مجموع الأصوات: 0
نشر قبل أسبوعين
القراءات: 176

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

المنحى الجديد في الفكر الإسلامي المعاصر

الذي يؤرخون للفكر الإسلامي في تقسيماته و تحقيباته الزمنية و التاريخية، يجدون إن حقبة الثمانينيات من القرن الأخير، شهدت كما يرى الدكتور رضوان السيد في كتابه (سياسيات الإسلام المعاصر: مراجعات ومتابعات) عودة لشيء من التروي و التوازن في نطاق الفكر الإسلامي و في سائر المسائل. فالوضعيات و التطورات و البيئات التي ارتبط بها الفكر الإسلامي في تلك الحقبة، فرضت عليه مسارات و سياقات مختلفة ومتغيرة، بحيث أصبح شديد الوعي بمسائله وموضوعاته، بمهماته وعلائقه، نتيجة الاقتراب المباشر و الحي من الواقع بتعقيداته و تشابكاته، تواصلاً وتفاعلاً و تحريكاً. و هو الاقتراب الذي كشف عن مناطق الفراغ الواسعة و التي كانت تتسع مع مرور الوقت في منظومات الفكر الإسلامي، كما كشف أيضاً عن الغياب الطويل عن العصر و مستجداته، وعن المعارف وتراكماتها، وعن أزمة الحضور في النطاق العالمي بأحداثه و قضاياه. لذلك فإن الانبعاث الذي حصل في الفكر الإسلامي خلال حقبة الثمانينيات جعله شديد الاندفاع و الحماس و التحريض. لكنه مع عقد التسعينيات أصبح أكثر تماسكاً و نضجاً وعقلانية، وذلك بعد زمن من التجريب و الاحتكاك و الفاعلية. وهي الشرائط التي أتاحت للفكر الإسلامي في أن يواجه ذاته و يمتحن أطروحاته و يجرب تصوراته، وينظر لطرائقه و يفحص منهجياته. فكان من المؤكد أن يزداد قناعة بضرورة التجديد و التطوير و الانتقال من المثالية إلى الواقعية، ومن الاطلاقية إلى النسبية، ومن الجمود إلى الفاعلية، ومن التراثية إلى المعاصرة، ومن الماضوية إلى المستقبلية. ولا شك إن هذه التحولات و المآلات ما كان من الممكن للفكر الإسلامي الإلتفات إليها، أو التقدم نحوها في ظل ظروف الانكفاء و الانقطاع و الانكماش، وهي الوضعيات التي كان عليها في العقود الماضية.
و لعل أهم تحول ساهم في تعزيز المنحى الجديد أو المناحي الجديدة في الفكر الإسلامي، هو ظهور جيل جديد من الباحثين و المفكرين و الأكاديميين الإسلاميين، الجيل الذي كان أكثر وعياً وإدراكاً بضرورة التجديد و التطوير في منظومات الأفكار و المفاهيم، و في مناهج النظر و طرائق البحث. ومتصفاً بثقافة معاصرة، ومستوعباً لروح العصر، ومنفتحاً على المعارف الحديثة من دون انقطاع عن تجربته التاريخية و ثوابت و أصالة المرجعية الإسلامية، و يمكن القول إنه لم يجر على الكتابات الإسلامية خلال القرون الأخيرة تأكيد و إدراك بضرورة التواصل مع العصر، كالذي نلاحظه على هذه الكتابات في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. و قد تجلت هذه الخاصية في مختلف ميادين و حقول المعارف الإسلامية، بما في ذلك الميادين الأشد تأثيراً على الفكر الإسلامي في تكويناته العقيدية و الدينية، مثل تفسير القرآن الكريم و الفقه و أصول الفقه و علم الكلام. وكان للأكاديميين الإسلاميين دورهم في هذا التطور و التأكيد عليه و النفوذ إليه. مع ذلك يبقى أمام الفكر الإسلامي مسار طويل من البناء و الإنجاز و التقدم. لأن التواصل مع العصر ليست مجرد رغبة أو دعوة و إنما هي فعل متراكم من التطور وتمثل روح التقدم و القدرة على صنع الحضور و الاندماج في العالم و المشاركة مع المجتمع الإنساني. أما الخشية من العالم و التظاهر بالخوف من التمدن، و التحصن و خلق الحواجز فهذا لا يمكن أن يبني تواصلاً أو يصنع مستقبلاً وينهض بحضارة.
من جهة أخرى أن وصف الفكر الإسلامي بالجديد، ليس هو وصفاً نهائياً، بل إنه الوصف الممكن و الأكثر تعبيراً عن توجهات الفكر الإسلامي في هذه المرحلة. فقد يتغير هذا الوصف في ظروف أخرى، لأن ماهو جديد في هذا الوقت يتحول في وقت آخر إلى وضع مختلف فهذا الوصف أساساً إنما يعبر عن مرحلة جديدة يحاول الفكر الإسلامي أن يقتحمها و يخوض غمار معركتها. فهل نجح فعلاً أم لا؟ وهل هو يتقدم نحوها أو لا؟ وهل أنجز من التطور و التقدم ما يؤهله لذلك أم لا؟ فالذي نستطيع قوله إن الفكر لإسلامي مازال أمام هذا التحدي!
كما لابد من القول إن الفكر الإسلامي الجديد ما هو إلا أحد المسارات الفكرية و ليس هو المسار الوحيد، لكنه المسار الأكثر تطوراً و نضجاً و تأكيداً على قيم التجديد و الاعتدال و الانفتاح و الوسطية و التواصل مع العصر و استشراف المستقبل.

فالفكر الإسلامي في كل مراحله و تطوراته الزمنية و التاريخية لم يكن متقولباً في مسار و خطاب واحد. بل كان متعدداً ومختلفاً و متصادماً أحياناً على النمط الذي يحدث بين التقليديين و الإصلاحيين. و قد يبرز في كل مرحلة زمنية اتجاه معين يكون الأكثر حضوراً وهيمنة، لكنه قد يتراجع في مراحل أخرى، ويتقدم عليه اتجاه آخر. وهكذا هي حركة القوانين التاريخية و الاجتماعية.
و المنحى الجديد في الفكر الإسلامي هو المنحى الذي يحاول أن يعطي الأولوية لمفهوم التقدم و التركيز عليه، و العمل على اكتشاف طرق الوصول إليه، الأمر الذي يتطلب تعميق المعرفة بهذا المفهوم و بقوانينه ومعادلاته ومقتضياته، وجعله معياراً ونهجاً في حركة الأمة، وتحويله إلى مفهوم شديد الفعالية في حياة الناس، و في مختلف مرافق حياتهم، وتنمية الوعي و الإدراك بضرورة الحاجة إليه. وهذا يعني أن يكون التقدم هو الفلسفة التي تحرك الناس و تبعث فيهم الفاعلية و النهوض بالأمل و المستقبل. فكيف نكوّن لنا فهماً و رؤية تتصف بالعمق و النضج و الشمولية لمفهوم التقدم تنطلق من وعي بالتاريخ و معرفة بالقوانين الاجتماعية، وهذا هو المنحى الذي بحاجة إلى أن يتعزز و يترسخ في منظومة الفكر الإسلامي المعاصر1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة الحج والعمرة ـ أكتوبر ـ نوفمبر 2002 م، العدد السادس.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
التحقق
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا