الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

طاعة اولي الامر في الاسلام 3

هل كان من المعقول والمنطقي أن يترك الله الأمة الإسلامية التي ما زالت طرية العود في إسلامها وإيمانها زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من دون راعٍ وقائد بعد أن يرحل رسول الله وفقاً لقانون الله القاضي بموت كلّ إنسان والذي يشمل نبيه الخاتم محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أو أنّه لا بدّ أن يحدّد لها قائداً وولياً بعده ليقود مسيرة الأمة المظفّرة نحو إرساء حكم الله في عموم الأرض وليخرج ما تبقى من الإنسان من الظلمات إلى النور طبقاً لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ... 1، و﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ 2؟.
في هذه النقطة بالذات اختلفت الأمة بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فريقين:
الأول: قال بمقولة "النص" بمعنى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد حدّد للأمّة وليّها وقائدها ولهم على ذلك أدلة وبراهين وحجج.
الثاني: قال بمقولة "الشورى" واختيار الأمة نفسها لقيادتها، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحدّد للأمة قيادة لأنّها تملك مبدأ "الشورى" الذي يمكن الإستناد إليه، ويستدلّون على ذلك بنصوص من القرآن لدعم هذا المبدأ كما في قوله تعالى: ﴿ ... وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ... 3.
وهذا الإفتراق بين هذين القولين يعني في واقعه أنّ هناك اختلالاً ما قد حصل في العنصر الثاني من عناصر المشروع الإلهي القائم على الثلاثية وهو "القيادة"، وهذا الإختلاف أدّى إلى حصول أول شرخ بين أبناء الأمة بين مؤيّد ومعارض لكلٍّ من الرأيين، إلّا أنّ هذا الشرخ بقي في حدوده النظرية ولم يتعدّ ذلك إلى ممارسات سلبية تؤثر على مسيرة الدين الجديد وامتداد دولته واتساع حركة المؤمنين به، حرصاً من الجميع على عدم الوقوع في أمورٍ لا تُحمَد عقباها، وعلى أمل التمكّن من التخلّص من هذا الشرخ في وقتٍ لاحق بحيث تعود اللُّحمة بين الجميع كما كانت زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
والأدلة التي استند إليها الفريق الأول القائل بـ"النص" كثيرة موجودة في القرآن والسُّنة بشكلٍ وافر، فمن القرآن قوله تعالى:
1 – ﴿ ... قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ... 4.
2 – ﴿ ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا 5.
3 – ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ 6.
وأمّا من السُّنة النبوية فنختار الروايات التالية:
1 – حديث الغدير المعروف الذي ورد فيه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (من كنت مولاه فعلي مولاه).
2 – (إنّي تاركٌ فيكم الثقلين – كتاب الله – وعترتي – أهل بيتي،... وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).
3 – (علي مع الحق، والحق مع علي، يدور معه حيثما دار).
ورأي الفريق الأول هو الأوفق بالمشروع الإلهي وعناصره الثلاثة، وبالخصوص العنصر الثاني، لأنّنا نتكلم هنا عن عقيدة وبرنامج وضعه الله للبشرية، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، ومن يختاره لقيادة دينه في الأرض، وكما أنّ الله عزّ وجلّ هو الذي اختار الأنبياء ومنهم نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لقيادة مشروعه الإسلامي للبشرية، كذلك تكفّل بتعيين القيادة للأمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الإمام علي (عليه السلام) ومن بعده أبناؤه الأئمة الأحد عشر الذي ما زال آخرهم وهو المهدي المنتظر (عج) حياً غائباً عن الأبصار حتى يأذن الله له بالخروج.
فحديثنا إذن ليس عن عقيدة دنيوية محض حتى يكون للناس قرارها المستقل في تعيين قيادتها، لأنّ العقيدة الإسلامية تربط بين الحياة الدنيا والآخرة بطريقةٍ متوازنة تماماً تحتاج في إقامة قواعد هذا التوازن في حياة البشر إلى القيادات المؤهلة القادرة على القيام بأعباء تلك المهمة الجليلة والخطيرة في آنٍ معاً.
والذي يؤكد صوابية اختيار الله للقيادة بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما ورد عن الإمام زين العابدين عندما يتحدث عن عصمة الأئمة (عليهم السلام) فيقول: (الإمام منّا لا يكون إلّا معصوماً، وليست العصمة في ظاهر الخلق فَيُعْرَف بها، ولذا وجب أن يكون منصوصاً).
هل حصل تصحيح لهذا الأمر بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أم لا؟ وإن حصل، فهل تمكن هذا التصحيح من إعادة الأمور إلى نصابها كما كانت زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ الجواب عن ذلك في المقالة اللاحقة.
والحمد لله ربّ العالمين7.