الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

والد ابراهيم تارح او آزر ؟

نص الشبهة: 

ذكرت التوراة : أنّ والد إبراهيم ( عليه السلام ) هو ( تارَح ) بِراءٍ مفتوحةٍ وحاءٍ مهملة ( سِفر التكوين ، إصحاح 11 / 27 . ) . وجاء في القرآن : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ ... .

الجواب: 

قال الزجّاج : لا خلاف بين النسّابين أنّ اسم والد إبراهيم ( عليه السلام ) تارَح ، ومِن المُلحِدة مَن جعل هذا طعناً في القرآن ، وقال : هذا النسب ـ الذي جاء في القرآن ـ خطأ وليس بصواب .
وحاول الإمام الرازي الإجابة عن ذلك ، بأنّه من المحتمل أنّ والد إبراهيم كان مسمّىً باسمين ، فلعلّ اسمه الأصلي آزر ، وجعل تارَح لقباً له ، فاشتهر هذا اللقب وخَفي الاسم ، والقرآن ذكره بالاسم 1 .
ويتأيّدُ هذا الاحتمال بأنّ ( تارَح ) بالعِبريّة يُعطي معنى الكسول المتقاعس في العمل 2 .
أمّا ( آزر ) فهو النشيط في العمل ؛ لأنّه من ( الأَزر ) بمعنى القوّة والنصر والعون .
ومنه ( الوزير ) أي المُعين ، قال تعالى حكايةً عن موسى بشأن هارون : ﴿ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي 3 وهذا المعنى قريب في اللغات الساميّة ، ومن ذلك عازر وعُزير في العِبريّة ، وجاءت المادّة بنفس المعنى في العربيّة ، قال الله تعالى : ﴿ ... فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ... 4 ، ومعلوم أنّ العين والهمزة يتعاوران في اللغتين العِبريّة والعربيّة 5 .
فلعلّ اسمه الأصلي كان ( آزر ) بمعنى النشيط ، لكنّهم رأوا منه كسلاً وفشلاً في العمل والهمّة فلقبّوه بتارح ، وكما اشتهر نبيّ الله يعقوب بلقب ( إسرائيل ) .
* * *
أمّا مفسّرو الشيعة الإماميّة فيَرونَ أنّ ( آزر ) هذا لم يكن والد نبيّ الله إبراهيم ( عليه السلام ) وإنْ كان إبراهيم يدعوه أباً ؛ لأنّ ( الأب ) أعمّ من الوالد ، فيُطلق على الجدّ للأُمّ ، وعلى المربّي والمعلّم والمرشد ، وعلى العمّ أيضاً ، حيث جاء إطلاق الأب عليه في القرآن ، فقد حكى الله على أولاد يعقوب قولهم : ﴿ ... نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ ... 6 ، وإسماعيل كان عمّاً ليعقوب .
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي : والذي قاله الزجّاج يُقوّي ما قاله أصحابُنا : أنّ آزر كان جدّ إبراهيم لأُمّه ، أو كان عمّه ؛ لأنّ أباه كان مؤمناً ، لأنّه قد ثبت عندهم أنّ آباء النبي ( صلّى الله عليه وآله ) إلى آدم كلّهم كانوا مُوحّدين لم يكن فيهم كافر ، ولا خلاف بين أصحابنا في هذه المسألة .
قال : وأيضاً رُوي عن النبي ( صلّى الله عليه وآله ) أنّه قال : ( نَقَلني اللهُ مِن أصلابِ الطّاهرينَ إلى أَرحامِ الطّاهراتِ ، لمْ يُدنّسني بِدَنسِ الجاهليّةِ ) . وهذا خبر لا خلاف في صحّته 7 ، بطرق الفريقين أحاديث متضافرة أنّه ( صلّى الله عليه وآله ) قال : ( لمْ أَزَلْ أُنقلُ مِن أصلابِ الطّاهرين إلى أرحامِ الطّاهراتِ ) . راجع : التفسير الكبير : 13 / 39 ، والدرّ المنثور : 6 / 332 ، مجمع البيان : 7 / 207 . ، فبيّنَ النبيُّ ( صلّى الله عليه وآله ) أنّ الله نقله من أصلاب الطّاهرينَ ، فلو كان فيهم كافر لما جاز وصْفُهم بأنّهم طاهرون ؛ لأنّ الله وَصف المشركينَ بأنّهم أنجاس : ﴿ ... إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ... 8 .
قال : ولهم في ذلك أدلّة لا نطوّلُ بذكرها الكتابَ ؛ لئلاّ يخرج عن الغرض 9 .
* * *
وللإمام الرازي هنا بحث طويل وحُجج أقامها دعماً لما يقوله مُفسّرو الشيعة ، وأخيراً يقول : فثبت بهذه الوجوه أنّ ( آزر ) ما كان والد إبراهيم ( عليه السلام ) بل كان عمّاً له ، والعمّ قد يُسمّى بالأب ، كما سمّى أولادُ يعقوب إسماعيلَ أباً ليعقوب ، وقال النبي ( صلّى الله عليه وآله ) بشأن عمّه العباس حين أُسِر : ( ردّوا عليَّ أبي ) .
قال : وأيضاً يُحتمل أنّ ( آزر ) كان والد أُمّ إبراهيم ، وهذا قد يقال له الأب ، والدليل عليه قوله تعالى : ﴿ ... وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ... 10 إلى قوله ﴿ ... وَعِيسَى ... 11 ، فجعل عيسى من ذرّية إبراهيم ، مع أنّه ( عليه السلام ) كان جدّاً لعيسى من قبل الأُمّ 12 .

* * *
ولسيّدنا الطباطبائي تحقيق بهذا الشأن ، استظهر من القرآن ذاته أنّ ( آزر ) الذي خاطبه إبراهيم بالأُبوّة وجاء ذلك في كثير من الآيات لم يكن والده قطعيّاً .
وذلك أنّ إبراهيم في بداية أمره حين كان بين أَظهُر قومِه من أرض كِلدان ، وكان تحت كفالة آزر ، وقد حاجّ قومه وحاجّ أَباه كثيراً وفي فترات ومناسبات مؤاتية ، وكان أبوه آزر يطارده ويؤنّبُه على جُرأته على آلهة قومه : ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا 13 .
فإبراهيم هنا قد وَعَد أباه أنْ يستغفرَ له ، وبالفعل وَفيَ بِوعده : ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ * وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ 14 .
لكن سُرعان ما رجع عمّا كان قد رجا في أبيه خيراً ، ومِن ثَمّ تبرّأ منه حين لم يرجُ فيه الصلاح ويئِس منه ، قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ 15 .
هذا في بداية أمره قبل مغادرة بلادِه وقومِه قاصداً البلاد المقدّسة ، والدليل على ذلك أنّه يبدأ الدعاء بقوله : ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ 16 الخ .

* * *
وبعد ذلك يأتي دورُ مغادرتِه إلى الأرض المقدّسة ، ويبتهل إلى الله أن يرزقَه أولاداً صالحين . ﴿ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ * وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ 17 .
وهنا يُجيب الله دعاءه : ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ 18 .
ثمّ إنّه لمّا كَبُر ابنه إسماعيل وبنى البيتَ الحرام نراه يدعو لوالديه ويستغفر لهما : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ 19 إلى قوله : ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ 20 .
قال العلاّمة الطباطبائي : والآية بما لها من السياق والقرائن المُحتفّة بها خير شاهدةٍ على أنّ والدَهُ الذي دعا له واستغفر له هنا غير أبيه آزر الذي تبرّأ منه في سالف الأيّام ، فقد تحصّل أنّ آزر الذي جاء ذِكره في تلك الآيات لم يكنْ والد إبراهيم ولا أباه الحقيقي ، وإنّما صحّ إطلاق الأب عليه لوجود عناوين تسوّغ اللغة مثل هذا الإطلاق كالجدّ للأمّ والعمّ ، وزوج الأُمّ ، وكلّ مَن يتولّى شأن صغير ، وكذا كلّ كبير مُطاع ، ونحو ذلك ، وليس مثل هذا التوسّع في إطلاق لفظ الأب مختصّاً بلغة العرب ، بل هو جارٍ في سائر اللغات أيضاً 21 22 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا