الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

كيف نخلق البيئة الحضارية ؟

هناك ظاهرة برزت في عالمنا الإسلامي في العقود الأخيرة ، ألا وهي ظاهرة هجرة الأدمغة من البلدان الإسلامية إلى‏البلدان الأكثر تطوّراً ؛ فالإحصائيات تشير في هذا المجال إلى أن عدد الخبراء في مختلف الحقول الذين هاجروا من‏البلدان الإسلامية إلى الغرب قد بلغ خلال عقد الثمانينات فقط مليوني خبير ، في حين بلغت خسائر الدول النامية بسبب‏نزيف الأدمغة هذا ما يقرب من ستين ألف مليون دولار خلال عام واحد .

سبب ظاهرة هجرة الأدمغة

إن بعض الخبراء يفسرون هذه الظاهرة بالشلل الإداري السائد في البلدان النامية ؛ فالإنسان المتعلّم إنما بذل الجهود المتواصلة في الدراسة والتخصّص بهدف إفادة بلده وشعبه ، ولكنه عندما يتخرّج من الجامعة تراه يُزجّ في دائرة من‏الدوائر ، ليجلس وراء المكتب ، ويقبض مرتبه ، ولكنه في قرارة نفسه يشعر بعدم الارتياح لعلمه بأنه لا يؤدّي خدمة في‏المجال الذي تخصّص فيه ، ولأن التخلّف الإداري سدّ أبواب العمل في وجهه ، أضف إلى ذلك أن وجود الديكتاتورية والاستبداد والضغط الفكري شأنه أن يمنع المتوقد الوهّاج من أن يقدّم خدمة إلى بلده ، فتراه يعيش حالة من التناقض‏والانفصام ، فيتمزّق داخلياً ، ويحاول أن يستغّل أيّة فرصة للهروب والخلاص من بلده إلى البلدان المتقدمة ، حيث لا يتمتع بوضع معاشي أفضل فحسب ، وإنما الفرص متاحة هناك أكثر لتقديم خدماته ، والتعبير عن إرادته وأفكاره ، وثقافته.
إن هذه الظاهرة هي ـ في الحقيقة ـ جزء من مشكلة أكبر ، هي مشكلة عدم وجود بيئة للتطوّر في بلداننا .
وعلى سبيل المثال ؛ فإن ما أنفقته البلدان العربية خلال عقد من الزمن على المشاريع الإنمائية يفوق أربعمائة وخمسين‏ألف مليون دولار ، ولكن أياً من هذه البلدان لا يمكننا أن نصفه بأنه بلد متطوّر ومتقدم ، وهذه مشكلة لا أطرحها أنا فحسب ، فهناك الكثير من الخبراء والباحثين مشغولون بمناقشة هذه المشكلة ، للعثور على حلٍ لها ، فتشكلت أثر ذلك‏ الاجتماعات المكثفة ، وعقدت المعاهدات الإستراتيجية للقضاء على هذه المشكلة .
والسبب ـ ببساطة ـ هو أن الجو العام السائد في البلدان الإسلامية غير مهيّأ للتنمية الاقتصادية ، فعندما ندرس الثورة الصناعية في بريطانيا ونتساءل عن سبب وقوع هذه الثورة في بريطانيا وفي ذلك العصر بالذات ، نجد أن الظروف كانت ‏مهيأة لذلك . فنحن عندما نريد أن ننمّي الاقتصاد في بلد ما ، فإننا بحاجة إلى وقود رخيص ، وأيدٍ عاملة ، واختصاصات‏ في المجالات الفنية والتكنولوجية المختلفة ، ونحن أيضاً بحاجة إلى الخبرة المكثفة ، والنظام الإداري المتطور ، والنظام‏ التسويقي المناسب ، والتمويل الكافي ، وإلى العشرات من الظروف والعوامل المساعدة لكي ينمو البلد اقتصادياً ، وإذا فقدنا شرطاً واحداً من تلك الشروط المتعددة ، فإن الاقتصاد لا يمكن أن ينمو ، بل إن الاستثمار في مجال من المجالات ‏سيعدُّ نوعاً من الحماقة والسفه .
وعلى سبيل المثال ؛ ففي السودان بعض المناطق الزراعية النائية التي تسودها حالة الوفرة والغزارة في المحاصيل ، ولكن‏هذه المحاصيل ـ على وفرتها ـ منعدمة القيمة بسبب انعدام الطرق التي توصل هذه المنطقة بغيرها من المناطق التي ‏تعيش حالة المجاعة والعوز ؛ وهكذا فإن الاستثمار في تلك المنطقة ، يعدّ أمراً لا جدوى منه .

الحاجة إلى خلق البيئة المناسبة

وبناءً على ذلك ؛ فإننا بحاجة إلى أن نرجع إلى قضية هامة في التطوير الحضاري لبلادنا ، ألا وهي البيئة المناسبة للنمو الحضاري في مختلف الأصعدة والمجالات . ولا يمكن تحقيق ذلك إلاّ أن نخلق في المجتمع الروح الإيجابية ، ومن ثم إيجاد حالة التعاون كما يقول تعالى : ﴿ ... وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ... 1.
وهنا لابد من القول : إن هذه التجمعات المباركة المنتشرة هنا وهناك هي نواة الحضارة ، فعلينا أن نبدأ بأنفسنا ، ونشرع ‏بالعمل الجدّي من خلال خلق الروح الجماعية في أنفسنا في جميع الأعمال التي نؤديها ، فنبادر مثلاً إلى إنشاء لجانٍ‏ ومؤسسات للتأليف ، ومراكز دراسات و أبحاث ، و تشكيل فرق العمل العلمي كأن تتخصص كل مجموعة في جانب ما بعد أن تعيّن مشرفاً عليها ينسّق بينها وبين مجموعات العمل الأخرى .
وهذا النوع من العمل الجماعي نحن بحاجة إلى ممارسته في جميع المجالات العملية ، كالفقه والتفسير و الأصول ، والفروع ‏الأكاديمية في الجامعات . . ليتوسّع إلى أن يتحول إلى نواة للحضارة ، وهذه الحضارة إنما تبدأ منّا ، وتنطلق من نفوسنا ، وتستند إلى مبادرتنا .
والإسلام يأمرنا بالتعاون ، لأنّه أرضية الحضارة ، فمن المستحيل إن يبني شخص من الأشخاص حضارة أو عملاً كبيراً بمفرده ، وعلينا في هذا المجال أن نتأمل حياة الشعوب المتطوّرة التي استطاعت أن تحقق نجاحات باهرة في مجال التقدم‏التكنولوجي ، لكي نستفيد من تجاربها وخبراتها في هذا المجال .
ففي فرنسا ـ على سبيل المثال ـ كانت واسطة النقل الوحيدة في باريس هي ( المترو ) ، وكانت أكثر تطوّراً من ‏وسائط النقل الأخرى ، ومع ذلك فقد اجتمع الخبراء ليخترعوا واسطة نقل أخرى أكثر سرعة ، فصنعوا ( مترو ) آخر تحت المترو السابق ، وأطلقوا عليه اسم الخط السريع الذي يقطع المسافة بين أقصى نقطة في ‏باريس إلى أقصى نقطة خلال دقائق معدودة .

السبيل إلى البيئة الحضارية

إن شعوب العالم المتقدمة تحسب حساب الثواني واللحظات ، في حين إننا مازلنا نضيّع الساعات الطويلة في الأمور التافهة التي لا جدوى منها ، والسبب في ذلك أن بيئة التطوّر لدينا غير مهيأة ، فكيف السبيل إلى تهيئة هذه البيئة ، وكيف‏نصنع البيئة المتحفّزة ، والإنسان الحضاري ؟؟؟
إن علينا ـ من أجل الوصول إلى هذا الهدف ـ أن لا يمنع بعضنا البعض الآخر من التحرّك السريع ، وبذل النشاط ،والمبادرة إلى تبيّن مشاريع التطوير . فلابد من أن نتخذ مقياساً جديداً في تجمّعنا ، وهو مقياس التحرّك ، لكي نسرع‏جميعاً في تحرّكنا ، فإذا ما أسرعنا معاً ، وخلقنا بيئة وظروفاً مناسبة للسرعة فإن هذه السرعة سوف تنفعنا ، لأن البيئة كلها غدت متلائمة مع السرعة .
وللأسف ؛ فإن أكثر ظواهر تضييع الوقت السائدة بيننا سببها أن علاقاتنا الاجتماعية غير قائمة على الأسس الصحيحة ،وفيما يلي سنذكر بعضاً من الظواهر السلبية التي يفرّط من خلالها أبناء مجتمعاتنا بأوقاتهم .
1 ـ مجالس البطالة التي تقام أساساً لتضييع الوقت ، في حين أن الحديث الشريف المروي عن الإمام الحسين‏عليه السلام يقول : ( يا بن آدم إنما أنت أيام كلما مضى يوم ذهب بعضك ‏) 2 ، فالوقت هو جزء من طبيعة الإنسان ، وهو خطانا نحو الموت كما يقول أمير المؤمنين‏عليه السلام : ( نفس المرء خطاه إلى أجله ‏) 3 .
فلنلغِ ـ إذن ـ مجالس البطالة لأن هذه المجالس تسهم بشكل فاعل في تأخرنا عن مسيرة التقدم في الحياة ، والتي ستكون‏سبب حسرتنا يوم القيامة ، لأننا أهدرنا أوقاتنا فيما لا طائل من ورائه ، وإذا ما اضطررنا بسبب الظروف المختلفة أن‏نشترك في مثل هذه المجال فلنمرّ عليها مرّ الكرام ، أو لنحاول أن نبدّل وجهة الحديث فيه من خلال طرح بعض الأفكار والمقترحات ، وإثارة جو النقاش في القضايا المهمة والساخنة والمصيرية . . .
2 ـ المواعيد غير المنتظمة والدقيقة ، فإنها مضيعة للوقت ، كأن تواعد أحد أصدقائك بأن تأتيه إلى المكان الفلاني في‏الساعة الخامسة ـ مثلاً ـ ثم يأتي صديقك حسب الموعد أما أنت فتسوّف في هذا الموعد فلا تأتي إلاّ في الساعة السادسة ، أو قد ينعكس الأمر ، فيكون المتأخّر هو صديقك ، وهذه الظاهرة في تضييع للوقت تنتهي بالإضرار بكلا الطرفين ، في حين أن القرآن يؤكد علينا في أن نكون دقيقين ومنضبطين في مواعيدنا ، وقد قال اللَّه سبحانه وتعالى بشأن‏النبي إسماعيل‏عليه السلام : ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ... 4، وعن سبب نزول‏هذه الآية يقول المفسرون : إن هذا النبي العظيم انتظر رجلاً سنة كاملة في نفس المكان الذي وعده فيه لكي يثبت ‏للآخرين أهمية وقدسيّة الوعد الذي يقطعه الإنسان على نفسه بالنسبة إلى الآخرين ، والمثل المعروف يقول في هذا المجال : ( وعد الحرّ دين‏ ) أي إن الوعد هو بالنسبة إلى الإنسان الحر دين عليه أن يؤدّيه .
وبناءً على ذلك فإذا أردنا أن نصوغ المجتمع المستعد للتطور الحضاري وإذا أردنا أن نهيئ أرضية التقدم والتحضّر فيه ، فلابد من الالتزام بجميع القيم والعناصر والتعاليم الحضارية التي ذكرتها نصوصنا ومصادرنا الدينية ، والتي كان ‏المسلمون الأوائل ملتزمين بها أشد الالتزام 5 .

  • 1. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 2، الصفحة: 106.
  • 2. نهج السعادة للشيخ المحمودي : ‏7 / ‏398 .
  • 3. بحار الأنوار : ‏70 / ‏128 .
  • 4. القران الكريم: سورة مريم (19)، الآية: 54، الصفحة: 309.
  • 5. من كتاب : الحضارة الإسلامية ـ آفاق و تطلعات ، الفصل الثالث : في البناء الحضاري .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا