الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

العلاقة بين الدين و الحضارة

من البحوث المثيرة للجدل والنقاش ؛ البحث عن العلاقة بين الدين والحضارة ، وفي هذا المجال فجّر ( ماكس‏ فيبر ) قبل عدة عقود من الزمن قنبلة صوتية متأثراً بالأجواء العلمانية السائدة في فرنسا والتي كانت الدافع له في‏بحوثه الاجتماعية ، فادعى أن الدين عائق دون التقدم البشري ، والتطوّر الحضاري . وحاول أن يستدل على صحة فكرته هذه ببيان أن أوروبا لم تستطع التخلص من التخلف إلا بعد أن تحررت من هذا العائق ، وأن المسلمين الأكثر التزاماً بدينهم هم الأكثر تخلفاً وبعداً عن الحضارة.

ولكنّ البحوث التي أسهمت في تطويرها مجموعة كبيرة من علماء الاجتماع دلّت بما لا يقبل الشك أن الدين ليس معوّقاً للتقدم الحضاري ، بل إننا نجد في أكثر الديانات حوافز وبواعث تدعو إلى التطوّر الحضاري.

الدين ليس معوقا

وكمقدّمة لبحث معالم الحضارة الربانية ، نريد إلقاء بعض الضوء على هذا الموضوع الشائك . فلا ريب أن هناك بعض‏المعوّقات في بعض الديانات ، ولكننا عندما نعود إلى جذور هذه الديانات نجد أنها في الأغلب نقية من تلك المعوقات ،وأن الأفكار المنحرفة تحوّلت إلى جزءٍ من تلك الديانات بفعل مرور الزمن ، وهذه الظاهرة لا تقتصر على الديانات ؛ بل‏تنسحب أيضاً على المذاهب الفلسفية التي يعتقد بها البعض ، الأمر الذي يطرح تساؤلاً ؛ وهو: لماذا نجد أن الدين في بداية انطلاقه وانبعاثه يوصي بالسعي ، والتحرك ، والحماس ، والإيثار ، ولكن هذا الدين ذاته يتحوّل شيئاً فشيئاً في ذهن‏معتنقيه إلى سبب للتخلف ، وعامل للجمود والسكون ؟

الإسلام فجر طاقات التقدم‏

ومن أجل الإجابة على هذا التساؤل لا بأس أن نضرب مثلاً من واقعنا ـ نحن المسلمين ـ فنحن نعلم ـ كما يشهد بذلك‏العالم بأسره ـ أن الإسلام فجرّ في ضمير الإنسانية طاقات التقدم ، والتطور ، وأعطى البشرية شحنات حضارية قوية ما تزال أمواجها تنير الدرب أمام كل من يريد التقدم ، واليوم لم يعد هناك أحد في هذا العالم سواء كان غربياً أم شرقياً ، مؤمناً أم ملحداً ، مسلماً أم غير مسلم ، ينكر هذه الحقيقة ، لأنها فرضت نفسها على التاريخ .
صحيح أن الكنيسة من جهة ، والمستشرقين والملحدين والعلمانيين من جهة أخرى حاولوا أن يلصقوا بالإسلام تهماً معينة ، وأن يغمطوا حقه ؛ بل إن بعضهم حاول أن يسند التقدم الذي حدث لدى المسلمين إلى بعض العوامل الجغرافية و التاريخية ، كفكرة الدورات الحضارية وما إلى ذلك ، ولكننا عندما نقرأ اليوم كتاباً لأحد المستشرقين أو عندما نطالع‏نصوصاً لعلماء كبار في المسيحية ، أو حتى عندما نقرأ توصيات وقرارات المجامع المسيحية الكبرى مثل الفاتيكان نجد أن‏تلك التهم قد ذابت ولم يعد لها صيت .

مفارقة فهم القرآن‏

وبناءً على ذلك ؛ فإن الدور الذي لعبه الدين الإسلامي في تقدم المسلمين يعدّ حقيقة تاريخية لا يشك فيها اثنان ممّن ‏أوتيا نصيباً من العلم ، ولكن البعض هنا وهناك يتخذون من الإسلام وسيلة لتبرير جمودهم وتقاعسهم ، وتبريراً لكسلهم وتفرّقهم وبالتالي تخلّفهم ، فلماذا هذه المفارقة ؟
فالقرآن هو نفسه القرآن الذي كانت الآية منه تفجر وتحرّك طاقات الملايين من البشر في اتجاه العمران والتقدم ، ولكن‏هذه الآية القرآنية نفسها عندما تتلى عليّ فإني استوحي منها حالة الجمود ، والركود ، والتقاعس ، فكيف نستيطع أن نحلّ‏هذه المفارقة ؟
عندما نطرح هذا السؤال على القرآن الكريم نفسه ، نجد الإجابة الواضحة والصريحة عليه ، ونكتشف أن هذه الإجابة مطابقة لما تحكم به عقولنا ؛ ففي بعض الأحيان عندما تطرح على الآخرين لغزاً فإنهم يحتارون في كيفية حلّه ، ولكنك‏عندما تقدم لهم حلّ هذا اللغز فإن الجميع سوف يؤيدونك ، لأنهم سيدركون أن هذا الحلّ هو الحل المتناسب مع ما تقتضيه عقولهم ، فكيف نستطيع حلّ اللغز المشار إليه ؟
إن الجواب نجده في القرآن الكريم ، وخصوصاً في الآية التالية التي جاءت بعد بيان التوجه الإيماني عند جيل من‏الأجيال .
﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ 1.
ولا بأس أن نذكر في هذا المجال آيات أخرى تحل مشكلة أساسية ليس في حقل العلم والمعرفة فحسب ؛ وإنما في الحقل‏الاجتماعي ، والتبريري والشخصي . ففي سورة مريم يقول القرآن الكريم بعد ذكر مجموعة من الأنبياء ابتداءً من إبراهيم ،ثم يعقوب ، وإسحاق ، وموسى ، وهارون ، وإسماعيل ، وإدريس‏عليهم السلام : ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ﴾ 2.
وفي آية أخرى نقرؤها في سورة الحديد ، يقول تعالى : ﴿ ... لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ... 3، ويقول عز وجل موجّهاً خطابه للمؤمنين : ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ... 4.
وهذا هو النصف الأول من الآية ، أما النصف الثاني فهو : ﴿ ... وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ 4.

هبوط روح الحضارة عند اتباع الأديان‏

وهذه الفكرة نجدها في مجموعة أخرى من الآيات وخصوصاً في قصة بني إسرائيل والتدرّج الحضاري الذي سلكوه ، ومن هذه الآيات نستنتج أن الإنسان في بدء نزول القرآن عليه أن يتلقى الوحي من قبل مجموعة إيمانية مخلصة ونزيهة ، وهؤلاء يتلقون الوحي بفطرتهم ، ويتفاعلون معه بهذه الفطرة النقية ، ولكن الروح الحضارة لا تلبث أن تخبو فيهم شيئاً فشيئاً بسبب طول الأمد ، وبسبب خشيتهم من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى وركونهم إلى الدنيا .
ومن هذا المنطلق ؛ فإن هناك الكثير منا يبدؤون بتفسير الآيات القرآنية تفسيراً مختلفاً ، ويغيّرون الكلم عن مواضعه ؛ فهم لا يغيّرون الآيات نفسها ، وإنما يغيّرون تفسيرها ، ويؤوّلونها تأويلات متطابقة مع أهوائهم وميولهم ، ويحاولون أن‏يفتشوا عن آيات متشابهة يتبعونها ، ويتركون الآيات المحكمة الصريحة .
والأدهى من ذلك أن ظاهرة أخرى أكثر خطورة تنتشر بينهم ، وهي أنهم يتوارثون بعض أفكارهم المتخلّفة ، ثم يضفون‏عليها القداسة ، كأن يخلطوا الدين بالتراث ، في حين أن الدين يمثل برنامجاً واضحاً ، فكل ما يوصي به يسمى ديناً ، وأما ما يطبّقه الإنسان من سيرة السلف والأولين فهو ليس بدين ، بل هو تطبيق ديني لفترة معيّنة من التاريخ . وبناءً على هذا فإن علينا أن لا نجمد على سلوكهم ، ونستنبط من هذا السلوك الأحكام الشرعية ، لأن هذا العمل يمثل خلطاً بين الدين‏والتراث .
وقد جاءت الكثير من الآيات القرآنية لتحارب هذه الرؤية المتحجّرة ، كقوله تعالى : ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ ... 5، وقوله : ﴿ ... أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ 6. . فلماذا ـ إذن ـ نتبع آباءنا ، ونجمد على سلوكهم وسيرتهم والقرآن يقول : ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ 7؟ فتلك‏أمة ونحن أمة ، وذلك جيل ونحن جيل آخر ، ( والناس ـ كما يقول الإمام علي‏عليه السلام ـ بزمانهم أشبه منهم ‏بآبائهم‏ ) 8 .
إننا ـ للأسف الشديد ـ لم نأخذ الدين من مصادره الحقيقية المتمثلة في القرآن ، والأحاديث الشريفة ، بل ورثناه وراثة ، في حين أن الإسلام يحرّم علينا التقليد في أصول الدين ، ويأمرنا بتحكيم عقولنا في هذه الأصول ، وأن نحذر من أن نخلط بين الدين والتراث ، ونفسر هذا الدين تفسيراً خاطئاً حسب الهوى لتقسوا قلوبنا بعد ذلك ، ويطول عليها الأمد .
وإذا ما عدنا إلى التاريخ ؛ سنجد أن الآية القرآنية عندما كانت تنزل في عهد الرسول‏صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن هذه الآية كانت تفجّر في‏ نفوس المسلمين ينابيع الحنان ، والخوف ، والخشية ، فتحرّك فيهم كل المشاعر الخيّرة ، وتبعث فيهم الحوافز الإيمانية ، أما نحن فإننا نسمع أو نقرأ نفس الآية دون أن نبالي بها وكأن اللَّه تعالى عنى بها غيرنا ولم يقصدنا !

قسوة القلب‏

لقد ابتلينا بحالة قسوة القلب ، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله : ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ... 9، موجهاً خطابه إلى بني إسرائيل الذين كانوا قبل ذلك مفضلين على‏العالمين بشهادة قوله عز من قائل : ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ 10. ولكن نفس هؤلاء القوم قست قلوبهم بعد ذلك فإذا هي ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ... 9. نعوذ باللَّه من‏قسوة القلب .
ونحن إذا أردنا أن نرى ونلمس التخلف والجاهلية والركود بصورة مركّزة ، فإن بإمكاننا أن نراه في قسوة القلب ؛ فعندما يقسو القلب ، يتوقّف الزمن ، ويتخلّف الإنسان ، ويتوغّل في الجهل والجاهلية .
وعندما ترين القسوة على القلب يصاب الإنسان بحالة سلبية أخرى هي حالة ( التأويل‏ ) ، فيعد إلى تأويل‏الآيات التي تتنافى مع مصالحه ورغباته وأهوائه ، كآيات الجهاد ، وآيات وصف العذاب الشديد في الآخرة ، أما آيات‏المغفرة والرحمة فتراه يتشبث بها ؛ فهو يؤمن ببعض الكتاب ، ويكفر ببعضه الآخر كما يقول تعالى : ﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 11، ويقول : ﴿ ... أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ... 12. فالرسول الذي يعجبهم يأخذون بمنهجه ، والرسول الذي لا تهواه‏ أنفسهم يستكبرون عليه ، بل ويقتلونه .
وهناك ظاهرة أخرى من ظواهر عدم فهم الدين ، والجمود على سيرة الأولين ، ألا وهي الإضافات والبدع التي يشير إليها تعالى في قوله : ﴿ ... وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ... 13، فهذه الحالة البشرية التي‏أضيفت إلى الثقافة الإلهية هي المعوق ، لأنّ التاريخ في حالة تغيّر مستمر ، وإذا ما التزمنا بنفس الثقافة التي كانت سائدة قبل ألف سنة فإنها ستتحول إلى أكبر معوق لحركة التاريخ .
متى يعوّق الدين التقدّم ؟
إن النتائج التي توصّل إليها ( ماكس فيبر ) صحيحة من جهة ، وعلى سبيل المثال فإن الديانة المسيحية في‏القرن السادس عشر كانت كتلة من الأفكار المتخلّفة ، ونحن نعلم جميعاً ما فعلته محاكم التفتيش في أسبانيا ، وكيف أنها كانت تعاقب بالقتل والحرق من كان يقول أن الأرض كروية أو أن الشمس هي مركز منظومتنا لا الأرض وما إلى‏ذلك ، وكمثال آخر فإن المنطق الكلاسيكي ؛ أي المنطق الأرسطي كان يعدّ جزءاً من الدين المقدس ، فإن تجرأ أحد وقال:إن هذا المنطق ليس صحيحاً بادروا إلى قتله وحرقه .
وبالطبع فإن مثل هذا الدين يعتبر عائقاً لحركة التقدم ، ولكن هل كان هذا الدين ديناً إلهياً ، أم كان عبارة عن مجموعة من الأفكار المتخلّفة الرجعية سمّيت باسم الدين ، وأضفيت عليها القداسة بالباطل ؟

الجوانب المشرقة من الدين‏

أما علماء الاجتماع الآخرون الذين رأوا أن الدين ليس معوّقاً فحسب ، وإنما هو محفز وباعث إلى الحضارة فقد نظروا إلى‏الجوانب المشرقة من الدين ، وهنا لا بأس من أن أبيّن فكرتين :
1 ـ ماذا نعني بقولنا ( الجوانب المشرقة من الدين‏ ) ؟
الجواب: إننا إذا راجعنا آيات الاجتهاد والسعي والتحرّك والحيوية والتعاون والتنظيم والعقلانية . . فإننا سنجد أن هذه‏الآيات هي كتلة من الحضارة ، وأنها ينبوع التقدم . إن علماء الاجتماع الذين نفذوا إلى أعماق الدين وجدوا فيه ذلك‏الجوهر النقي ، فقرروا على ضوء ذلك أن الدين يعد أكبر محفّز للإنسان على العمل ، والنشاط والسعي والتحرّك من أجل ‏بناء الحضارة .
2 ـ الفكرة الثانية تتمثل في كلام أورده المفكر الغربي المعروف ( هاملتون جيب‏ ) الذي يعتبر مرجعاً في فهم‏ المجتمعات الإسلامية اليوم ، وهو أن علماء الدين في العالم الإسلامي هم الوحيدون القادرون على بعث الحضارة الإسلامية و تجديد المجتمع في البلدان المسلمة . و يستدل على ذلك بدليل يستحق الاهتمام والملاحظة ، وهو أن الدين‏ عندما يكون باعثاً فإنه سيكون عاملاً إيجابياً ، وإلا فسوف يكون باعثاً سلبياً يقف أمام تقدم المجتمعات .
ولا شك أن علماء الدين قادرون على أن يحركوا البواعث الكامنة في النفوس من جهة ، وأن يبينوا للناس ذلك الدين‏الحقيقي الذي يبعث على التطوير من جهة اخرى .

الثورة في النفوس‏

وهنا تحضرني كلمة لأحد علماء الحضارة ، ذات حدين ويرى بموجبها ضرورة إحداث ثورة في عمق الدين ، أي الثورة في الدين نفسه ، أو بتعبير آخر ؛ إحداث تغيير في الجانب النظري من الدين . و بالطبع فإني لا أؤيد هذا العالم في أن التغيير يجب أن يكون منصباً على الجانب النظري من الدين ، لأني أرى أن النظرية الدينية هي نظرية متكاملة لا تحتاج إلى‏ثورة ، بل إننا نحن من يحتاج إلى القيام بثورة في نفوسنا لنفهم الدين من جديد ، وهذا هو الفرق ، لأن هذا العالم يقرّر ذلك‏بصفته شخصاً علمانياً ، في حين أن الدين لا يحتاج إلى ثورة ، فالقرآن يبقى نفس القرآن ولكننا بحاجة إلى أن نرتفع إلى‏مستوى فهمه .

مسؤولية الدفاع عن الحضارة

البند الآخر من بنود الحضارة يتمثل ـ كما نستوحي ذلك من سورة المائدة ـ هو ضرورة أن يتحمل الإنسان مسؤولية الدفاع عن الحضارة ، فإذا دهمك خطر ما فإن أمامك أحد أمرين ؛ فإما أن تهرب من هذا الخطر ، وإما أن تقف في‏مواجهته ، وتدافع عن نفسك . وننظر في هذا المجال إلى الآيات القرآنية التي تضرب لنا الأمثال ، وتبين لنا حقائق غامضة عنا ، بلغة فطرية مفهومة من خلال إيراد قصة تاريخية هي قصة بني إسرائيل : ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ... 14.
والآية السابقة تقرر فكرة المسؤولية ، فلا يوجد إنسان يقول إنه ليس مسؤولاً عن أعماله ، لأنه مسؤول مهما كانت‏انتماءاته الدينية ؛ وفي هذا يقول عز من قائل : ﴿ ... بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ 14.
ولكن هذه المسؤولية بحاجة إلى أن تتكرّس ضمن أسس للدفاع عن النفس ، كما يشير إلى ذلك سبحانه في قوله : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ 15.
وهذه هي الحضارة التي أنعم اللَّه جل وعلا بها على بني إسرائيل ، ولكنها كانت بحاجة إلى الدفاع ، ولذلك قال لهم تعالى‏على لسان النبي موسى عليه السلام : ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ 16، ولكنهم تخاذلوا عن الدفاع قائلين : ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ 17.
والنتيجة الطبيعية لهذا السلوك المتخاذل هي أن الذي لا يستعد للدفاع عن حضارته ، ومواجهة التحديات ، لابد أن‏يعيش في التخلّف ( التيه‏ ) كما يشير إلى ذلك تعالى في قوله : ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ 18.

الدين حافز على التطوير

وعلى هذا فالدين حافز على التطوير ، وإذا ما رأينا أن الدين يتحوّل عند البعض إلى معوّق ؛ فإن فهمه لهذا الدين لا بُدَّ وأن يكون قد اختلط بالمفردات التالية :

  1. التراث
  2. تحريف الدين‏
  3. تأويل القرآن بالرأي وقسوة القلب .

ونحن إذا أردنا أن نتطوّر ، فلابد أن نقوم بثورة في فهمنا للدين ، لا في الدين نفسه ، ومن أبرز معالم الدين المسؤولية ؛ فكل ‏واحد منا مسؤول عن عمله ومحاسبٌ عليه ، صغيراً كان أم كبيراً ، مسلماً كان أم غير مسلم .
وعلينا أن لا ننسى في هذا المجال أن نتخذ من مبدأ ( الشك‏ ) منهاجاً في التعامل مع نظرتنا إلى الدين ، فالواحد منا ينبغي أن يسأل نفسه دائماً : من يقول إن الأفكار التي أحملها عن الدين صحيحة كلها ، فلعلّي اتبع التراث وأقلد الآخرين تقليداً جاهلاً في صياغة هذه الأفكار ؟
ولذلك ؛ كان لزاماً علينا ـ إذن ـ أن نعود إلى القرآن الكريم ، والسنة الشريفة وإرشادات الفقهاء عودةً واعيةً ، ونحذر من‏أن نتبع مجموعة من المكررات والمرتكزات التقليدية الموروثة التي قد لا تكون صحيحة ، وقد تكون مختلطة بأفكار متخلفة منحرفة وأفكار رجعية لا تتناسب مع متطلبات ومقتضيات عصرنا التي تختلف بالتأكيد عن تلك التي كانت‏ سائدة في العصور السابقة 19 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا