مجموع الأصوات: 28
نشر قبل سنة واحدة
القراءات: 1026

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

الدين والمدنية.. ونفي التعارض

في مطلع القرن العشرين واجه الشيخ محمد عبده إشكالية العلاقة بين الدين والمدنية، التي أثارها آنذاك بعض الأوروبيين من جهة، وبعض المتأثرين بهم من المثقفين العرب من جهة أخرى، وعبروا عنها في اتجاهين هما:
الاتجاه الأول: يرى عدم التقاء الدين والمدنية وتنافرهما، وأثار هذه الإشكالية بعض المفكرين والسياسيين الأوروبيين آنذاك مثل الإنجليزي كرومر، والفرنسي هانوتو وغيرهما، الذين تحدثوا ونشروا كتابات ومقالات تشير إلى أن الدين يمثل عقبة في طريق التحاق المجتمعات الإسلامية بالمدنية.
الاتجاه الثاني: يرى أن طريق التمدن هو في محاكاة الأوروبيين، وأثار هذه الإشكالية بعض الكتاب والمثقفين من مصر وسورية ولبنان الذين نشروا كتابات ومقالات في هذا المنحى.
وقد واجه الشيخ محمد عبده هذه الإشكالية المزدوجة، وشرح موقفه تجاه مسألة العلاقة بين الدين والمدنية، في كتابه الذي خصصه لهذه المهمة، وكشف عنه عنوانه اللافت (الإسلام دين العلم والمدنية)، الذي يعد أحد أهم مؤلفاته، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.
وعند النظر في هذا الموقف للشيخ عبده، يمكن تحديده في ثلاثة عناصر أساسية، هي:
أولاً: التأكيد على أن الدين في روحه وجوهره لا يتعارض أو يتصادم مطلقاً مع المدنية في روحها وجوهرها، وكما أن الدين يتناغم مع المدنية، فإن المدنية تتناغم مع الدين أيضاً، والإسلام حسب قوله: لن يقف عثرة في سبيل المدنية أبداً، لكنه سيهذبها وينقيها من أوضارها، وستكون المدنية من أقوى أنصاره متى عرفته وعرفها أهلها.
ثانياً: نقد وجهات النظر التي تصور أن الدين من معوقات التقدم والتمدن لأنه يحد من تطور العلم وتقدمه، وحسب رأيه فإن المسلمين إذا تهذبت أخلاقهم بالدين سابقوا الأوروبيين في اكتساب العلوم وتحصيل المعارف، ولحقوا بهم في التمدن.
ويرى أن المسلمين ما عادوا العلم ولا العلم عاداهم إلا من يوم انحرافهم عن دينهم، وأخذهم في الصد عن علمه، فكلما بعد عنهم علم الدين بعد عنهم علم الدنيا وحرموا ثمار العقل. وكانوا كلما توسعوا في العلوم الدينية، توسعوا في العلوم الكونية. وأما غيرهم فكلما اتصلوا بالدين وجدوا في المحافظة عليه، أنكرهم العلم وتجهمهم واكفهر وجهه للقائهم، وكلما بعدوا عن الدين سالمهم العلم وبش في وجوههم. ولذلك يصرحون بأن العلم من ثمار العقل، والعقل لا يصح أن يكون له في الدين عمل، ولا أن يظهر منه فيه أثر، والدين من وجدانات القلب، ولا علاقة بين ما يجد القلب وما يكسب العقل، فالفصل تام بين العقل والدين، ولا سبيل إلى الجمع بينهما، سامحهم الله فيما يسمونه تسامحاً مع العلم، وهم يصرحون بأنه عدوه الذي يستحيل أن يكون بينه وبينه سلم.
ثالثاً: نقد من يصفهم أرباب الأفكار الذين اندفعوا إلى محاكاة الأوروبيين في مظاهر مدنيتهم، وحسب قوله: إن أرباب الأفكار من الذين يرومون أن تكون بلادنا كبلاد أوروبا، لا ينجحون في مقاصدهم، ويضرون أنفسهم بذهاب أتعابهم أدراج الرياح، ويضرون البلاد بجعل المشروعات فيها على غير أساس صحيح، فلا يمر زمن قريب إلا وقد بطل المشروع ورجع الأمر إلى أسوء مما كان... ومن المحقق أن بعض المصريين قد اندفعوا إلى محاكاة الأوروبيين في مظاهر مدنيتهم وأعراضها فحسب، كمظاهر الأبهة والترف، دون أن يسألوا أنفسهم عن جوهر تلك المدنية وروحها.. ألا وهو قداسة القانون الأخلاقي، والشعور بالحقوق الطبيعية، وأداء الواجبات الاجتماعية.
وبهذا يكون الشيخ محمد عبده أسبق من قدم رؤية ناضجة في نفي التعارض بين الدين والمدنية خلال القرن العشرين1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ، العدد 16084.