الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

مسالة الرؤية اصل كل الخلاف في الصفات

معنى مسألة الرؤية : هل يمكن أن نرى الله تعالى بأعيننا في الدنيا أو الآخرة ؟ وقد نفى ذلك نفياً مطلقاً أهل البيت عليهم السلام ، وكذا عائشة وجمهور الصحابة ، وبه قال الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم ، مستدلين بقوله تعالى : ﴿ ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ 1. ﴿ ... قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ... 2. ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ 3. ومستدلين بحكم العقل بأن الذي يمكن رؤيته بالعين إنما هو الوجود المادي المحدود في المكان والزمان .

بينما قال الحنابلة وأتباع المذهب الأشعري من الحنفية والمالكية والشافعية : إن الله تعالى يرى بالعين في الدنيا أو في الآخرة ، واستدلوا بآيات يبدو منها ذلك بالنظرة الأولى كقوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 4. وبروايات رووها عن رؤية الله تعالى . ثم أولوا الآيات والأحاديث النافية لإمكان الرؤية بالعين .

ظهر ادعاء الرؤية بالعين في زمن عمر

لم يظهر شئ من أحاديث الرؤية بالعين في زمن النبي صلى الله عليه و آله ولا في زمن أبي بكر ، بل كانت عقيدة المسلمين أن الله تعالى ليس من نوع المادة التي تُرى بالعين وتُحس بالحواس ، لأنه سبحانه وجود أعلى من الأشياء المادية فلا تناله الأبصار ، بل ولا تدركه الأوهام وإنما يدرك بالعقل ويُرى بالبصيرة ، ورؤيتها أرقى وأعمق من رؤية البصر .
ثم ظهرت أفكار الرؤية والتشبيه وشاعت في عهد عمر وبعده فنهض أهل البيت عليهم السلام وبعض الصحابة لردها وتكذيبها .
وقالت عائشة إنها فوجئت كغيرها بهذه المقولات المناقضة لعقائد الإسلام ، فأعلنت أنها أحاديث مكذوبة وفِرْيَةٌ عظيمة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و آله ، يجب على المسلمين ردها .
روى بخاري في صحيحه : 6 / 50 : ( عن مسروق قال : قلت لعائشة : يا أُمَّتَاه هل رأى محمد ( ص ) ربه ؟ فقالت : لقد قَفَّ شعري مما قلت! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمداً ( ص ) رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ 3. ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... 5، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب ، ثم قرأت : ﴿ ... وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ... 6، ومن حدثك أنه كتم فقد كذب ثم قرأت : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... 7الآية ، ولكنه رأى جبرئيل في صورته مرتين ) . وروى بخاري : 8 / 166 : ( عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت : من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد كذب وهو يقول : لا تدركه الأبصار ) 8 . وفي مسلم : 1 / 110 : ( من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ) . ويشمل نفي عائشة الرؤية في الآخرة أيضاً كما أشار إليه الطبري ، ولذلك اضطر الذهبي إلى ارتكاب التأويل في حديث عائشة ، وآيات نفي الرؤية ، مع أنه كحشوية الحنابلة يحرم التأويل في أحاديث إثبات الرؤية وصفات الله تعالى ويعتبره ضلالاً وإلحاداً!
وروى المجلسي في بحار الأنوار : 36 / 194 : ( عن ابن عباس أنه حضر مجلس عمر بن الخطاب يوماً وعنده كعب الحبر . إذ قال عمر يا كعب أحافظٌ أنت للتوراة ؟ قال كعب : إني لأحفظ منها كثيراً . فقال رجل من جنبة المجلس : يا أمير المؤمنين سله أين كان الله جل ثناؤه قبل أن يخلق عرشه ، ومِمَّ خلق الماء الذي جعل عليه عرشه ؟ فقال عمر : يا كعب هل عندك من هذا علم ؟ فقال كعب : نعم يا أمير المؤمنين ، نجد في الأصل الحكيم أن الله تبارك وتعالى كان قديماً قبل خلق العرش وكان على صخرة بيت المقدس في الهواء ، فلما أراد أن يخلق عرشه تفل تفلة كانت منها البحار الغامرة واللجج الدائرة ، فهناك خلق عرشه من بعض الصخرة التي كانت تحته ، وآخر ما بقي منها لمسجد قدسه ! قال ابن عباس : وكان علي بن أبي طالب عليه السلام حاضراً فَعَظَّمَ عَلِيٌّ ربه ، وقام على قدميه ونفض ثيابه ! فأقسم عليه عمر لمَاَ عاد إلى مجلسه ، ففعله . قال عمر : غص عليها يا غواص ، ما تقول يا أبا الحسن ، فما علمتك إلا مفرجاً للغم .
فالتفت علي عليه السلام إلى كعب فقال : غلط أصحابك وحرفوا كتب الله وفتحوا الفرية عليه ! يا كعب ويحك ! إن الصخرة التي زعمت لا تحوي جلاله ولا تسع عظمته ، والهواء الذي ذكرت لا يحوز أقطاره ولو كانت الصخرة والهواء قديمين معه لكان لهما قدمته ، وعزّ الله وجل أن يقال له مكانٌ يُومَى إليه ، والله ليس كما يقول الملحدون ولا كما يظن الجاهلون ، ولكن كان ولا مكان ، بحيث لا تبلغه الأذهان ، وقولي ( كان ) عجزٌ عن كونه ، وهو مما عَلَّمَ من البيان يقول الله عز وجل ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ 9فقولي له ( كان ) ما علمني من البيان لأنطق بحججه وعظمته ، وكان ولم يزل ربنا مقتدراً على ما يشاء محيطاً بكل الأشياء ، ثم كَوَّنَ ما أراد بلا فكرة حادثة له أصاب ، ولا شبهة دخلت عليه فيما أراد ، وإنه عز وجل خلق نوراً ابتدعه من غير شئ ، ثم خلق منه ظلمة ، وكان قديراً أن يخلق الظلمة لا من شئ كما خلق النور من غير شئ ، ثم خلق من الظلمة نوراً وخلق من النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، ثم زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماءً مرتعداً ولا يزال مرتعداً إلى يوم القيامة ، ثم خلق عرشه من نوره وجعله على الماء ، وللعرش عشرة آلاف لسان يسبح الله كل لسان منها بعشرة آلاف لغة ليس فيها لغة تشبه الأخرى ، وكان العرش على الماء من دونه حجب الضباب ، وذلك قوله : وكان عرشه على الماء ليبلوكم . يا كعب ويحك ، إن من كانت البحار تفلته على قولك ، كان أعظم من أن تحويه صخرة بيت المقدس أو يحويه الهواء الذي أشرت إليه أنه حل فيه ! فضحك عمر بن الخطاب وقال : هذا هو الأمر ، وهكذا يكون العلم لا كعلمك يا كعب . لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن ) .
وفي نهج البلاغة : 2 / 99 : ( سأله ذعلب اليماني فقال : هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أفأعبد ما لا أرى ! فقال : وكيف تراه ؟! فقال : لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان ، قريبٌ من الأشياء غير ملامس ، بعيدٌ منها غير مباين ، متكلمٌ لا بروية ، مريدٌ لا بهمَّة ، صانعٌ لا بجارحة ، لطيفٌ لا يوصف بالخفاء ، كبيرٌ لا يوصف بالجفاء ، بصيرٌ لا يوصف بالحاسة ، رحيمٌ لا يوصف بالرقة . تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته ) . انتهى . فالقول برؤية الله بالعين جاء من تأثر المسلمين باليهود والنصارى والمجوس ، وقد وقف أهل البيت عليهم السلام وجمهور الصحابة ضده ونفوا نسبته إلى الإسلام ، لأنه يستلزم التجسيم .
ومن الأدلة البسيطة على ذلك أن ما تراه العين لا بد أن يكون موجوداً داخل المكان والزمان ، والله تعالى وجود متعال على الزمان والمكان ، لأنه خلقهما وبدأ شريطهما من الصفر والعدم ، فلا يصح أن نفترضه محدوداً بهما خاضعاً لقوانينهما ! لقد تعودت أذهاننا أن تعمل داخل الزمان والمكان حتى ليصعب عليها أن تتصور موجوداً خارج قوانينهما ، وحتى أننا نتصور خارج الفضاء والكون بأنه فضاء ! وهذه هي طبيعة الإنسان قبل أن يكبر ويطلع ، وقد ورد أن النملة تتصور أن لربها قرنين كقرنيها ! لكن عقل الإنسان يدرك أن الوجود لا يجب أن يكون محصوراً بالمكان والزمان ، ويرتقي في إدراكه ما هو أعلى من الزمان والمكان ويؤمن به وإن عرف أنه غير قابل للرؤية بالعين .
وهذا الإرتقاء الذهني هو المطلوب منا في فهم وجود الله تعالى ، لا أن نجره إلى محيط وجودنا ومألوف أذهاننا ، كما فعل اليهود عندما شبهوه بخلقه وادعوا تجسده في عزير وغيره ! وكما فعل النصارى فشبهوه بخلقه وادعوا تجسده بالمسيح وغيره !
وقد تبعهم حشوية الحنابلة وأشرسهم أتباع ابن تيمية في عصرنا فادعوا أنهم وحدهم الموحدون أصحاب العقيدة الصحيحة ، وأهل السنة والجماعة ! وأن بقية المسلمين الذين يخالفون رأيهم أهل البدع والضلالة ، وأكثرهم كفار مشركون !
لكنك عندما تنظر إلى عقيدتهم يأخذك العجب لبعدها عن التوحيد الذي جاء به الإسلام ! فهم يشبهون الله تعالى بخلقه ويجسمون ذاته المقدسة ! ويجعلونه على صورة البشر وطوله ستون ذراعاً ، ويزعمون أنه موجود في مكان خاص من الكون ، وينزل إلى الأرض ، ويفرح ويضحك ويغضب ! الخ . فمعبودهم جسمٌ من نوع الطبيعة المخلوقة ، خاضع لقوانين الزمان والمكان اللذين خلقهما ! وإذا قلت لهم : إن الله تعالى منزه عن أن يحويه مكان أو زمان لأنه قبلهما ، وهو في نفس الوقت في كل مكان وزمان مهيمنٌ عليهما وعلى كل الموجودات ، لا يقبلون ذلك ويتهمونك بأنك ( جَهَمي ) تنفي صفات الله تعالى ووجوده !

الوهابية هم نفس حَشْوية الحنابلة

قال الدميري في حياة الحيوان : 2 / 71 : ( نفت عائشة دلالة سورة النجم على رؤية النبي ( ص ) لربه وجواز الرؤية مطلقاً . . .وهو سبحانه أجل وأعظم من أن يوصف بالجهات أو يحد بالصفات أو تحصيه الأوقات ، أو تحويه الأماكن والأقطار . ولما كان جل وعلا كذلك استحال أن توصف ذاته بأنها مختصة بجهة أو منتقلة من مكان إلى مكان أو حَالَّةً في مكان . روي أن موسى عليه السلام لما كلمه الله تعالى سمع الكلام من سائر الجهات . . . وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف تعالى بأنه يحل موضعاً أو ينزل مكاناً ولا يوصف كلامه بحرف ولا صوت خلافاً للحنابلة الحشوية ) .

تجاهل الوهابية مذهب الصحابة النافين للرؤية

قال الألباني في فتاويه / 143 : ( إن عقيدة رؤية الله لم ترد في السنة فقط حتى تشككوا فيها ، إن هذه العقيدة أيضاً قد جاءت في القرآن الكريم المتواتر روايته عن رسول الله . . .إن قوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 4. هي وجوه المؤمنين قطعاً إلى ربها ناظرة . المعتزلة والشيعة جاءوا بفلسفة ففسروا وجوه إلى ربها ناظرة ، أي إلى نعيم ربها ناظرة . . .وهذه الفلسفة معولٌ هدَّامٌ للسنة الصحيحة ) . انتهى .
فهل فات الألباني وأمثاله ، أنه لا يجوز الأخذ ببعض القرآن دون بعض بل يجب رد المتشابه الى المحكم ، والمحكم هنا : الآيات التي تنفي نفياً قاطعاً صريحاً إمكانية رؤيته تعالى ، كقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، وقوله : ليس كمثله شئ . .الخ .
وهل فاتهم أن آية : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ 4، التي يدعون أنها تعني النظر إلى ذات الله تعالى في الجنة تتحدث عن المحشر قبل دخول الجنة بدليل قوله تعالى : ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ 10. فوجوه المؤمنين مستشرفة إلى ربها تنتظر رحمته وعطاءه ، ووجوه الكفار مكفهرة خائفة من عقابه ، فليس في الآيات ما يدل على النظر بالعين إلى الله تعالى في الجنة ولا قبلها !
ثم انظر إلى تهويلهم حيث جعلوا عدم الأخذ بأحاديث الرؤية هدماً للسنة! وقد هدموا أحاديث عائشة وهي عندهم في أعلى درجات الصحة!

هاجموا أمهم عائشة وأساؤوا معها الأدب

قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد / 225 : ( هذه لفظة أحسب عائشة تكلمت بها في وقت غضب ، ولو كانت لفظة أحسن منها يكون فيها درك لبغيتها كان أجمل بها ، ليس يحسن في اللفظ أن يقول قائل أو قائلة : قد أعظم ابن عباس الفرية وأبو ذر وأنس بن مالك وجماعات من الناس الفرية على ربهم ! ولكن قد يتكلم المرء عند الغضب باللفظة التي يكون غيرها أحسن وأجمل منها . أكثر ما في هذا أن عائشة رضي الله عنها وأبا ذر وابن عباس وأنس بن مالك قد اختلفوا هل رأى النبي ( ص ) ربه فقالت عائشة : لم ير النبي ( ص ) ربه وقال أبو ذر وابن عباس قد رأى النبي ربه ( ؟! ) فتفهموا يا ذوي الحجا هذه النكتة تعلموا أن ابن عباس وأباذر وأنس بن مالك ومن وافقهم لم يعظموا الفرية على الله ، لا ولا خالفوا حرفاً من كتاب الله في هذه المسألة . . .
نقول كما قال معمر بن راشد لما ذكر اختلاف عائشة وابن عباس في هذه المسألة : ما عائشة عندنا أعلم من ابن عباس نقول : عائشة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله عالمة فقيهة ، كذلك ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم النبي ( ص ) قد دعا النبي ( ص ) له أن يرزق الحكمة والعلم وهذا المعنى من الدعاء ، وهو المسمى ترجمان القرآن ، وقد كان الفاروق يسأله عن بعض معاني القرآن فيقبل منه وإن خالفه غيره ممن هو أكبر سناًّ منه وأقدم صحبة للنبي ( ص ) وإذا اختلفا فمحال أن يقال قد أعظم ابن عباس الفرية على الله ، لأنه قد أثبت شيئاً نفته عائشة . . .فكيف يجوز أن يقال أعظم الفرية على الله من أثبت شيئاً لم يبينه كتاب ولا سنة ، فتفهموا هذا لا تغالطوا . . . ) إلخ .
هذا كلام ابن خزيمة أستاذ أصحاب الصحاح وإمام الأئمة ، وقد أطال الكلام وعمل المستحيل ليثبت خطأ عائشة في نفي رؤية النبي صلى الله عليه و آله لربه بعينه ! وبلغ من حملته على عائشة أن محقق كتابه الشيخ محمد خليل هراس المدرس بكلية أصول الدين بالأزهر لم يتحمل منه ذلك ، وكتب في رده تعليقات نذكر منها ما يلي :
ـ إن عذر عائشة أنها كانت تستعظم ذلك وتستنكره ولهذا قالت لمسروق ( لقد قفَّ شعري مما قلت ) ! وليس من حق المؤلف أن يعلم أمه الأدب فهي أدرى بما تقول منه ! إن عائشة لم تعين في كلامها أحداً ولكن قالت : من زعم بصيغة العموم .
ـ لم يثبت عن ابن عباس أنه قال رآه بعينه ، ولكن قال بقلبه وبفؤاده . كيف وجمهور الصحابة معها في إنكار الرؤية بالعين كابن مسعود وغيره . . . عجباً لإمام الأئمة كيف خانه علمه فتوهم أن المنفي هو إدراك الأبصار له إذا اجتمعت ، فإذا انفرد واحد منها أمكن أن يراه ! فهل إذا قال قائل : لا آكل الرمان ، يكون معنى هذا أنه لا يأكل الحبات منه ولكن يأكل الحبة ! يرحم الله ابن خزيمة فلقد كبا ! ولكل جواد كبوة .
ونضيف إلى ما ذكره الهرَّاس : أنا لم نجد حديثاً في مصادرهم عن الرؤية بالعين إلا سؤال أبي ذر وعائشة للنبي صلى الله عليه و آله وقد أجاب بنفيها ! فقولهم رأى ربه بعينه من اجتهادهم ! والتعارض في الحقيقة بين حديث أبي ذر وعائشة عن النبي صلى الله عليه و آله أنه نفى الرؤية وبين اجتهادهم مقابل النص النافي لرؤية العين !
كما أن روايتهم عن ابن عباس متعارضة ومضطربة ، فلابد لهم من القول بسقوطها والرجوع إلى الأصل الذي هو عدم ثبوت ذلك عنه ، وقد نقل ابن خزيمة نفسه قبل هجومه على عائشة أحاديث عن ابن عباس ينفي فيها الرؤية بالعين! قال في ص 200 : ( وقد اختلف عن ابن عباس في تأويله قوله : ولقد رآه نزلة أخرى ، فروى بعضهم عنه أنه رآه بفؤاده ، حدثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي قال ثنا عبد الله بن داود الخريبي عن الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية ، عن ابن عباس في قوله : ولقد رآه نزلة أخرى ، قال : رآه بفؤاده .حدثنا عمي إسماعيل ، قال ثنا عبد الرزاق قال أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله : ما كذب الفؤاد ما رأى ، قال رآه بقلبه ) . انتهى .‍
ومن العجيب أن ابن خزيمة تغاضى في أول كلامه عن حديث عائشة الصريح عن النبي صلى الله عليه و آله وأصر على اعتباره قولاً واجتهاداً من عندها ! ثم عاد واعترف بأنه حديث لكنه فرض أن قول ابن عباس حديث مقابل حديث عائشة ، وحكم بأن رواية ابن عباس متأخرة عن رواية عائشة ! فمن أين حكم أن قول ابن عباس رواية ، ومن أين عرف أنها متأخرة ، ثم لو سلمنا أنها متأخرة فرواية عائشة نفي مطلق يُكذَِب روايات الإثبات ، ورواية ابن عباس إثبات جزئي فكيف تقدم عليها ؟!
ثم انظر الى زعم ابن خزيمة أن الروايات المتعارضة تعارض نفي وإثبات ، تقدم فيها رواية إثبات الشئ على رواية نفيه ؟! فهل يلتزم بأن الرواية التي تثبت أن النبي صلى الله عليه و آله أوصى بالخلافة لعلي عليه السلام مقدمة على رواية نفي الوصية ، التي بنوا عليها دينهم ؟!
وقد أنصف الشيخ محمد عبده رحمه الله في تفسير المنار : 9 / 148 ، عندما قال : ( فعلم مما تقدم أن ما روي عن ابن عباس من الإثبات هو الذي يصح فيه ما قيل خطاً في نفي عائشة إنه استنباط منه ، لم يكن عنده حديث مرفوع فيه ، وإنه على ما صح عنه من تقييده الرؤية القلبية معارض مرجوح بما صح من تفسير النبي ( ص ) لآيتي سورة النجم وهو أنهما في رؤيته ( ص ) لجبريل بصورته التي خلقه الله عليها . على أن رواية عكرمة عنه لا يبعد أن تكون مما سمعه من كعب الأحبار الذي قال فيه معاوية ( الراوي ) إن كنا لنبلو عليه الكذب كما في صحيح البخاري . ورواية ابن إسحاق لا يعتد بها في هذا المقام فإنه مدلس وهو ثقة في المغازي لا في الحديث . فالإثبات المطلق عنه مرجوح روايةً كما هو مرجوح درايةً ) .انتهى .
أقول : حتى لو كان كلام عائشة اجتهاداً منها فهو اجتهاد مع دليله كما قال الشيخ محمد عبده في المنار : 9 / 139 : ( فعائشة وهي من أفصح قريش تستدل بنفي الإدراك على نفي الرؤية مع ما علم من الفرق بينهما ، وتستدل على نفيها أيضاً بقوله تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ... 5، وقد حملوا هذا وذاك على نفي الرؤية في هذه الحياة الدنيا ، ولكن إدراك الأبصار للرب سبحانه محال في الآخرة كالدنيا ) .انتهى .
وقد بين الإمام الرضا عليه السلام ما رآه النبي صلى الله عليه و آله في معراجه فقال : ( قال رسول الله صلى الله عليه و آله : لما أسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قط فكشف لي فأراني الله عز وجل من نور عظمته ما أحب ) 11 .

من الرؤية بالعين الى عبادة الشاب الأمرد !

واصل تلاميذ كعب الأحبار في زمن عمر وبعده ، نشر أفكار التجسيم وكذبوا على النبي صلى الله عليه و آله في حديث أنه رأى ربه على صورة شاب أمرد ! وأن الله خلق آدم على صورته ، وأن لله يداً حقيقية وساقاً ، يضعها في جهنم فتمتلئ ! وكان من أبرز من نشرها من سموه ( الإمام ) أبو الزناد وهو موظف حكومي ليس من العلماء ولا رواة الحديث .
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء : 8 / 103 : ( قال ابن القاسم : سألت مالكاً عمن حدث بالحديث الذي قالوا : إن الله خلق آدم على صورته ، والحديث الذي جاء : إن الله يكشف عن ساقه وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد ، فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً ونهى أن يحدث بها أحد ! فقيل له إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به فقال : من هو ؟ قيل ابن عجلان عن أبي الزناد ، قال : لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء ولم يكن عالماً وذكر أبا الزناد فقال : لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات ) . انتهى .
ومعنى كلامه أن الراوي الأصلي لهذا الحديث أبو الزناد وهو متهم ، لأنه كان عاملاً عند بني أمية فهو موظف عندهم ينشر أحاديث التجسيم لكعب الأحبار وغيره من اليهود التي تبنت السلطة نشرها ! وهو نص يكفي الباحث ليعرف أن الدولة الأموية قد تبنت تجسيم اليهود من القرن الأول ودسته في أحاديث النبي صلى الله عليه و آله ووظفت رواة ينشرونه في المسلمين !
وما زال الوهابيون مصرين على ثقافة كعب الأحبار كما ترى في فتاوي ابن باز : 4 / 368 / فتوى رقم 2331 ، قال : ( خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً . . . وهو حديث صحيح ، ولا غرابة في متنه فإن له معنيان : الأول : أن الله لم يخلق آدم صغيراً قصيراً كالأطفال من ذريته ثم نما وطال حتى بلغ ستين ذراعاً ، بل جعله يوم خلقه طويلاً على صورة نفسه النهائية طوله ستون ذراعاً . والثاني : أن الضمير في قوله ( على صورته ) يعود على الله بدليل ما جاء في رواية أخرى صحيحة ( على صورة الرحمن ) . انتهى .
وقد كنا نقول لعلماء الوهابية كيف تدعون أنكم ترفعون لواء التوحيد وأنتم مشبهة مجسمة تعبدون شاباً أمرد ! فتثور ثائرتهم ، حتى ناقشهم الحافظ حسن السقاف في قناة المستقلة ، وأفحمهم بأن إمامهم ابن تيمية صحح حديث الشاب الأمرد وبنى عليه عقيدته وأعلن عبادته! وفيما يلي خلاصة موضوع نشره أحد الإخوة في شبكة هجر ، وثق فيه هذه عبادتهم لصنم أمرد : ( صورة من / 241 ، المجلد الثالث من كتاب ( التأسيس في الرد على أساس التقديس ) مخطوط لابن تيمية ، وقد حصلنا عليها من مقدمة السيد ( حسن السقاف ) وفقه الله لكتاب ( القول الأسدّ ) للسيد عبدالعزيز الغماري رحمه الله / 6 ، وهذا كامل الصفحة : قال ابن تيمية : ( من رواية ابن أبي داود أنه سُئل ابن عباس : هل رأى محمد ربّه ؟ قال : نعم . قال : وكيف رآه ؟! قال : في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ ، كان قدماه في خضرة . فقلت لابن عباس : أليس في قوله تعالى : ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ 3؟ قال : لا أمّ لك ! ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلّى بنوره لا يدركه شئ . وهذا يدل على أنه رآه وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر وقدماه في خضرة ، وأن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية والمُجاب عنها بما تقدّم ، فيقتضي أنها رؤية عين! كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : رأيتُ ربي في صورة أمرد ، له وفرة ، جعد ، قطط في روضة خضراء ) ! انتهى . وهذا المخطوط نقل منه أحد السلفيين ممن لا يتهم على ابن تيمية وهو منصور بن عبد العزيز السماري المدرس بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، في تحقيقة وتعليقه على كتاب ( نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد).
وفيه ما يلي : الكتاب : نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد للإمام عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة ( 280 ) حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه منصور بن عبد العزيز السماري مكتبة أضواء السلف ـ لصاحبها علي الحربي الطبعة الأولى 1419هـ ـ 1999م في صفحة 438 : المتن : ( وروى المعارض عن شاذان عن حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ( ص ) قال : دخلت على ربي في جنة عدن شاب جعد في ثوبين أخضرين! قال السماري في الصفحات / 438 ـ 447 : ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض تأسيس الجهمية ( 3 / ل 216 / ب ـ ل217 / ب ) عن الخلال عن المروذي أنه قال عقب روايته للحديث السابق : قلت لأبي عبد الله : فشاذان كيف هو ؟ قال : ثقة وجعل يثبته وقال : في هذا يشنع علينا ! قلت : أفليس العلماء تلقته بالقبول ؟قال : بلى . وقال ابن تيمية أيضاً في ( 3 / ل241 أ ) : كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) : رأيت ربي في صورة أمرد ، له وفرة ، جعد ، قطط ، في روضة خضراء . وقال ابن كثير في تفسيره : 6 / 448 : إسناده على شرط الصحيح.
المخطوطة في جامعة الرياض / عمادة شؤون المكتبات رقمها : ( 2590 ) والموجودة في المسجد النبوي مصورة عنها وموثقة من قبل المكتبة المذكورة برقم تصوير : 551 / أ هـ بتاريخ20 / 3 / 1399 ) .
أقول : معنى شاب أمرد : غلام لم تنبت لحيته . وله وَفْرة : أي شعر طويل الى شحمة الأذن ، ( الوفرة : الشعر إلى شحمة الأذن ، ثم الجُمَّة ، ثم اللُّمة ، وهي التي ألمَّت بالمنكبين ) 12 .
والمضحك في شكل معبودهم الغلام : أنه له وفرة ويصل شعره الى شحمة أذنه ، وفي نفس الوقت جَعْدٌ قَطَط! وفي لسان العرب : 7 / 380 : ( القطط : شعر الزنجي . يقال : رجل قطط وشعر قطط وامرأة قطط . . . وجعدٌ قططٌ ، أي شديد الجعودة ) . وفي صحاح الجوهري : 3 / 1154 : ( جعد قطط أي شديدة الجعودة ) . وفي مقاييس اللغة : 5 / 13 : ( الشعر القطط وهو الذي ينزوي خلاف السبط كأنه قط قطاً ) . وفي نهاية ابن الأثير : 4 / 81 : ( في حديث الملاعنة : إن جاءت به جعداً قططاً فهو لفلان . القطط : الشديد الجعودة ) .
فإذا كانت له وفرةٌ وشعر طويل ، فلا يكون شعره مجعداً قَطَطاَ قصيراً كشعر الزنجي . وإن كان جعداً قططاً فلا يكون له وفرة !
فلا بد أن يكون قصدهم أن هذا الغلام الصنم في شعره معجزة ، فهو مُجَعَّد خشن قصير ، ومع ذلك يصل الى شحمة أذنيه ! لكن معناه أن شعره كمكانس البلدية المتخذة من شوك صحراوي ! 13 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا