الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

وانا له لحافظون

قد يتوهم مخطئ أن أيام شهر رمضان متعبة لجسد الإنسان، ومرهقة لبدنه، لكن العقلاء لا يمكنهم إلا التسليم واليقين بأن أيامه ولياليه، أنس للروح، وراحة للقلب، وحياة للضمير..
في شهر رمضان يلحظ الإنسان برامج رديفة للصيام ومقترنة به، أجلاها وأوضحها العلاقة المميزة بين الصائم وبين كتاب الله العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذه العلاقة التي تصل ذروتها حين يقرأ الصائم القرآن، وهو يعي مكانته وعظمته وإعجازه وخلوده، كما يدرك أنه منهجه في العلم والتفكير والسلوك والتصرف والتدبير، وهو قانونه ودستوره، ورسالة الله التي جاء بها رسوله محمد (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) محملة برؤى الحياة وما وراء الحياة.
قرآن واحد يقرؤه المسلمون في كل أصقاع الأرض، يتلوه حفاظهم، ويرتله صغارهم وكبارهم، ويجوّده من أكرمه الله منهم، ليكون نطقه سليماً لحروفه بعد أن يعطيها حقها من النطق ويخرجها من مخرجها الصحيح.
بعد أكثر من 1400 عام يقرأ المسلم كتاب الله، وهو يلمس في قوله تعالى ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 1 واقعاً عملياً، وأمراً محسوماً، اعتقده الأولون وآمنوا به، لكنهم لم يدركوا هذا الفاصل الزمني الهائل، ليروا بأعينهم ويسمعوا آيات القرآن الكريم تتلى، كما قرئت على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكما قرأها على المسلمين وعلّمهم إياها.
في الآية المباركة إخبار من الله (سبحانه وتعالى) بأن يحفظ هذا القرآن من كل خطر، «وهو إخبار عن نفسه وحده لكن يخرج ذلك مخرج الإخبار الملوكي............، وقال بعض العلماء إن الله يذكر مثل هذه الألفاظ ﴿ ... نَحْنُ ... 1 إذا كان الفعل المذكور بعده يفعل بواسطة بعض ملائكته، أو بعض أوليائه، فتكون عبارة ﴿ ... نَحْنُ ... 1 عبارة عنه تعالى وعنهم»..
كما جاء في مفردات ألفاظ القرآن للعلامة الأصفهاني، وقد ذكر التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي ما يساوق........ ذلك بقوله ﴿ إِنَّا نَحْنُ ... 1 فهذه الصيغة، وإن كانت للجمع إلا أن هذا من كلام الملوك عند إظهار التعظيم، فإن الواحد منهم إذا فعل فعلاً أو قال قولاً قال: إنا فعلنا كذا، وقلنا كذا، فهكذا ههنا.
فالحافظ هو الله (سبحانه وتعالى) دون سواه، وأما المحفوظ فهو ﴿ ... الذِّكْرَ ... 1 وهو هنا خصوص القرآن الكريم، فالآية هي التاسعة من سورة الحجر التي افتتحت بقوله تعالى ﴿ ... الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ 2 واللام المذكورة في ﴿ ... الذِّكْرَ ... 1 هي للعهد، وتعود على آيات الكتاب والقرآن المبين، ولا تشمل مثل التوراة والإنجيل مع أنهما ذكر من الله (سبحانه وتعالى).
وقد لاحظت نكتة جميلة في هذا السياق أوردها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه التحرير والتنوير المعروف بتفسير ابن عاشور التونسي يقول: «وقد حكى عياض في المدارك أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سئل عن السر في التغيير للكتب السالفة وسلامة القرآن من طرق التغيير له، فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظهم كتبهم، فقال ﴿ ... بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ... 3 وتولى حفظ القرآن الكريم بذاته تعالى فقال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 1.
ووصل أحد العلماء المفسرين في تفسير القرآن إلى نفس النتيجة، ولكن من خلال الآية ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ 1 فيرى «أن المراد بالوصف لحافظون هو الاستقبال كما هو الظاهر من اسم الفاعل، فيندفع به ما يورد على الآية إنها لو دلت على نفي التحريف من القرآن لأنه ذكر، لدلت على نفيه من التوراة والإنجيل، لأن كلا منهما ذكر، مع أن كلامه تعالى صريح في وقوع التحريف فيهما...........، وذلك أن الآية بقرينة السياق إنما تدل على حفظ الذكر الذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد، ولا دلالة على علية الذكر للحفظ الإلهي ودوران الحكم مدراه.............».
ويشير الشيخ ناصر مكارم في كتابه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) إلى «اختلاف المفسرين في دلالة (حفظ القرآن) في هذه الآية المباركة».
1. قال بعضهم: الحفظ من التحريف والتغيير، والزيادة والنقصان.
2. وقال البعض الآخر: حفظ القرآن من الضياع والفناء إلى يوم قيام الساعة.
3. وقال غيرهم: حفظه أمام المعتقدات المضلة المخالفة له.
بما أنه لا يوجد أي تضاد بين هذه التفاسير، وسياقها ضمن المفهوم العام لعبارة ﴿ ... وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ 1 فلا داعي لحصر مصاديقها في بُعد واحد، خصوصاً أن ﴿ ... لَحَافِظُونَ 1 ذكرت بصيغة مطلقة وليس هناك ما يخصصها.
الحق.. وفقاً لظاهر الآية المذكورة، فقد وعد الله تعالى بحفظ القرآن من جميع النواحي: من التحريف، من التلف والضياع، ومن سفسطات الأعداء المزاجية ووساوسهم الشيطانية.
حفظ الله (سبحانه وتعالى) للقرآن فيما مضى، واستمرار حفظه لما سيأتي من الزمان بقوله: ﴿ ... لَحَافِظُونَ 1 التي رأى صاحب الميزان دلالتها على الاستقبال، هذا هو مورد اتفاق أمة الإسلام وتسالمها على سلامة قرآنها، وبهذا التسالم والاتفاق حملت الأمة من خالف هذا الرأي منها على الغفلة والهفوة والكبوة والخطأ، وتناولته بأقلامها داحضة رأيه وكاشفة وهمه ومفندة حججه، ليبقى رأيه شاذاً في الأمة، لا يتابعه عليه آحاد الأمة، فضلاً عن مجاميعها وجماعاتها، فحفظ الله (سبحانه وتعالى) للقرآن نصا لا يسوغ ولا يقبل أمامه أي اجتهاد4.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
التحقق
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا