مجموع الأصوات: 6
نشر قبل أسبوعين
القراءات: 142

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

النظر إلى عورة المجنون والتكشُّف في محضره

هل يجوز كشف العورة في محضر المجنون؟ وهل يجوز النظر إلى عورته؟

الجواب:

كشف العورة في محضر المجنون:

أمَّا كشف العورة في محضر المجنون فغير جائز، وذلك لإطلاق ما دلَّ على حرمة كشف العورة في محضر غير الزوجة كقوله تعالى:  ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ... 1 فإنَّ مقتضى إطلاق الأمر بالحفظ هو الحفظ عن مثل اللمس والنظر، ويؤيد شمول الأمر بالحفظ، للحفظ عن النظر ما ورد في مرسلة الصدوق (رحمه الله) قال: وسُئل الصادق (عليه السلام) "عن قول الله عز وجل:  [﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ... 1 فقال: كلُّ ما كان في كتاب الله تعالى من ذكر حفظ الفرج فهو من الزنى إلا في هذا الموضع فإنَّه للحفظ من أنْ يُنظر إليه ". 2

وكذلك يدلُّ على الحرمة -مع غضِّ النظر عن المرسلة- قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ 3 فإنَّ مَن لم يحفظ فرجه مِن أن يكون في معرض النظر -بمقتضى إطلاق الحفظ- يكون من العادين المتجاوزين لحدود الله تعالى.

وممَّا يُستدلُّ به حرمة كشف العورة في محضر المجنون صحيحة رِفَاعَةَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ". 4

فإنَّ الواضح من الرواية أنَّ الأمر بلبس المئزر إنَّما هو لحفظ العورة عن أنْ تكون في معرض نظر الغير بما فيهم المجنون، كما أنَّ الواضح منها عدم الخصوصيَّة للحمَّام وإنَّما خُصَّ الأمر بالاتزار في الحمام لأنَّه من المواضع التي يُتساهل فيها عادةً بالستر ويكون عدم الرعاية الشديدة مُفضيًا كثيرًا لانكشاف العورة للتخفُّف من الثياب ومقتضيات الاستحمام لذلك جاء الأمرُ المشدَّد من الإمام (ع) بلبس المئزر، وأفاد أنَّ ذلك مِن مقتضيات الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر.

ويُمكن تأييد ما دلَّ على حرمة النظر إلى عورة المجنون بحديث المناهي المرويِّ عن الإمام الصادق (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام) عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال: "إذا اغتسلَ أحدُكم في فضاءٍ من الأرض فليُحاذِر على عورته". 5

فإنَّ الأمر بالمُحاذرة على العورة ظاهرٌ في وجوب التحفُّظ عن أنْ تكون في مَعرَض النظر، ومقتضى الإطلاق هو لزوم التحفُّظ عليها من نظر الرجل والمرأة والعاقل والمجنون والصبي المميِّز.

وكذلك يُمكن التأييد برواية مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ بَعْضِ رِجَالِه عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (ص): لَا يَدْخُلِ الرَّجُلُ مَعَ ابْنِه الْحَمَّامَ فَيَنْظُرَ إلى عَوْرَتِه .. وقَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّه (ص) النَّاظِرَ والْمَنْظُورَ إِلَيْه فِي الْحَمَّامِ بِلَا مِئْزَر". 6

فإنَّ لعن المنظور إليه -رغم أنَّ النظر إليه ليس من اختياره- ظاهرٌ في أنَّ منشأ اللعن هو عدم التحفُّظ على عورته مِن أنْ تكون في معرض النظر فإنَّ ذلك مما يقعُ في دائرة الاختيار.

حكم النظر إلى عورة المجنون:

وأمَّا حرمة النظر إلى عورة المجنون فيُمكن الاستلال عليها بإطلاق صحيحة حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "لا ينظر الرجل إلى عورة أخيه". 7

فإنَّ المقصود من الأخوَّة هي الأخوة في الدِّين، فتكون الصحيحة دالَّة على حرمة النظر إلى عورة مطلق المسلم عاقلًا كان أو مجنونًا، فإنَّ المجنون إنْ لم يكن مسلمًا حقيقةً فهو بحكم المسلم إذا كان متولِّدًا من أبوين مسلمين.

وكذلك يمكن الاستدلال بإطلاق ما ورد في موثقة حَنَانِ بْنِ سَدِيرٍ عَنْ أَبِيه عن الإمام عَلِيِّ بْن الْحُسَيْنِ (ع) قال: ".. فَإِنَّ رَسُولَ اللَّه (ص) قَالَ عَوْرَةُ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَرَامٌ .." 8 فإنَّ المجنون مؤمنٌ بالتبعيَّة إنْ لم يكن مؤمنًا حقيقة.

ويتأيَّد الحكم بحرمة النظر إلى عورة المجنون بمثل حديث المناهي المرويِّ عن الإمام الصادق (عليه السّلام) عن آبائه (عليهم السّلام) عن النبيِّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال: ".. ونهى أنْ ينظر الرجلُ إلى عورة أخيه المسلم، وقال: مَن تأمَّل عورة أخيه المسلم لعنه سبعون ألفَ ملَك، ونهى المرأةَ أنْ تنظرَ إلى عورة المرأة .. وقال: مَن نظر إلى عورة أخيه المسلم أو عورة غير أهله متعمِّدًا أدخله اللهُ تعالى مع المنافقين الذين كانوا يبحثون عن عورات الناس، ولم يخرج من الدنيا حتى يفضحَه الله، إلا أنْ يتوب ..". 9

حكم الكشف والنظر لعورة الفاقد للإدراك:

والمتحصَّل ممَّا ذكرناه أنَّ مقتضى إطلاقات الأدلَّة هو حرمة النظر إلى عورة المجنون وحرمة كشف العورة في محضره، هذا لو كان المجنون مميِّزًا أو له حظٌّ من التمييز، وأمَّا لو كان فاقدًا للإدراك فالأدلَّةُ مُنصرِفة عن مثله، فشأنُه شأنُ البهيمة، فكما لا يحرم كشف العورة في محضر البهيمة كذلك لا يحرمُ كشفها في محضر المجنون الفاقد للإدراك والتمييز.

وأمَّا النظر إلى عورته فالظاهر عدم قصور الإطلاقات عن الشمول لمثله، فهو ليس كالصبيِّ غير المميِّز والذي جرت السيرةُ القطعيَّة على عدم الغضاضة في النظر إلى عورته، فالأم والحواضن مثلًا يتولَّونه شأنه وتطهيره وتنظيفه فينظرون إلى عورته دون تحفُّظ، فمثلُ هذه السيرة صالحة لنفي انعقاد إطلاقات النهي عن النظر إلى عورة الغير عن الصبي غير المميِّز لولم تُقبل دعوى الانصراف، وأمَّا المجنون البالغ مبلغ الرجال أو النساء فليس ثمة سيرة على نفي الغضاضة عن النظر إلى عورته، لذلك فإطلاقات النهي عن النظر إلى عورة الغير غيرُ قاصرة عن الظهور في الشمول لمثله، ويتقوَّى الظهور بالالتفات إلى الحكمة من النهي عن النظر إلى عورة الغير وهي أنَّ في النظر إليها مظنَّة الوقوع في المفسدة أو الريبة.

والحمد لله ربِّ العالمين.10

  • 1. a. b. القران الكريم: سورة النور (24)، الآية: 30، الصفحة: 353.
  • 2. من لا يحضره الفقيه ج1 / ص114، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص300.
  • 3. القران الكريم: سورة المؤمنون (23)، الآيات: 5 - 7، الصفحة: 342.
  • 4. الكافي -الكليني- ج6 / ص497.
  • 5. من لا يحضره الفقيه ج4 / ص4، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص299.
  • 6. الكافي -الكليني- ج6 / ص503، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص56.
  • 7. تهذيب الأحكام -الطوسي- ج1 / ص374، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص299.
  • 8. الكافي -الكليني- ج6 / ص498، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج2 / ص39.
  • 9. من لا يحضره الفقيه ج4 / ص9، 13، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج1 / ص299.
  • 10. المصدر : موقع سماحة الشيخ محمد صنقور حفظه الله.