الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

في الدفاع عن المعنى الحضاري للإسلام

من أبرز المقولات التي دافع عنها رجالات عصر الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين الميلادي، مقولة نفي التعارض بين الإسلام والمدنية، وبرهنوا كيف أن الدين يتناغم مع المدنية، وكيف أن المدنية تتناغم مع الدين. وقدموا في هذا المجال العديد من الأفكار والتصورات اللامعة والذكية، والتي تصور الفهم الحضاري للإسلام، وكيف أن الإسلام هو دين المدنية والتقدم والحضارة، وأنه جاء لدفع الناس لبناء المدنية والحضارة سبيلا لإصلاح أحوالهم، وتحسين معيشتهم، وطريقا للتغلب على المشكلات والمعضلات التي تعترض حياتهم، ونهجا لحفظ كرامتهم، وحماية حقوقهم، وانتظام معيشتهم.
وللدفاع عن هذه القضية خصص الشيخ محمد عبده كتاباً هو من أبدع مؤلفاته، واختار له عنواناً معبراً هو (الإسلام دين العلم والمدنية)، حيث اعتبر فيه (أن الإسلام لن يقف عثرة في سبيل المدنية أبداً، لكنه سيهذبها وينقيها من أوضارها، وستكون المدنية من أقوى أنصاره متى عرفته وعرفها أهله)
ومن قبل الشيخ محمد عبده، نظر الشيخ رفاعة الطهطاوي لمفهوم التمدن في كتابه البديع (مناهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية)، الصادر عام 1869م، وخلص برأي قال عنه (ويفهم مما قلناه أن للتمدن أصلين: معنوي وهو التمدن في الأخلاق والعوائد والآداب، ويعني التمدن في الدين والشريعة، وبهذا القسم قوام الملة المتمدنة التي تسمى باسم دينها وجنسها للتمييز عن غيرها. والقسم الثاني تمدن مادي وهو التقدم في المنافع العمومية)
ولعل الطهطاوي هو من أسبق مفكري عصر الإصلاح الذي وضع مثل هذا التقسيم بين الجانب المعنوي للتمدن، والجانب المادي. وهو التقسيم الذي أخذ به المفكرون الإسلاميون من بعده، ومازالوا يرجعون إليه، ويستندون عليه.
وتواصل هذا المنحى الحضاري في القرن العشرين مع مفكرين أمثال محمد إقبال في الهند، الذي اعتبر أن مشكلة العقل الإسلامي تكمن في الانقطاع عن العلم التجريبي، وهو العلم الذي أيقظه القرآن الكريم في العقل المسلم حين دعاه للتأمل في عالم الطبيعة. وحسب قول إقبال (إنه لأمر عظيم حقا أن يوقظ القرآن تلك الروح التجريبية في عصر كان يرفض عالم المرئيات، بوصفه قليل الغناء في بحث الإنسان وراء الخالق). وأمثال مالك بن نبي في الجزائر، الذي انتظم فكره في نطاق مشكلات الحضارة، حيث اعتبر أن المشكل الرئيسي بل أم المشكلات التي يواجهها العالم الإسلامي هي مشكلة الحضارة، وكيف تدخل الشعوب الإسلامية في دورة حضارية جديدة. وأمثال السيد محمد باقر الصدر في العراق، الذي فتح أمام العقل الإسلامي آفاق الانفتاح على المعارف الاقتصادية والمنطقية والفلسفية. إلى جانب آخرين أيضاً.
لهذا فإن انبعاث إيديولوجية التطرف والتعصب، يمثل نكسة ثقافية وتراجعاً فكرياً خطيراً عن المنحى الحضاري في الإسلام. وهي الإيديولوجية التي تصور الدين وكأن مكانه القرى والأرياف والكهوف، وتقدمه بطريقة بدائية ومتخلفة ولا تخلوا من وحشية. ولن تتراجع هذه الإيديولوجية إلا باستعادة الفهم الحضاري للإسلام، الذي يتناغم مع المدنية، ويتواصل مع العالم، وينفتح على المعرفة الإنسانية1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ ـ الأربعاء / 5 أبريل 2006م، العدد 14466.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
التحقق
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا