مجموع الأصوات: 1
نشر قبل شهر واحد
القراءات: 298

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

أنماط العنف وطبيعته

العنف ظاهرة قديمة ومعقدة ومركبة. وقد ارتبطت هذه الظاهرة بالاجتماع الإنساني في كافة مراحله وأطواره، القديمة والحديثة والمعاصرة، وفي مختلف التقسيمات الأخرى التي وضعتها العلوم الاجتماعية والإنسانية لتطور وتحول الاجتماع الإنساني. ومهما تعددت وتباينت الملامح والمكونات الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الاجتماع الإنساني، ومهما اختلفت وتباينت الملامح والمستويات المدنية والحضارية.
فظاهرة العنف لا يمكن أن تتحدد بزمن أو بعصر معين، فقد كانت لها تشكلات في جميع الأزمنة والعصور. ولا يمكن أيضاً أن تتحدد بدين أو عقيدة خاصة، فقد ارتبطت بجميع الديانات من حيث الانتساب البشري، وكانت لها تشكلات في المجتمعات اليهودية والمسيحية والإسلامية. كما لا يمكن أن تتحدد بثقافة أو هوية محددة، فقد كانت لها تشكلات في مختلف الثقافات والهويات. وهكذا من جهة تباين المستويات الحضارية والمدنية، فالعنف ليس ظاهرة خاصة بالمجتمعات غير المدنية أو الأقل تمدناً، فهو يمثل ظاهرة حتى في المجتمعات التي توصف بالتمدن والتحضر. لكن الذي يختلف بين هذه التقسيمات والتصنيفات هو في صور التعبير عن العنف، وفي طبيعة أنماطه السلوكية، وفي نوعية المسوغات التي تبرر له، أو تكسبه مشروعية، أو تحدد له مصلحة. وليس المقصود من هذا التصوير والإطلاق، إعطاء العنف صفة التحكم والبقاء، أو التبرير له بأي صورة كانت. وإنما المقصود تجريد العنف من أي صفة ثابتة تلصق به أو تتلازم معه، فالعنف لا دين له ولا هوية ولا ثقافة، ولا حتى مدنية.
وهناك تقسيمات عديدة لصور وأشكال وأنماط العنف. فتارة يقسم بحسب صورته العامة، ومن هذه الجهة يقسم العنف إلى ثلاثة أقسام، العنف الصادر من الأفراد، والعنف الصادر من الجماعات، والعنف الصادر من الحكومات. وتارة يقسم بحسب مجاله، ومن هذه الجهة يقسم العنف إلى أقسام عديدة، منها العنف الاجتماعي كالعنف الذي يمارس ضد المرأة مثلاً، ومنها العنف الاقتصادي كعنف الجرائم المنظمة الذي ينطلق بسبب دوافع مالية وتجارية، ومنها العنف الثقافي كالعنف الذي يمارس بسبب حرية التعبير، ومنها العنف السياسي كالعنف الذي يمارس بسبب المطالبة بالحريات العامة.. إلى غير ذلك.
وتارة يقسم بحسب المشروعية، ومن هذه الجهة يقسم إلى عنف مشروع وعنف غير مشروع. وتارة يقسم العنف بحسب شكله، ومن هذه الجهة يقسم إلى عنف عفوي أو طارئ كالذي يحدث بسبب ارتفاع الأسعار مثلاً، وإلى عنف منظم ومستمر.
وتارة يقسم العنف بحسب الهويات الدينية والثقافية، فيقال عنف يهودي، أو عنف مسيحي أو عنف إسلامي، من جهة انتماء الأشخاص وليس الدين. وتارة يقسم العنف بحسب الدول والقوميات، فيقال عنف جزائري مثلاً، أو عنف باسكي نسبة لإقليم الباسك بين أسبانيا وفرنسا. وهكذا بحسب الطوائف والجماعات إلى غير ذلك من تقسيمات..
وتكشف هذه التقسيمات عن مدى اتساع وانتشار ظاهرة العنف بين الدول والمجتمعات والهويات والثقافات، وكيف أن العنف لا مكان له ولا زمان، ولا حتى هوية ولا دين ولا وطن. كما تكشف أيضاً عن تعدد الأسباب والخلفيات المباشرة وغير المباشرة، الأولية أو الثانوية في تشكل هذه الظاهرة. وتكشف من ناحية ثالثة عن تزايد الاهتمام بهذه الظاهرة، وتوجه الأنظار إليها على نطاق واسع1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ، العدد 13808.