مجموع الأصوات: 4
نشر قبل شهر واحد
القراءات: 307

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

سنّة الإمهال والأخذ من سنن التطور الإجتماعي في القرآن الكريم

وتعني سنّة الإملاء والإمهال أنّ الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى يملي للأمّة الّتي نقضت عهدها معه، وفشلت في الاختبار التأهيليّ، فيمكّنها من مواهب الأرض، ويمتّعها بما يمكن لها أن تتمتّع به من خيرات الأرض، ويفسح لها المجال لكي يعلو على السطح كلّ ما تنطوي عليه من سريرة الشرّ، ولكي تظهر كلّ ما يكمن في داخلها من نوايا الرذيلة والإجرام، حتّى إذا تبيّن ما انطوت عليه من هويّة الإجرام والشرّ، جاءها العذاب الإلهيّ، فنفّذت في حقّها سنّة الله الأخرى؛ وهي سنّة الأخذ. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ 1.

ويأتي تنفيذ سنّة الإمهال والإملاء بعد تنفيذ سنّة التداول، وقبل تنفيذ سنّة الاستبدال، فإنّ الجماعة المؤمنة حين تتخاذل عن نصرة القيادة الإلهيّة، وتنقض عهدها معها في الطاعة والنصرة، تُنَفَّذ في حقّها سنّة التداول، فيدال منها، وتنتقل السلطة والقوّة منها إلى أعداءها المتربّصين بها، فإذا أُديل لأعدائها منها، واستقرّت قبضة أعدائها على السلطة، فسح الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى- هذه المرَّة- لهؤلاء المتسلّطين المجال، وأمهلهم، وأملى لهم- كما أملى لمن سبقهم-؛ لكي يظهروا ما ينطوون عليه من الخبث المبطّن، ولكي يعلو منهم على السطح ما أخفوه من سريرة الشرّ، ومكنون الإجرام. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَىٰ فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ 2 إلى قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ 3.

ولا يطول الأمر بهذه الأمّة المُملى لها كثيراً، بل تجري بحقّها- أيضاً- سنّة الأخذ، فتأتي أمّة أخرى لكي تختبر أيضاً هي الأخرى، فإن لم تستجب لدعوة الأنبياء، فجحدتهم من أوّل الأمر، أو آمنت بهم، وأطاعتهم بدءاً، ثمّ خذلتهم في منتصف الطريق، أملى الله لها- أيضاً- في البداية، ثمّ ينفّذ في حقّها سنّة الأخذ، فيعاقبها على جرائمها، ويأخذها أخذ عزيز مقتدر. قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ 4.

﴿ وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ 5.

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا 6.

وكيد الكافرين هو ما يعبّؤونه من الطاقات والإمكانيّات، وما يقومون به من التخطيط، وما يمارسونه من الجهد والسعي في سبيل إجهاض الحقّ، وإخفاء نوره؛ ولكن هناك كيداً إلهيّاً يخفى على الظالمين، وهو ما تخفيه لهم الأيّام من سنّة الإمهال والإملاء الّتي تعقبها سنّة الأخذ. قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ 7.

ولقد نُفذّت هذه السنّة- أيضاً- بحقّ المجموعة الأولى من أمّة محمّد (ص) الّتي خذلت رسول الله (ص) في الطاعة والنصرة، وولّت ظهرها لمواثيقها، وعهودها مع الله ورسوله، فأملى الله لها في بداية الأمر، ثمّ جاءت سنّة الأخذ، فسلبت ما كانت عليه من السلطة والمنعة والمهابة والقوّة، وأبدلت بالعزّة ذلًا، وبالقوّة ضعفاً، وبالغنى فقراً، وبالوحدة شتاتاً، حتّى عادت أذلّ أممّ الأرض بينها، مستباحاً حريمها، محتلًا أرضها، رخيصاً دمها، منهوباً مالها، مفرّقاً جمعها.

ثمّ إنّ سنّة الأخذ بعد الإملاء والإمهال، إنّما تنفّذ بحقّ الأمّة الخارجة عن طاعة الله، ونصرة أوليائه، ضمن سنّة أخرى من سنن التطوّر الاجتماعيّ؛ وهي «سنّة الاستدراج» 8.