الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

طاعة اولي الامر في الاسلام 2

كان السؤال في المقالة الماضية هو (أين تحقق المشروع الإلهي في تاريخ الأمة الإسلامية وأين أخفق؟ ولماذا؟
قبل الإجابة على السؤال لا بدّ من التمهيد بمقدمة نراها ضرورية وهي (أنّ الأمة الإسلامية قبل أن يرسل الله لها خاتم الأنبياء محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تعيش في ظلّ جاهلية عن الدين والإعتقاد بالله عزّ وجلّ كإلهٍ واحدٍ أحد لا شريك له، وكانت بدلاً عن ذلك تعبد أصناماً بحجّة أنّهم وسائط لعبادة الله كما قالوا في الجواب ﴿ ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ... 1، مُضافاً إلى أنّهم لم يكونوا يملكون وضوحاً حول برنامج حياتهم ممّا حدا بهم لأن يسنّوا قوانين وتشريعات تنطلق من واقع الحياة التي كانوا يعيشون وفق الظروف والأحداث والقضايا التي كانت تحصل في حياتهم، ومن الطبيعي في العرف البشري أنّ واضع القانون لا بدّ أن يلحظ مصالحه أولاً من موقع قوته، ثمّ يلاحظ بعد ذلك مصلحة الآخرين،
وبمعنى آخر فإنّ مثل هذا القانون البشري لن يكون قادراً على إنتاج عدالة إجتماعية وإنسانية، وما يؤكّد هذا المعنى ما قاله جعفر بن أبي طالب في محضر ملك الحبشة:(... كان إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد)، فهذا الإعتراف يتضمّن طريقة الحكم آنذاك، حيث كان القوي يستطيع أن يفعل أيّ شيء والقانون إلى جانبه، بينما المستضعف والفقير لا يستطيع أن يخرج من أسر العبودية والإسترقاق والإستضعاف، وإذا حاول أن يفعل شيئاً فالقانون سيكون ضدّه وهو له بالمرصاد، ويضاف إلى هذا ما كان يحصل من جرائم بشعة بحقّ الإنسان في الحياة إذا كان أنثى من الدفن في الأرض حية بحجّة عدم التعرّض للذل والعار وفق مقاييس ذلك العصر الجاهلي، ويضاف أيضاً انتشار ظاهرة البغاء وأمثال هذه الأمور بشكلٍ علني ومباح، مع ما كان يترتّب على ذلك من فساد في الأنساب والمواريث، وكانوا يُلْحِقُونَ الولد بأبيه بناءً على الشبَه أو قول صاحبة راية البغاء وما شابه ذلك من منكرات كانت متعارفة بين أوساط ذلك المجتمع.
في ذلك الظلام المعنوي والروحي الطاغي الذي كان يلف حياة البشرية كلّها، أرسل الله سبحانه نبيه محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ليكون النور الذي ينير تلك الظلمة ويبدّدها لتتوضح معالم الطريق أمام البشرية المتعطّشة للحق والعدل واعتبار الإنسان كقيمة روحية وإنسانية ومعنوية بدلاً من التعامل معه كسلعة وبضاعة.
وبعبارةٍ أخرى أنزل الله نظرية الإعتقاد بوحدانية الله مع ما يستتبعها من باقي مفردات النظرية الشاملة للكون والحياة والإنسان، ثمّ أرسل القيادة التي تؤمن بتلك النظرية وتسعى لإرسائها في أرض الله عزّ وجلّ.
ومن هنا بدأ النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغ الرسالة الإسلامية إلى الناس مبتدئاً بالأصل الأساس (قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا)، ثمّ صار يوضح لهم مفردات النظرية وبعضاً من برنامجها العملي بما يتناسب مع العقول ووفق قدراتها الفكرية على التحمّل والإستيعاب لنظرية جديدة ذات برنامج شامل لمفردات الحياة، وهكذا بدأت الناس شيئاً فشيئاً تؤمن بهذا الدين الجديد الوافد مع رعاية وإشراف تامّين من القائد الحكيم والرسول المسدّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبدأ أصحاب الحكم والمطامع في مجتمع قريش يحاربون على أمل إسقاط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودينه وبرنامجه، وجرى ما جرى من صعوبات وعراقيل وعوائق، إلى أن كانت هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة وسنحت الفرصة للكثير من المترقبين لكي يعاينوا بوضوح الفوارق بين مجتمع الإسلام القائم على أسس النظرية الإسلامية وبين المجتمع الجاهلي القائم على الأسس المصلحية والفئوية، وهذا ما دفع بالكثيرين من هؤلاء إلى الدخول في الدين الجديد لما رأوا فيه من نفوسهم وذواتهم التي كانت ضائعة وتائهة في بحرٍ من القوانين والعقائد والأعراف والعادات التي تسلخ في الكثير من مفرداتها عن الإنسان إنسانيته وتجعله سلعة في سوق التجارة للبيع والشراء لا غير.
ولم تمضِ سنوات ثمانٍ على الهجرة إلى المدينة حتى عاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة مُنهياً عهد عبادة الأصنام، ومُعلناً بدء عهد عبادة الرحمن، وتشكّلت نواة الدولة الإسلامية الأولى في تاريخ البشرية، وكان السبب لإرساء قواعدها هو اجتماع العناصر الثلاثة الرئيسة للمشروع الإلهي (النظرية وبرنامجها والقيادة الشرعية وإيمان الناس).
ثمّ تمكنت تلك الدولة الوليدة من الإنتصار بتلك العناصر الثلاثة مع خللٍ معين سنوضحه في المقالة اللاحقة على أكبر دولتين في ذلك العصر وهما "الدولة الفارسية" و"الدولة البيزنطية" وامتدّ الإسلام وتبعاً دولته لتصبح أكبر دولة عرفها تاريخ الإنسانية حتى ذلك الزمن.
والحمد لله ربّ العالمين2.

 

  • 1. القران الكريم: سورة الزمر (39)، الآية: 3، الصفحة: 458.
  • 2. نقلا عن الموقع الرسمي لسماحة الشيخ محمد توفيق المقداد حفظه الله.