهاتان الركعتان هما تحية للمسجد وإجلال له.
15. يستحب لجار المسجد أن يصلي في المسجد، إلا أن يكون له عذر أو به علة، فقيل: ومن جار المسجد يا أمير المؤمنين؟ قال (عليه السلام): من سمع النداء " أي " الآذان " بالصوت العادي لا بالمكبرات. وأما الأحكام المكروهة فهي:
16. إدخال الصبيان غير المميزين والمجانين خصوصاً مع عدم التأكد من طهارتهم، وأما إذا كان مميزاً وعالماً بأحكام الطهارة والصلاة فلا يكره له من أجل تعويده للتردد إلى المسجد.
17. أن تجعل المساجد أماكن للتعريف عن الأشياء الضائعة وما شابه ذلك من الأمور، وكذلك جعل المسجد مكاناً لإلقاء قصائد الشعر خصوصاً ما يتعلق منها بالأمور الدنيوية لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى عن ذلك.
18. جعل المسجد مكاناً للأحاديث اللغوية واللهوية والدنيوية وعمليات البيع والشراء وما على هذه الشاكلة، لأن كل ذلك يتنافى مع وظيفة المسجد العبادية والدينية والروحية، لأن مثل تلك الأمور مكانها البيوت العادية أو الأسواق المعدة للتجار.
19. كراهة الخروج من المسجد عند سماع الآذان وعدم الصلاة فيه، لأن المسجد أفضل مكان للصلاة، فعندما يخرج المؤمن منه عند الآذان فمعنى ذلك أنه غير مهتم بالصلاة في المسجد وهذا يتنافى مع أخلاقيات المسلم في التعامل مع هذا الرمز الإسلامي العظيم الشأن.
وما ذكرناه من الواجب والحرام والمستحب والمكروه لا يشمل كل فقه المسجد، وإنما اكتفينا بذكر البعض منها للدلالة على أهمية المسجد في الإسلام وعلو منزلته ومكانته عند الله وعند المسلمين.
ونذكر في النهاية بعض الروايات الواردة عن المسجد واستحباب أن يقوم المسلم بأداء كل واجباته الدينية فيه.
1. إستحباب الدعاء عند الدخول إلى المسجد: (بسم الله وبالله ومن الله وإلى الله وخير الأسماء كلها لله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم صلّ على محمد وآل محمد وافتح لي أبواب رحمتك وتوبتك، وأغلق عني أبواب معصيتك، واجعلني من زوارك وعمّار مساجدك وممن يناجيك في الليل والنهار، ومن الذين هم في صلواتهم خاشعون، وادحر عني الشيطان الرجيم وجنود إبليس أجمعين).
2. إستحباب الدعاء عند الخروج من المسجد: (اللهم دعوتني فأجبت دعوتك وصليت مكتوبك، وانتشرت في أرضك كما أمرتني، فأسألك من فضلك العمل بطاعتك، واجتناب معصيتك والكفاف من رزقك برحمتك).
3. إستحباب المشي إلى المسجد: (من مشى إلى مسجد يطلب فيه الجماعة كان له بكل خطوة سبعون ألف حسنة، ويرفع له من الدرجات مثل ذلك، وإن مات وهو على ذلك وكّل الله به سبعين ألف ملك يعودونه في قبره، ويؤنسونه في وحدته، ويستغفرون له حتى يبعث).
4. إستحباب الصلاة في المسجد: (عليكم بإثبات المساجد فإنها بيوت الله في الأرض، ومن أتاها متطهراً طهره الله من ذنوبه وكتب من زواره، فأكثروا فيها من الصلاة والدعاء...)
5. إستحباب الجلوس في المسجد: (عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يا أبا ذر: إن الله تعالى يعطيك ما دمت جالساً في المسجد بكل نفس تنفست درجة في الجنة، وتصلي عليك الملائكة، وتكتب لك بكل نفس تنفست فيه عشر حسنات، وتمحي عنك عشر سيئات).
وكل ما ذكرناه هو غيض من فيض عن المسجد وأهميته ودوره الكبير من منظارنا الإسلامي، فهو المكان الأنسب للعبادة والتعلم وبناء الشخصية الإسلامية القوية بدينها المتمسكة بإيمانها والقادرة على مواجهة ضغوطات الحياة، لأن المسجد يعطي للمسلم القوة المعنوية والإيمانية والروحية التي تجعله متمكناً من النجاة بنفسه من غدر الدنيا الفانية، وتجعله ينطر إلى الدنيا على أنها مجرد طريق موصل إلى الجنة يوم القيامة.
والحمد لله رب العالمين5.