الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الدين كامل بدون ولاية الامام علي (عليه السلام)!!

نص الشبهة: 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما رأيكم فيما صدر مؤخراً من مقولات جعلت الإمامة ضمن البرنامج العملي الذي لم يكمله النبي (صلى الله عليه وآله) فكان يحتاج الأمر إلى من يقوم بهذه المهمة من بعده (صلى الله عليه وآله) وعلى أساس ذلك تم التفتيش بين المسلمين عن هذه الشخصية التي تستطيع ملء الفراغ بعد النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يكن غير الإمام علي (عليه السلام).. وحيث اعتبر أن البرنامج العملي للرسول (صلى الله عليه وآله) مغايراً للدين.. ـ بناء على ذلك ـ نتوجه إلى سماحتكم بهذه الأسئلة:

  1. ما هو تعريف الدين؟
  2. ما هو تعريف البرنامج العملي للنبي (صلى الله عليه وآله) وهل هو من الدين أم لا؟
  3. هل الرسول (صلى الله عليه وآله) أكمل برنامجه العملي؟..
  4. ما الفرق بين كون الإمامة جزءاً من الدين وكونها ـ أي الإمامة ـ جزءاً من البرنامج العملي للنبي (صلى الله عليه وآله)؟ وهل يوجد هناك منافاة بينهما؟

نرجو منكم إفادتنا مأجورين، ودمتم ذخراً للإسلام والمسلمين..

الجواب: 

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله..
وبعد..
فإنه لا ريب في أن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) التي أمر الله سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله) بأن يبلغها في يوم الغدير وغيره، جزء من دين الإسلام الحنيف، وقد دلت نفس الآيات القرآنية التي نزلت في مناسبة الغدير على ذلك.. فلاحظ:
1 ـ قوله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ 1.
فقد دلت هذه الآية:
أولاً: على أن عدم تبليغ ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يوازي عدم تبليغ الدين كله. فلو كانت الحاجة إلى الإمام علي (عليه السلام) هي مجرد حاجة إلى مساعد في إكمال البرنامج العملي، فإن ذلك يتم عبر الاستعانة به، وتمهيد الأمور له ليمسك بزمامها، ولا يحتاج ذلك إلى نص عليه، ولا إلى تبليغ ما أنزل إليه من الله تعالى، ولا يكون ترك ذلك التبليغ بمثابة ترك تبليغ الرسالة كلها..
إذ أن الحديث في الآية إنما هو عن قيمة مجرد الإبلاغ، وليس الحديث عن نفس الاستعانة بالإمام علي (عليه السلام) في إكمال البرنامج العملي، في حركة الرسالة في الواقع!!
ثانياً: إنه تعالى قد جعل الآخرين الذين لا يرضون بولاية الإمام علي (عليه السلام) من القوم الكافرين، وهم إنما يكفرون بإنكار حقائق الدين، لا بمجرد الاعتراض على أن يكون الإمام علي (عليه السلام) هو المكمل للبرنامج العملي، إذا كان ذلك ناشئاً عن حسد، أو هوى، لا عن تكذيب للرسول (صلى الله عليه وآله) وإنكار لصدقه فيما يبلغهم إياه..
ثالثاً: إن الظاهر هو أن السبب في اعتبار عدم إبلاغ ولايته (عليه السلام) مساوياً لعدم إبلاغ الرسالة كلها، هو أن أعمال العباد لا تقبل بدون ولاية الإمام علي (عليه السلام)، فلو أن أحداً قام ليله، وصام نهاره، وحج دهره، ولم يأت بولاية الإمام علي (عليه السلام) فإن ذلك كله لا ينفعه شيئاً..
كما أن ولايته صلوات الله وسلامه عليه شرط لاكتمال التوحيد، وفقاً لما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن جبرئيل (عليه السلام)، عن الله سبحانه وتعالى: «كلمة لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن من عذابي».
ثم قال الإمام الرضا (عليه السلام): « بشروطها، وأنا من شروطها » 2.
وفي نص آخر: «ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي».
ومعنى ذلك أنه لا فرق بينهما لجهة: أن كلاً منهما ـ أي التوحيد، وولاية الإمام علي (عليه السلام) ـ حصن الله سبحانه.
فقوله تعالى:﴿ ... وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ... 1. يعطينا: أن حقائق الإسلام وشرائعه وأحكامه بمثابة الجسد، المكتمل في تكوينه، والجامع لكل الميزات، والحائز على جميع الإمكانات والطاقات.. ولكنه يبقى خامداً هامداً، لا فائدة فيه إلا إذا نفخت فيه الروح، فتبدأ اليد بالحركة، وتدب فيها القوة، وتصبح العين قادرة على الرؤية، والأذن متمكنة من السمع، وتعطيه اليقظة في العقل وفي المشاعر والأحاسيس و.. و.. الخ..
فولاية الإمام علي (عليه السلام) إذن بمثابة هذه الروح التي تجعل كل أحكام الدين وشرائعه، وحقائقه وقضاياه مؤثرة في الغايات المتوخاة منها، موصلة إلى الله تعالى، هادية إليه..
فإذا لم يبلّغ الرسول (صلى الله عليه وآله) هذه الولاية، فإنه لم يبلغ أي شيء من رسالة الله سبحانه.. لأن جميع ما بلغه يكون بلا فائدة ولا عائدة، إذ ليس فيه روح وحركة وحياة، ولا يثمر ثمرة، ولا يؤدي إلى نتيجة..
2 ـ الآية الثانية: وهي قوله تعالى:﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ... 3..
فقد أفادت هذه الآية المباركة بملاحظة نزولها بمناسبة تبليغ ولاية الإمام علي (عليه السلام) يوم الغدير:
أولاً: إن ولاية الإمام علي (عليه السلام) جزء من الدين ولا يكمل الدين إلا بها..
ثانياً: إن الإسلام كله لا يكون ديناً مرضياً لله سبحانه بدون هذه الولاية.. فلو كانت الحاجة إلى الإمام علي (عليه السلام) هي لمجرد المساعدة في إكمال البرنامج العملي في حركة الرسالة في الواقع، فلا معنى لربط رضا الله لدينه بها، فإن الدين إذا اكتمل، فإنه يصبح مرضياً، سواء طبّقه الناس، أم عصوا الله في ذلك..
أضف إلى ذلك أن الكل يعلم: أن الإمام علياً (عليه السلام) قد أقصي عن مركزه الذي جعله الله تعالى له.. فهل بقي هذا الرضا الإلهي لدين الإسلام، أم أنه قد ذهب وزال بسبب ذلك الإقصاء أيضاً.. فإنه لا شك في أن رضاه له قد بقي، وذلك يعني أن نفس إبلاغ الولاية هو الذي يكمل به الدين، وليس لطاعة الناس ومعصيتهم أثر في ذلك..
ثالثاً: إن رضاه تعالى للإسلام ديناً قد حصل بمجرد حصول ذلك الإبلاغ. وقد نزلت الآية الدالة على ذلك بمجرد حصول ذلك الإبلاغ، ولم يكن البرنامج العملي قد أكمل بعد. وذلك يعني أن الذي حصل به هو إكمال الدين به فقط.. وذلك ظاهر لا يخفى.
وبذلك يتضح: أن ما ذكره ذلك البعض من أن آية﴿ ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... 3. قد نزلت قبل نصب علي (عليه السلام) يوم الغدير وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد بلغ الرسالة للناس 4، ينافي الآيتين المتقدمتين منافاة ظاهرة، ولا أقل من أنه ينافي صريح الآية الثانية..
على أن مقتضى كلامه هو أن الإمام علياً (عليه السلام) لم يكن هو الإنسان الذي اصطفاه الله قبل خلق الخلق، إذ إنه يقول: إن الأمر لا ينحصر بالإمام علي (عليه السلام)، فأي إنسان سواه يمكنه أن يساعد في إكمال البرنامج العملي، فإنه يمكن الاستعانة به، وقد يكون هناك اثنان أو أكثر كان بإمكانهم ـ لو اجتمعوا ـ أن يقوموا مقام الإمام علي (عليه السلام) في ذلك..
ويشير إلى ذلك قول ذلك البعض: «فلا بد أن يتم التفتيش بين المسلمين عن الشخصية التي تستطيع ملء الفراغ بعد رسول الله الخ..» 5.
وهذا يخالف ما عليه مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وما هو الثابت لهم بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة من القرآن ومن السنة الشريفة..
ويبقى أن نشير إلى أن ما ورد في السؤال من طلب معرفة الفرق بين الدين، وبين البرنامج العملي.. فنقول:
إن ذلك من أوضح الواضحات، وأبده البديهيات، فإن الدين هو مجموعة الأحكام والشرائع، والحقائق الإيمانية، الثابتة، التي يطلب من الناس الإيمان والعمل بها، إلى يوم القيامة..
وأما البرنامج العملي، فهو ما يطلب من خلاله تهيئة الظروف والمناخات لحمل الناس على قبول تلك الحقائق والإيمان بها، وعلى الالتزام العملي بتلك الشرائع والأحكام..
وهذا الأمر لا يحتاج إلى جعل، ولا إلى تشريع، بل هو نتيجة جهد بشري، سواء في مجال التخطيط، أو في مجال التنفيذ والتدخل الإلهي في هذه الصورة إن كان، فهو إنما يأتي على سبيل المعونة والتسديد، وليس على سبيل الجعل والتشريع..
وأين هذا من الدين الذي لا بد من الرجوع فيه إلى الله سبحانه، والانتهاء إليه فيه..
وعلى كل حال نقول:
لو كانت القضية قضية إكمال برنامج عملي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، يرتبط بتعميق الإسلام لدى أناس كانوا حديثي عهد بالجاهلية.. لم يكن الناس في الأجيال اللاحقة بحاجة إلى ولاية الإمام علي (عليه السلام)، لا من حيث الاعتقاد، ولا في دائرة العمل والممارسة.. ولكانت قضية ولايته محصورة بذلك الجيل من الناس دون سواهم..
والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين 6..

  • 1. a. b. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 67، الصفحة: 119.
  • 2. راجع مصادر الرواية في كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام) ص145.
  • 3. a. b. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 3، الصفحة: 107.
  • 4. نظرة إسلامية حول الغدير، ص16/18.
  • 5. المصدر السابق ص19.
  • 6. مختصر مفيد.. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، السيد جعفر مرتضى العاملي، «المجموعة الرابعة»، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1423 ـ 2002، السؤال (200).

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا