مجموع الأصوات: 20
نشر قبل شهران
القراءات: 894

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

تجديد الفكر الإسلامي وجدلية التراث والمعاصرة

 تتحدد ابرز إشكاليات تجديد الفكر الإسلامي في إطار جدلية التراث والمعاصرة، بمعنى أن التجديد في الفكر الإسلامي لا يمكن أن يتحقق بدون إعادة قراءة التراث من جديد، وبمنهج العقل النقدي، وعلى أساس فلسفة التواصل وليس الانقطاع، وبخلفية الهضم والاستيعاب، وسعياً نحو التجاوز والإبداع.
كما لا معنى للتجديد، إذا لم يبدع الفكر الإسلامي معاصرته وحداثته في إطار شروطه التاريخية والثقافية، ويبرهن على قدرته في مواكبة العصر، والانخراط في تجربة الحداثة العالمية، والمشاركة في إنتاج المعرفة الإنسانية.
من هنا ندرك عمق هذه الإشكالية وطبيعة تعقيداتها، وكيف أنها إشكالية تاريخية وحضارية، يتوقف على أساسها مستقبل ومصير الفكر الإسلامي والأمة الإسلامية، وبهذا المستوى من الفهم والإدراك ينبغي أن ننظر ونتعامل مع هذه الإشكالية.
من جهة أخرى، أن هذه الإشكالية هي من أكثر ما يظهر الضعف في بنية ومكونات الفكر الإسلامي، وتكشف عن الحاجة الملحة للتجديد، وضرورتها التاريخية والحضارية.
وعند النظر في هذه الإشكالية، نجد أنها تتفرع إلى محنتين، محنة مع التراث، ومحنة مع العصر. والمحنة مع التراث، تتحدد في كون أن الفكر الإسلامي مع أنه بقي ومازال مسكوناً بهاجس التراث، إلى درجة أنه يعد من أكثر المنظومات الفكرية اشتغالاً به على مستوى الثقافات الإنسانية في العالم، مع ذلك لم يتمكن الفكر الإسلامي من هضم هذا التراث واستيعابه، والعمل على تمثله، بل ويمكن القول أن التراث بوصفه منتجاً فكرياً مازال متفوقاً ومتقدماً على ما ينتجه المفكرون الإسلاميون المعاصرون.
وهذه هي المحنة الحقيقية التي تواجه الفكر الإسلامي المعاصر، الذي مازال يفتش عن ابن سينا في عصره ولم يجده، وعن ابن رشد في عصره ولم يجده، وعن ابن خلدون في عصره، وعن الخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس والبيروني وغيرهم ولم يجد أحداً منهم في عصره. ولهذا فإن هناك من يبحث عن العصر الثاني لابن سينا، والعصر الثاني لابن رشد، والعصر الثاني لابن خلدون، وهو العصر الذي لم يتمكن الفكر الإسلامي المعاصر من إبداعه أو تمثله، أو الوصول إليه.
وما لم يتقدم الفكر الإسلامي على التراث، من ناحية الإسهام النظري والمعرفي، فإن إشكالية التراث ستظل قائمة، وقيمتها أن تذكر الفكر الإسلامي بالحاجة إلى التقدم والتفوق، ومن دون هذا التقدم على التراث، ستظل مهمة التجديد متعثرة.
وأما المحنة مع العصر، فهي أكثر شدة وفداحة نتيجة المسافة البعيدة التي باتت تفصلنا عن العصر، ونتيجة التطور السريع والتراكم المذهل في المعرفة الإنسانية.
ومع كل هذا التطور والتقدم، مازالت إمكانية النفوذ إلى العصر مفتوحة ومتاحة لجميع المنظومات الثقافية، بما فيها المنظومة الثقافية الإسلامية، لكنها ليست إمكانية سهلة ويسيرة، لأن النفوذ إلى العصر، بحاجة إلى الارتقاء بمستوى العصر وشروطه التاريخية والحضارية، على طريقة ما حققته اليابان في مسيرتها الحضارية، حتى وصلت إلى وضع أصبحت فيه جزء من العصر، وفرضت مستوى من الوجود والحضور جعل منها شريكاً فاعلاً ومؤثراً في مسيرة التقدم الإنساني، بحيث لا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة ونفوذ أن يغيبها، أو لا يتفاعل معها.
ومن جانب آخر، فإن محنة التراث لا تنفصل عن محنة العصر، فلولا محنة العصر لما التفتنا إلى عمق وشدة محنة التراث، المحنة التي تتسع وتزداد كلما اقتربنا من العصر وعلومه ومعارفه، وكلما نضجت وتطورت رؤيتنا في النظر إلى العصر، ومستويات التقدم التي وصل إليها.
ولهذا لا ينبغي أن نقدم علوم التراث على علوم العصر، ونعطي أفضلية علوم التراث على علوم العصر، فهذا لا يحقق تقدماً، ولا يبني مدنية، فالسعي لابد أن يكون باتجاه تقديم علوم العصر على علوم التراث، باعتبار أن علوم التراث هي علوم أمة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا، ولن نسأل عن علومها، وإنما نسأل عن علومنا، وعلومنا هي علوم عصرنا.
فحين توقف نصير الدين الطوسي أمام الحديث النبوي المعروف (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)، اعتبر أن المراد من العلم الذي طلبه فريضة، هو علم الحال، ويقصد به العلم المحتاج إليه في الحال الموصول إلى النفع في المآل، وكما يقال أفضل العلم علم الحال، وأفضل العمل حفظ المآل.
وعلوم العصر بالنسبة إلينا هي في منزلة علم الحال، لأن لا قوام لحياتنا واجتماعنا ومدنيتنا بدونها1.
 

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ، العدد 14795.