مجموع الأصوات: 3
نشر قبل 4 أشهر
القراءات: 580

حقول مرتبطة: 

الكلمات الرئيسية: 

الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

متى تنطلق حركة التنوير في العالم الإسلامي؟

العالم الإسلامي اليوم بحاجة لأن يطلق من داخله حركة تنوير واسعة وشاملة، تجابه وتحاصر ما تفشى في محيطه وبيئته من ظواهر التطرف والعنف والتكفير، التي وصلت إلى وضع خطير للغاية. فلأول مرة في تاريخ العالم الإسلامي الحديث يظهر هذا المستوى الكمي والكيفي المتصاعد من العنف، وبهذا الاتساع الذي يكاد يمتد على طول الجغرافيا الإسلامية من المغرب غرباً إلى إندونيسيا شرقاً، ويتصاعد بطريقة يتجاوز حدود ومساحة هذه الجغرافيا ليصل إلى مناطق بعيدة ومتعدد في جغرافيا العالم، ويتحول إلى مصدر خطر يتأثر منه المجتمع الإنساني برمته، وبشكل أصبح يخيف العالم، ويظهر العالم بوجه مخيف، بعد أن تحول العنف إلى قوة ضاربة تصل إلى كل مكان من حيث نعلم ومن حيث لا نعلم.
أمام هذه الظاهرة المرعبة التي يتملكها الرغبة في القتل بتمييز أو بدون تمييز، وتحصد معها الكثير من الأرواح البريئة والمعصومة، التي لا تستثني منها الأطفال والنساء والشيوخ، وهم الفئات التي أمرتنا جميع الشرائع السماوية بمساعدتهم والإحسان إليهم، أمام هذه الظاهرة كان لابد من انبعاث حركة تنويرية تكون رداً شافياً على تلك الظاهرة، ومجابهة وعلاجاً لها.
وأخطر ما في هذه الظاهرة ذلك الجانب اللامرئي فيها، وهو عالم الأفكار الذي منه تنسج خيال الحوافز، وتخلق المسوغات ويشرع لها، وتزود الإرادة بالطاقة والرغبة والإقدام على الفعل. وهذا يعيني أن ظاهرة العنف ما تفشت في العالم الإسلامي إلا عندما تفشت الثقافة أو الإيديولوجية الحاضنة والمولودة لها، والمشجعة عليها.
واللافت في الأمر هو كيف تفشت هذه الإيديولوجية بهذا المستوى من التجذر والامتداد، وبهذه القدرة على الفاعلية والتأثير، وكأنها الإيديولوجية الغالبة والمتفوقة على غيرها من المنظومات الثقافية الأخرى! أو كأنها الإيديولوجية التي كانت تنشط في غفلة عن تلك المنظومات الثقافية! أو كأن هذه المنظومات فقدت سحرها وبريقها، وتقلص نفوذها وتراجعت، تاركة الساحة لتلك الإيديولوجية تفعل فعلها في عقول الناس.
ومهما كانت التفسيرات ومعقوليتها أيضاً، يبقى أن الجميع أخذته الدهشة والحيرة، في أن يكون لمثل هذه الإيديولوجية العمياء كل هذا الحض في التأثير والغلبة والانتشار.
ولا شك أن هذا الوضع يشكل أعظم حافز لأن يطلق العالم الإسلامي من داخله حركة تنويرية تساهم في تهذيب تلك الإيديولوجية، وإعادتها إلى رشدها، أو تساهم في اقتلاعها واجتثاثها من جذورها.
ولكي يتمكن العالم الإسلامي من إطلاق مثل هذه الحركة التنويرية، بحاجة لأن يتضامن مع ذاته في مجابهة تلك الإيديولوجية، التي جعلت العالم الإسلامي في نظر العالم، وكأنه مصدر ومنبع أفكار التطرف والعنف والكراهية، أو أنه تحول إلى مصدر خطر وتهديد على أمن وسلامة المجتمع الإنساني. ولن تتغير هذه الصورة في رؤية العالم الإسلامي إلى ذاته، أو في رؤية المجتمع الإنساني له، ما لم نتقدم باتجاه بعث حركة التنوير في داخلنا.
وفي تجارب بعض المجتمعات المعاصرة ارتبط انبعاث حركة التنوير بظروف تشابه إلى درجة، ما يجري اليوم في العالم الإسلامي، فهناك بعض الباحثين المعاصرين من يرى أن بدايات حركة التنوير في ألمانيا جاءت بعد ما سمي بحرب الثلاثين عاماً (1618ـ1648م) وهي الحرب الدينية العنيفة التي حصلت داخل الديانة المسيحية بين الكاثوليك والبروتستانت، وقد جاء التنوير لكي يضع حداً لتلك التأويلات والتفسيرات التي منها انبعثت الحرب الدينية هناك.
والسؤال الذي نطرحه نحن على أنفسنا هل أن العالم الإسلامي أصبح جاهزاً لأن يطلق من داخله حركة التنوير1.

  • 1. الموقع الرسمي للأستاذ زكي الميلاد و نقلا عن صحيفة عكاظ، العدد 14354.