الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

ارنا الله جهرة

نص الشبهة: 

بسم الله الرحمن الرحيم

ما رأيكم بمن يقول في تفسيره.. هذا الكلام: س: إذا كان النظر إلى الله تعالى محالاً، فكيف يصدر طلبه من الأنبياء كموسى عليه السلام في قوله: ﴿ ... رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ... ، فهل أن الأنبياء يمثلون القمّة في ذلك؟ ج: المشهور بين المفسرين أنه ليس طلباً ذاتياً، ولكنه من أجل إقامة الحجة على قومه، ولكننا لا نستبعد أن يكون هذا السؤال من موسى عليه السلام لنفسه، لأنه من الممكن أن لا يكون قد مضى في خاطر موسى هذا التصوّر التفصيلي للذات الإلهية في أنه ليس ممكن الرؤية، لأنه تعالى ليس بجسم، وهذا ما يُعطينا معنى التكامل التدريجي للتصورات العقائدية في شخصية الرسول، والله العالم.. كما أرجو النقد والتعليق وخصوصاً على مسألة التكامل العقائدي المذكور!!

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد..

1 ـ التجسيم الإلهي

إن هذا البعض بعد أن زعم: أن المشهور بين المفسرين هو القول بأن طلب موسى أن يرى الله جهرة، قد كان لأجل قومه، لا لنفسه. قال: ولكننا لا نستبعد أن يكون السؤال من موسى.
ونقول:
أولاً: إن هذا المشهور بين المفسرين، لم يأتوا به من عند أنفسهم، بل هم قد استفادوه من قوله تعالى في سورة البقرة، مخاطباً بني إسرائيل: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ 1.
كما أنه مروي عن الأئمة الطاهرين عليهم السلام، فقد روي أن المأمون قال للإمام الرضا عليه السلام: كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران «عليه السلام» لا يعلم أن الله تعالى ذكره لا تجوز عليه الرؤيا، حتى يسأله هذا السؤال؟!
قال الرضا عليه السلام: إن كليم الله موسى بن عمران عليه السلام علم أن الله تعالى منزه عن أن يرى بالأبصار. ولكن لما كلمه الله عز وجل وقربه نجياً، رجع إلى قومه فأخبرهم: أن الله تعالى كلمه وقربه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعته.
وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثم اختار سبعة آلاف، ثم اختار منهم سبعمائة، ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه.
فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور، وسأل الله عز وجل أن يكلمه، ويسمعهم كلامه، فكلمه الله تعالى ذكره، وسمعوا كلامه من فوق، ومن أسفل، ويمين وشمال، ووراء، وأمام ؛ لأن الله تعالى أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى يسمعوه من جميع الوجوه.
فقالوا: لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه كلام الله، حتى نرى الله جهرة.
فلما قالوا هذا القول العظيم، واستكبروا، وعتوا، بعث الله عليهم صاعقة. وأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا.
فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، وقالوا: إنك ذهبت فقتلتهم، لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت في مناجاة الله عز وجل إياك؟!
فأحياهم، وبعثهم معه.
فقالوا: إنك لو سألت الله أن يريك تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو، ونعرفه حق معرفته؟
فقال موسى عليه السلام: يا قوم، إن الله تعالى لا يرى بالأبصار، ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته، ويعلم بأعلامه.
فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله.
فقال موسى: يا رب، إنك قد سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم.
فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، سلني عما سألوك، فلن أؤاخذك بجهلهم.
فعند ذلك قال موسى عليه السلام: رب أرني أنظر إليك الخ.. 2.
ثانياً: لقد قال هذا البعض: إنه لا يستبعد أن يكون موسى قد طلب الرؤية لنفسه، لا لقومه، ومن المعلوم أن الله تعالى قد نادى نبيه موسى من الشجرة: ﴿ ... أَنْ يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ 3   4.
فهل تراه حين جاءه هذا النداء، اعتقد أن الشجرة نفسها هي الله، أو أن النار هي الله، فصار معبوده هو هذا، أو ذاك؟!
أم أنه لم يلتفت إلى موضع الصوت، ولا فكر في حقيقة وذات هذا الذي يخاطبه؟! وبقي غافلاً طيلة هذه السنين؟!..
ثالثاً: إذا كان موسى عليه السلام مبعوثاً من قبل الله تعالى، وقد كلفه بمهمة خطيرة، فيها تحدٍ لطواغيت الأرض، ولمدَّعي الربوبية فرعون بالذات، كيف لم يطلب عليه السلام أن يجتمع بهذا الذي أرسله، ليتفق معه على تفاصيل المهمة، وعلى خططها؟! وكيف لم يخطر بباله شيء عن هذا المرسل كيف هو؟! وأين هو؟! ومن هو؟! وهل يشبه فلاناً من الناس، أو لا يشبه أحداً؟! وبماذا يشبه الذين يدَّعون الألوهية، أو يدَّعى لهم، وما هي الفوارق بينه وبينهم؟!
رابعاً: إن الله حين بعث موسى عليه السلام مع أخيه إلى فرعون قالا: ﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَىٰ * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ 5.
فكيف لم يمض في خاطر موسى عليه السلام أنه إذا كان الله تعالى معنا، يسمع ويرى، فأين هو؟ هل هو إلى الجانب الأيمن؟ أو الأيسر؟ وهل إذا كان معهم سوف يراه فرعون؟! وماذا سيفعل لو رآه؟! أو أنه مختبئ في شيء، بحيث لا يراه الآخرون، وكيف؟!..
خامساً: لقد سأل فرعون لعنه الله موسى عليه السلام: ﴿ ... فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ 6.
وأراد موسى عليه السلام أن يجيبه، ما الذي تبادر إلى ذهن موسى وهارون عليهما السلام، وكيف استحضرا الذات الإلهية؟!
هل استحضراها بنحو تكون فيه قابلة للرؤية من حيث هي متجسدة في شيء ما، أو تصوراها بنحو لا تقبل معه للرؤية؟!
ولماذا اختار هذا التصور الثاني دون الأول؟!
سادساً: قال فرعون رداً على ما جاء به موسى عليه السلام: على ما حكاه الله تعالى عنه: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ... 7.
فهل يستطيع هذا البعض أن يبين لنا حقيقة مشاعر موسى عليه السلام، وهو يواجه هذا التحدي من فرعون؟! هل تصور أن فرعون سوف يصل إلى الله، ويطلع عليه، ويراه؟ أم أنه كان مطمئناً إلى أنه سبحانه لا يمكن أن يرى؟!
فإن كان إلى هذا الحين يعتقد أن الله يمكن أن يرى ـ لكن فرعون سوف لا يصل إليه، فإن موسى عليه السلام يكون إلى هذا الحين، وطيلة تلك السنين التي سبقت مجسماً ـ لا فرق بينه وبين من يعبد فرعون، أو من يعبد الأصنام والعياذ بالله.
وإن كان يرى ويعتقد: أن الله تعالى لا يمكن أن يرى.. فكيف عاد بعد سنوات من ذلك ليطلب من الله أن يريه نفسه؟! وكيف يقول هذا البعض: لم يمض في خاطر موسى هذا التصور التفصيلي للذات الإلهية؟!..
سابعاً: إن التصور لا يكفي في الأمور الاعتقادية، بل لا بد من اليقين، والجزم بالأمر الاعتقادي، وعقد القلب عليه، فكيف كان موسى عليه السلام مؤمناً بربه؟! وكيف وعلى أي شيء كان يعقد قلبه؟!

ثامناً: إن من الواضح: أن موضوع التجسيم الإلهي وعدمه ليس من التصورات التفصيلية في الذات الإلهية، بل هو أول سؤال يواجه الإنسان منذ طفولته، بمجرد الالتفات إلى نفسه، وشعوره بأن له إلهاً ومدبراً، من أجل ذلك يسأل الطفل أمه عن ربه أين هو؟
وكيف هو؟
ولماذا لا يراه؟..
فلماذا لم يخطر في بال موسى عليه السلام هذا الأمر، حتى بعد أن مضى من عمره عشرات السنين، وحتى بعد أن مضى على نبوته دهر طويل؟!..
وإذا كان قد مضى في خاطره ذلك في أيام طفولته، فبماذا أقنع نفسه حتى اطمأنت وسكنت؟!
تاسعاً: إن من مهمات الأنبياء عليهم السلام، منعهم عبادة الأصنام، والأشخاص، حيث يجب أن يعلموهم التوحيد الخالص، ويجب على الناس أخذ ذلك منهم وعنهم، فإذا كان موسى عليه السلام قد أظهر لهم أنه مؤمن، ومعتقد بإمكانية رؤية الله تعالى، كما دل عليه قوله: ﴿ ... أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ... 8 حسب زعم هذا البعض، فمعنى ذلك أنه غير معصوم لا في الاعتقاد، ولا في التبليغ، وسيوقعهم اقتداؤهم به في الخطأ في أمر اعتقادي خطير جداً، ومن أكثر المسائل حساسية بالنسبة إليهم..

2 ـ التكامل التدريجي

أما فيما يرتبط بالتكامل التدريجي، للتصورات العقائدية في شخصية الرسول، فإننا نقول:
ألف: إن هذا التكامل التدريجي، لا يمكن أن يكون في مجال معرفة الذات الإلهية، وصفاتها التي تدركها العقول، خصوصاً فيما هو ظاهر البداهة منها لدى العقول السليمة كموضوع التجسيم، فكيف بعقول الأنبياء، وبالأخص عقول أولي العزم منهم؟..
ب ـ إن التكامل التدريجي إنما هو في مجال إدراك الأسرار والحقائق العليا، التي لا تنالها عقول البشر عادة، لأنها تحتاج لمزيد من المعرفة بملكوت الله، ورؤية آياته، على غرار قوله تعالى: ﴿ ... سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ... 9، أو في المجالات التي تخضع للقرار الإلهي، الذي لا مجال للاطلاع عليه إلا بتعليم وإخبار منه تعالى.. وليس موضوع رؤية الله سبحانه، لا من هذا، ولا من ذاك.
وعلى كل حال، فقد ذكرنا في كتاب «خلفيات كتاب مأساة الزهراء عليها السلام» بعض ما يفيد في هذا المجال، فقد كتبنا هناك ما يلي:
«إن موضوع رؤية الله سبحانه، وصفاته، وأصول العقيدة، هي من الأمور التي يدركها العقل، وبه تعرف، وليست مما يعرف بالسمع، إلا من حيث تأكيد حكم العقل، والإرشاد إليه.
إذن، كيف لم يكن موسى النبي عليه السلام، الذي سبق له مواجهة فرعـون، المدَّعي للربوبية، كيف لم يكن يعرف ـ على حد قول البعض ـ إلى مضي زمن طويل من نبوته أن الله سبحانه لا يرى؟
فهل يعقل أنه لم يخطر في بال موسى عليه السلام أن يستعد لمواجهة طلب محتمل جداً من فرعون ومن بني إسرائيل رؤية هذا الإله الذي كان يأتيه جبرئيل بالأوامر والتوجيهات والتوجهات من قبله، ولم يطلب من جبرئيل أن يجمعه به ويتحدث إليه!!
ويقول:
«لذلك فإن الله تعالى لم يعرِّف موسى حتى ذلك الوقت أنه لا يرى» 10.
ولا ندري لماذا لم يكن قد مر في خاطر موسى عليه السلام هذا التصور التفصيلي للذات الإلهية؟ وكيف خيّل إليه ذلك في هذا الوقت بالذات، ولم يخيل له ذلك قبل هذا الوقت؟!
ولماذا لم يعرفه الله تعالى ذلك في بدايات نبوته وانتظر إلى أن مضت هذه المدة كلها؟!
وهل يمكن أن يرسل تعالى نبياً لا يعرفه حق المعرفة؟
وهل يمكن أن نقبل ممن لا يعرف أصول الدين وصفات الباري تعالى أن يكون مرشداً دينياً في قرية؟
فكيف نرتضي أن يكون نبياً لله سبحانه ـ فضلاً عن أن يكون نبياً من أولي العزم ـ أرسله الله إلى فرعون مدَّعي الربوبية؟
وكيف نسي فرعون، ومن معه، أن يسألوه عن هذا الإله الذي أرسله، من هو، وأين، وكيف هو؟..
وكيف يمكن أن نفهم تعليل ذلك البعض وتوضيحه لهذا الأمر بقوله: إن الله كان يعرف أنبياءه أصول العقيدة وصفاته بالتدريج 11.
ومن أين عرف هذا البعض، هذا الأمر التاريخي المرتبط بالتعاطي التعليمي لله سبحانه مع أنبيائه؟!!
وهل صحيح: أن أصول العقيدة تعرف بالسمع؟! وبالتدريج؟! أَوَلا يوجد دليل عقلي يمنع عن الأخذ بظاهر الآية ويصرف الرؤية عن ظاهرها؟!..
وهل كان هذا الطلب اقتراحاً من موسى مباشرة؟
أم كان استجابة لطلب قومه منه، ليؤكد لهم بصورة عملية عدم صحة طلب كهذا؟ ». انتهى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 12.