الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

البعد الروحي في شخصية الامام الحسين

الإمام الحسين (عليه السلام) رمز الجهاد والتضحية والفداء والإستبسال والإستشهاد، وهذا أول ما يخطر بالبال عندما يرد اسم الحسين (عليه السلام) أو تنطق به الناس، حتى صارت هذه الصفات جزءاً لا يتجزّأ من تلك الشخصية الفذّة والرائدة، فلا يمكن أن نتصوّر الحسين (عليه السلام) مجرّداً عنها أو من دونها.
ولا شكّ أنّ تلك الصفات قد استحقّها الإمام عن جدارة وأهلية مطلقة نتيجة التضحيات الجسام التي قدّمها في كربلاء في سبيل الله سبحانه وتعالى، دفاعاً عن الحق ومسيرة الإسلام، واستطاع بشهادته ودمه المراق على أرض الكرب والبلاء أن يعيد الحياة إلى الإسلام، وأن يحيي به الأمة من جديد حينها، وأن يحيي كلّ الأجيال اللاحقة إلى اليوم وحتّى يوم القيامة.
وتلك الصفات الجهادية المثالية قد جعلت من الإمام الحسين (عليه السلام) النور الذي يهتدي به كلّ المجاهدين في سبيل الله منذ كربلاء، وأن يصبح المثل الأعلى الذي يقتدي به الثائرون، وكلّ منهم يطمح لأن يكون جندياً في جيش الشهداء الذي يقوده الإمام الحسين (عليه السلام) – سفينة النجاة ومصباح الهدى – لهذه الأمة الإسلامية العظيمة.
ولا ريب أنّ الشهادة في سبيل الله هدفٍ عظيم وغايةٍ نبيلة جداً، وهي أسمى وأرفع ما يمكن للمسلم أن يطمح بالوصول إليه، وهذا ممّا لا غبار عليه لمن عاد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال "فزتُ وربِّ الكعبة" عندما ضربه أشقى الآخرين "ابن ملجم" وقضى شهيداً في سبيل الله عزّ وجلّ.
إلّا أنّ غاية الشهادة أو القتل في سبيل الله هي نتاج مجموعة من العوامل المتكاملة مع بعضها البعض وفق المنظور العقائدي الإسلامي، ولا توهب من الله مجاناً أو من دون تمتّع الشهيد بالمواصفات الإسلامية والإنسانية المؤهّلة لذلك، لأنّ الشهادة هي الطريق الموصل إلى حياة الخلود عند الله في جنّات النعيم، وهذا لا يتلاءم إلّا مع امتياز الشهداء وامتلاكهم للصفات التي تجعلهم جاهزين للخلود وعلى رأسها الصفاء الإيماني المطلق.
والإمام الحسين (عليه السلام) من موقع كونه معصوماً، فهو شخصية متكاملة الأبعاد ولا تقتصر أنموذجيّته ومثاليته وكونه قدوة على البُعد الإستشهادي فقط، وإن كان هذا البعد هو الأبرز والأظهر الذي سُلِّطت عليه الأضواء وانصبّت عليه الأبحاث.
وأول الأبعاد وأهمها والذي يتناسب ويتلاءم مع البعد الإستشهادي هو "البُعد الروحي" بكلّ أسسه وتفاصيله، وهذا "البُعد" هو الذي لم ينل حقّه في شخصية الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يستوفِ أحد البحث فيه، لأنّ كلّ الأبعاد كانت مندكّة ومندمجة بالبعد الإستشهادي الذي طغى على كلّ ما عداه من شخصية الإمام الحسين (عليه السلام)، مع أنّ كلّ بُعد من أبعاد شخصية ذلك الإمام العظيم تصلح أن تكون نموذجاً ومثالاً للاقتداء.
وسنحاول في هذه المقالة إلقاء الضوء على "البعد الروحي" عند الإمام الحسين (عليه السلام) الذي لا يقلّ أهمية عن "البُعد الإستشهادي" بل هو الخلفية الدافعة للجهاد أو الإستشهاد عندما تقتضي الظروف للدفاع عن الإسلام ذلك.
و"البعد الروحي" المقصود به هو "الإرتباط بين العبد وربّه المعبود" من خلال التزام العبد بكلّ القربات والطاعات التي تزيد من شدّة إيمانه وارتباطه بالله، وتقوّي عوامل الثقة به سبحانه والإتّكال عليه دون سواه.
وتمظهر هذا "البعد" في الصلاة والدعاء وقراءة القرآن والمناجاة في السر والعلن والإلتزام بصلاة الليل، ولا شكّ أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) من موقع كونه معصوماً هو أكثر من يعطي هذه الطاعات حقّها من العمل والقيام بها لله عزّ وجلّ مشبّعة بالطاعة المطلقة والإخلاص الذي ما بعده إخلاص.
وقد أثبت أئمّتنا "البعد الروحي"، عند الإمام الحسين (عليه السلام) في العديد من الزيارات التي يزار بها الإمام (عليه السلام) حيث جاء في زيارة يوم "عرفة": (... أشهد أنّك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وأطعت الله حتى أتّاك اليقين...).
وهذا المقطع من الزيارة إن دلّ على شيء فهو يدلّ على "البعد الروحي" الذي كان مورد اهتمامٍ كبير من الإمام الحسين (عليه السلام) في حياته الشريفة المباركة.
وفي مقطعٍ آخر من نفس الزيارة جاء فيه: (... وكيف لا تكون كذلك وأنت باب الهدى وإمام التقى والعروة الوثقى والحجة على أهل الدنيا وخامس أصحاب الكساء غذَّتك يد الرحمة ورضعت من ثدي الإيمان وربِّيت في حجر الإسلام...).
ومن الواضح أنّ الحسين (عليه السلام) تربّى في ظلّ جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهل منه واغترف من عبادة النبي وعلمه وإيمانه، وكذلك تربّى في حجر الولاية والإمامة مع أبيه علي وهو أمير المؤمنين والذي شهد له المسلمون جميعاً بشدّة عبادته وخشيته وخوفه من الله عزّ وجلّ، والحسين (عليه السلام) رضع من أمّه "الزهراء المعصومة" كلّ الفضائل والأخلاق وهي من هي في علوّ مقامها الإيماني الشامخ عند الله عزّ وجلّ وعند الأمة الإسلامية جمعاء.
وبالرجوع إلى سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) نجد الكثير ممّا يشير بوضوح إلى الطريقة العبادية التي كان يتّبعها الإمام (عليه السلام) في علاقته مع الله.
فقد ورد في السيرة الشريفة له (عليه السلام) أنّه قد حجّ بيت الله الحرام خمساً وعشرين حجة ماشياً، مع أنّه كان قادراً وبسهولة من موقعه عند الله والأمة أن يحج راكباً معزّزاً مكرّماً تمشي بين يديه الخدم وكلّ ما يحتاج إليه، لكنه (عليه السلام) لشدّة عبادته لله وإرادة التقرّب من الله أكثر كان يحج ماشياً لأنّ فيه مشقّة أكبر وأجراً أعظم وأجزل، وهذا الفعل منه (عليه السلام) مصداق للحديث الشريف "أفضل الأعمال أحمزها" أي أكثرها تعباً بنحو يحبه الله ويقبله وينميه.
وأمّا عن صلاة الإمام الحسين (عليه السلام) فقد ورد عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) عندما سألوه بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم ينجب الكثير من الأولاد فما السبب في ذلك؟ أجابهم (عليه السلام) بأنّ (العجب كيف وُلدتُ، كان يصلي أي – الإمام الحسين (عليه السلام) – في اليوم والليلة ألف ركعة)، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على عزوف الإمام الحسين (عليه السلام) عن الدنيا ومفاتنها ومباهجها، وأنّه كان منصرفاً إلى عبادة ربّه والإتصال به عبر الصلاة المستمرة في الليل والنهار، خاصة إذا عرفنا أنّ الصلاة هي خير ما يتقرّب به العبد المؤمن إلى الله عزّ وجلّ، فكيف لا يتقرّب بها الإمام (عليه السلام) وهو العالم العارف بقيمة الصلاة عند الله والعالم أيضاً مقدار ما يثيب الله العبد الذي يصلي له عن طاعة مطلقة وإخلاص عظيم وحبٍّ كبير.
وقد قالوا عن الإمام الحسين (عليه السلام) بأنّه: (كان زاهداً حقاً في الدنيا منذ طفولته وصغر سنه وابتداء أمره ومقتبل شبابه، كان يأكل مع أمير المؤمنين (عليه السلام) من قوته، وكان يشاركه الضيق والشدّة والصبر، وكانت صلاته تقرب من صلاته....).
وقد جاء في رواية عن صومه رواها "مسروق" قال: (وردت يوم عرفة على الحسين بن علي "عليهما السلام" قد وضعت أقداح السويق أمامه وأمام أصحابه، والمصاحف إلى جانبهم "يريد أنّهم كانوا صائمين منشغلين بقراءة القرآن ينتظرون موعد الإفطار ليفطروا بذلك السويق"، قال: سألته عن مسائل فأجابني عنها وانصرفت).
ومن أجمل ما ورد عن الحسين (عليه السلام) في مجال عبادته وإخلاصه لله عزّ وجلّ هو ما حصل في الليلة العاشرة من المحرم، حيث أقبل عمر بن سعد عليه اللعنة مع جيشه يريد القتال، فبعث الحسين (عليه السلام) أخاه أبا الفضل العباس في مجموعةٍ من الفرسان وقال له (عليه السلام): (إرجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدٍ، وتدفعهم عنا العشية لعلّنا نصلي لربّنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والإستغفار).
هذا النص يدلّ بوضوحٍ على اهتمام الإمام الحسين (عليه السلام) بالجانب الروحي والمعنوي في حياته، حيث أنّ القتال كان سيؤدي حتماً إلى استشهاد الإمام (عليه السلام)، ولقاء الله من أحب الأبواب إليه، لكن الإمام (عليه السلام) مع ذلك آثر أن يؤخّر المعركة ولو لليلة إضافية ليستغلّها بالعبادة والدعاء والصلاة والإبتهال وقراءة القرآن لله عزّ وجلّ، مع أنّ الكثيرين من عشّاق الشهادة قد يسارعون إليها حتى لا تفوتهم لو لم يغتنموا الفرصة التي سنحت لهم وتوفّرت أمامهم، بينما نرى أنّ الحسين (عليه السلام) يشتاق لعبادة الله والاختلاء به في جوف ذلك الليل الذي سوف يسفر صباحه عن معركةٍ بين الطرفين تنتهي بالشهادة، وهذا الفعل هو التطبيق للحديث الوارد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي جاء فيه: (إنّ الجلوس في المسجد أحبّ إليَّ من الجلوس في الجنة، فالجلوس في الجنة فيه رضا نفسي، والجلوس في المسجد فيه رضا ربي).
وفعلاً قضى الإمام الحسين (عليه السلام) الليلة الأخيرة من حياته وهو يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرّع، وكذلك فعل أصحابه مثله، فباتوا ولهم دويٌ كدويّ النحل، ما بين راكعٍ وساجد، وقائمٍ وراكع.
وأمّا عن دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) فقد وردت عنه مجموعة مهمة من الأدعية المليئة بمضامين عالية المستوى من الناحية العقائدية والإيمانية والسلوكية تدلّ على شدّة اهتمام الإمام (عليه السلام) بالدعاء من موقع العارف بأهمية الدعاء ودوره في حياة المسلم المؤمن المرتبط بالله عزّ وجلّ، فهو (عليه السلام) الأكثر وعياً واستيعاباً لمعنى الحديث الوارد بأنّ: (الدعاء مخّ العبادة) ومعنى الآية الكريمة: ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ 1{إنّ الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنّم داخرين}.
ومن باب الأمثلة فقط، نورد بعض المقاطع من دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة، فقد ورد في ذلك الدعاء ما يلي: (... اللهم اجعلني أخشاك كأنّي أراك، وأسْعدني بتقواك، ولا تُشْقِني بمعصيتك، وخِرْ لي في قضائك، وبَارِكْ لي في قَدَرِك، حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخَّرت ولا تأخير ما عجَّلت، أللهم اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنور في بصري، والبصر في ديني...)، وفي مقطعٍ آخر يقول (عليه السلام): (يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ليس كمثلك مسؤول، ولا سواك مأمول، دَعَوْتُك فأجبتني، وسألتك فأعطيتني، ورغبتُ إليك فرحمتني، ووثقت بك فنجَّيتني، وفزِعتُ إليك فكفيتني، أللهم فصلِّ على محمد عبدك ورسولك ونبيك، وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين، وتمِّم لنا نعماءك، وهنِّئنا عطاءك، واكتبنا لك شاكرين، ولآلائك ذاكرين، آمين آمين، ربّ العالمين...)، وفي مقطع ثالث يقول (عليه السلام): (... إلهي كيف أعزم وأنت القاهر، وكيف لا أعزم وأنت الآمر، إلهي تردّدي في الآثار يوجب بُعْدَ المزار، فاجمعني إليك بخدمةٍ توصلني إليك، كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك، أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك، متى غبت حتى تحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليك؟ ومتى بَعُدْتَ حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عميت عينٌ لا تراك عليها رقيباً، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً...).
وخلاصة القول "إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو القدوة والنموذج والمثال لا في البُعد الإستشهادي والجهادي فقط، بل في كلّ الأبعاد الأخرى من شخصيته الرسالية) ويكفي للدلالة على نموذجيته المطلقة والشاملة قول جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه: (حسين منّي وأنا من حسين).
وأخيراً نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا ممّن يلتزمون النهج الحسيني في الجهاد والشهادة والدعاء والعبادة حتى نلقى الله كما لقيه الحسين (عليه السلام) ولنكون من أصحاب النور في قافلة النور التي يقودها النور ابن الأنوار الحسين بن علي "عليهما السلام" وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على النبي محمد وآله الطاهرين2.

  • 1. القران الكريم: سورة غافر (40)، الآية: 60، الصفحة: 474.
  • 2. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ محمد توفيق المقداد حفظه الله.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا