مجموع الأصوات: 2
نشر قبل 4 أشهر
القراءات: 919

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

العقل في مواجهة التعصب

لم يعد بالامكان مواجهة إيديولوجية التعصب والتطرف والتكفير، بعد كل هذا التضخم والتوسع والانتشار الذي وصلت إليه، إلا بأن يبدأ الفكر الإسلامي عصراً نقدياً، تكون مهمته تفكيك البنى المفاهيمية لهذه الإيديولوجية، وتقويض مرتكزاتها الذهنية، والإطاحة بكل منظومتها، والارتداد بها إلى الوراء، وبدون عودة.
ولن تنجح هذه المهمة إلا إذا أطلقنا طاقة العقل، وأصبحنا من الذين لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. فالعقل هو القوة الطاردة لتلك الإيديولوجية، والذي يزود الإنسان بحاسة الإبصار والتدبر والتفكر، والنظر في عواقب الأمور، في حين أن هذه الإيديولوجية تعمل على إقفال العقل، وتجميد الفكر، وفي ظل هذا المناخ تنشط، وتتمدد، لكنها تتراجع وتنكمش متى ما حضر العقل.
والمقصود بعصر النقد، هو العصر الذي نطلق فيه طاقة العقل، ونجعل من النقد أداة لإعمال العقل، وهو العصر الذي يضع فيه الناس أصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ويشعرون بالشجاعة في إعمال العقل، ويعيبون على الذي ينتقص من عقله، ولا يبذل جهده في إعمال عقله. وهو العصر الذي يكون التواصل فيه بين الناس إعمالاً للعقل، ومصداقاً إلى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ولن ننجز بالتأكيد هذه المهمة سريعاً وعاجلاً، أو بين ليلة وضحاها، وإنما نحتاج إلى عصر بأكمله، بحيث نعطيه وصف عصر النقد، ونؤرخ له لاحقاً بهذا الوصف، ونميزه به، وذلك حتى يتحكم العقل في حياتنا، ويصبح الناس يتحاكمون إلى العقل، الذي هو عقال من الجهل. ولا ينبغي الخوف من العقل، فليس من العقل أن نخاف من العقل، فهو أعظم طاقة زود الله بها الإنسان، وبه أصبح الإنسان مكرماً، ومكلفاً بالأمانة التي أبين أن يحملنها السماوات والأرض والجبال وأشفقنا منها، وحملها الإنسان، وما خلق الله خلقاً أعظم منه، ولا أطوع منه، وهو كما قال عنه الفيلسوف الفرنسي الشهير رينيه ديكارت في مفتتح كتابه (مقال عن المنهج)، (أحسن الأشياء توزعا بالتساوي بين الناس، إذ يعتقد كل فرد أنه أوتي منه الكفاية، حتى الذين لا يسهل عليهم أن يقنعوا بحظهم من شيء غيره).
لكن السؤال هل أن الفكر الإسلامي المعاصر قادر على بعث مثل هذا العصر، الذي نسميه بعصر النقد؟
لن يكون في مقدور الفكر الإسلامي المعاصر أن يطلق مثل هذا العصر، أو يكتسب الشجاعة على ذلك، إلا بالعودة إلى القرآن الكريم الذي فيه أعظم دعوة إلى العقل، بل كله دعوة إلى العقل، وإلى التفقه والتدبر والتفكر، والذي طالما تحدث عن﴿ ... أَفَلَا تَعْقِلُونَ 1و﴿ ... لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 2 و﴿ ... لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ 3. وحكمة القرآن الكريم اقتضت أن يستعمل العقل بصيغته الفعلية، للإشارة إلى ضرورة إعمال العقل، وأكثر ما طالب به الإسلام الإنسان هو أن يعمل عقله. فقد أرسل الله الرسل ليثيروا للناس دفائن العقول. كما علينا أن نتذكر نص إقبال وهو يحدد طبيعة مهمته الفكرية بقوله (ولم يبقى أمامنا من سبيل سوى أن نتناول المعرفة العصرية بنزعة من الإجلال، وفي روح من الاستقلال، والبعد عن الهوى، وأن نقدر تعاليم الإسلام في ضوء هذه المعرفة، ولو أدى بنا ذلك إلى مخالفة المتقدمين، وهذا الذي اعتزم فعله)
وسوف يبقى السؤال مطروحاً أمام الفكر الإسلامي المعاصر: متى يبدأ عصر النقد؟4