الأبحاث و المقالات المنشورة لا تعبر عن رأي الموقع بالضرورة ، بل تعبر عن رأي أصحابها

عوامل النهوض الحضاري‏

إنّ التدبّر في حياة الشعوب يعطينا المزيد من القدرة على صنع مستقبلنا ، وفهم واقعنا ، والعوامل المسهمة في ضعفنا ، و تلك المساعدة على نهوضنا . ومن جملة وقائع التأريخ المهمة نهوض الحضارة الإسلامية ، هذا الحدث الذي أريد أن ‏استنبط منه ثلاث قيم صعدت من خلالها الحضارة الإسلامية ، وعليها قامت ، وبسبب انعدامها هوت وتلاشت ، وهذه‏ القيم هي :

1. القيم الاخلاقية و الروحيّة

إنّ هذه الحضارة كانت مبنية على أساس القيم الأخلاقية والروحيّة ، لا على المقاييس المادية . فكانت قيمة ( عبادة اللَّه‏ ) هي السائدة في هذه الحضارة ، لا قيمة الخضوع للجبت والطاغوت ؛ وعلى قيمة الأخوة وانعدام التفاضل إلاّ بالتقوى ، لا على العنصريات والعصبيات . فلقد قاد النبي ‏صلى الله عليه وآله وسلم أناساً ينتمون إلى قبائل مختلفة في شبه الجزيرة العربية ،فكان القرشيّ إلى جانب الخزرجي ، وهذا إلى جانب الأوسيّ وهكذا . . فكانت الافضليّات والأولويات العشائرية معدومة ، بل والأكثر من ذلك إنّ مجموعات أخرى كانت تجاهد جنباً إلى جنب مع العرب ممن تنتمي إلى عناصر أخرى‏كاليهود الذين منّ اللَّه تعالى عليهم بالإسلام ؛ والروم ، والفرس بعد ذلك .
وهكذا فإنّ الجميع كانوا يُحكمون بعلاقة واحدة ، هي علاقة الإيمان وتوحيد اللَّه عز وجل ، لا علاقة الدم أو اللغة أو الأرض وما إلى ذلك من علائق طارئة ، ولذلك فإنّ العمل الصالح كان ينمو في هذا المجتمع . في حين إذا كانت ورائي‏عشيرة تساعدني وتحميني ، سواء كنت خاطئاً أم على حقّ ، أو كنت عالماً أم جاهلاً ، وعادلاً أم ظالماً . . عندما أعرف أن‏العشيرة ستحميني في كلّ الأوقات والظروف ، فحينئذ لا فرق بالنسبة لي بين أن أعمل صالحاً أو طالحاً ، ولذلك فإنّ‏الإنسان سيختار في هذه الحالة العمل الطالح ، والكسل والجهل ، والتقاعس عن العمل الصالح على الهمّة والنشاط والعلم‏والفضيلة . . أمّا عندما أدرك أنّ عملي الصالح هو الذي سيحميني فحينئذ سأتحرّك باتجاه العلم ، والعمل ، والعدالة . . ومن‏الطبيعيّ إن هذا المجتمع الذي يتسابق فيه الناس نحو الفضيلة والعلم والعمل الصالح سينمو ، ويتحرك .

2. التكامل في الحقّ و العدالة

إنّ هذا المجتمع كان مجتمع التكامل في الحقّ والعدالة ، قبل أن يكون مجتمع التنابز والتناقض . فقد كان الجميع فيه يشعرون ‏أنّ تقدّم أيّ واحد منهم يعني تقدّمهم ، ورفعة أيّ واحد منهم تعني رفعتهم . لذلك كانوا يعملون ليس من أجل أن يرتفعوا فقط ، وإنّما من أجل أن يرتفع الآخرون أيضاً . فكان هذا الشعور هو السائد الذي جعل هذا المجتمع مجتمعاً متكاملاً منسجماً ، يشعر الفرد فيه بانتمائه إلى المجتمع أكثر من شعوره بالأنانيّة والفرديّة .

3. استبعاد المصالح الشخصية

كانت الدعوة في هذا المجتمع مقصورة على العمل الصالح ، لا على المصالح والمنافع الشخصية . فكان الأمر بالمعروف‏والنهي عن المنكر صبغة هذا المجتمع ؛ فلم يكونوا يكتفون بأن يقولوا خيراً للآخرين ، ويقدّمون النصائح اللفظية لهم ، بل‏كانوا يدفعونهم إلى المعروف دفعاً ، ويسحبونهم من طريق المنكر سحباً . فكانت الجادّة أمام هذا المجتمع مستقيمة واضحة يعرفها الجميع ، ويتواصون بها .
هذه هي الميزات الثلاث في المجتمع الرساليّ ، وهي ـ كما أتصوّر ـ ملازمة لكلّ مجتمع حين تقدّمه ، ونهوضه ؛ فلا تستطيع ‏أيّ حضارة أن تنمو ، وتتقدّم إلاّ بها ، وفي حالة انعدامها ( أي انعدام هذه المزايا ) فانّ مصير هذه الحضارات‏ سيؤول إلى الدمار والانقراض .
وقبل أن تدمّر هذه الحضارات يبعث إليها الرسل والأنبياء والمصلحون ؛ أي عندما تجنح تلك المجتمعات نحو الانحدار ليوقفوا هذا التدهور والهبوط سواء نجحوا في هذه المهمّة أم لم ينجحوا فيها . ولذلك فانّ القرآن الكريم يركّز على هذه‏المراحل الزمنيّة الهامّة والخطيرة ، ويطلب منّا أن نعتبر بها . فالقرآن الكريم عندما يتحدّث عن مجتمع قوم نوح فانّه لا يحدّثنا عن مرحلة تقدّم هذا المجتمع ، بل عن مرحلة تدهوره وطغيانه ، وهكذا الحال بالنسبة إلى قوم لوط ، وعاد ، وثمود ، ومدين . . .

حضارة سادت ثمّ بادت‏

سنتحدّث عن مجتمع مدين الذي يقول عنه القرآن الكريم : ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ... 1. وكانت الكلمة الأولى التي وجّهها هذا النبيّ إلى قومه أن قال لهم :﴿ ... يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ... 1. وهذه الكلمة تعني إزالة القيم الاسطوريّة الجاهليّة المتخلّفة ، واستبدالها بقيمة واحدة هي قيمة ( عبادة اللَّه‏ ) ، والاتّصال به وحده . فنحن عندما نعبد اللَّه تعالى فانّنا سوف نعزف عن عبادة القيم‏الأخرى من مثل الشرف القبليّ ، والعنصريّة ، والأرض ، والدم ، والقومية . . من المفترض بنا أن ننبذ هذه الأساطير والأصنام والأسماء والخرافات ، لنعبد اللَّه وحده .
ونلاحظ هنا أن شعيباً عليه السلام يذكّر قومه بالميزة الأولى التي تحدّثنا عنها كواحدة من مزايا مجتمع الرسول‏صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كان‏الأنبياء جميعاً يبدؤون دعوتهم بهذه الكلمة التي هي الأساس لتغيير القيم الجاهليّة . كما كان الأنبياء عليهم السلام يستهدفون أوّلاً وقبل كل شي‏ء إزالة السلطة السياسيّة الفاسدة من المجتمع ، وإقامة سلطة سياسية إلهية محلّها ، ولذلك يقول تعالى بعد ذلك :﴿ ... مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ... 1.
وبعد أن طالب النبي شعيب‏عليه السلام بنسف السلطة السياسيّة ، بدء يشير إلى النظام الاقتصادي بما يرتبط بالميزة الثانية في ‏المجتمع الحضاري الرسالي ، ألا وهي ميزة ( التكامل‏ ) التي تتطلّب من كلّ واحد من أفراد المجتمع الرساليّ دفع‏الآخرين إلى النهوض ، والتقدّم ، والرفعة ، والعزّة . . وعلى ضوء ذلك قال النبي شعيب‏عليه السلام لقومه :﴿ ... فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ... 1. وهذه الأمور الثلاثة تدلّ كلّها على التكامل .
وأمّا بالنسبة إلى أمر ( الإصلاح‏ ) فإنّ هناك علاقة متينة بين الإنسان والإنسان ، وبينه وبين الطبيعة ، ألا وهي‏علاقة الإصلاح . فالمجتمع الرساليّ هو المجتمع الذي تكون فيه علاقته ببعض ، وعلاقته بالطبيعة هي علاقة التربية والتنمية والتقدّم والنهوض . . في حين أنّ علاقة المجتمع المتخلّف تكون علاقة الإفساد والاستهلاك والإسراف والترف .

الإصلاح ميزة المجتمع الرسالي‏

وهكذا فإنّ هذه الميزة ( الإصلاح‏ ) هي ميزة المجتمعات الرساليّة ، أمّا الإفساد فيمثّل ميزة المجتمعات‏الجاهلية المتخلّفة ، وقد قال النبي شعيب ‏عليه السلام لقومه :﴿ ... فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ ... 1؛ أي ليحاول كلّ واحد منكم ‏أداء حقوق الآخرين ، بل ليحاول إعطاءهم أكثر من حقّهم .
ثم يقول بعد ذلك :﴿ ... وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ... 1 ؛ أي ليعترف كلّ واحد منكم بحقوق الآخرين ، ومزاياهم ،وليحاول الاستفادة من هذه المزايا من خلال الاعتراف بهم . فهذا ما يجعل المجتمع يتكامل ويتعاون ويتبادل المنفعة . وقال أيضاً : ﴿ ... وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ... 1؛ أي لتكن علاقتك بالآخرين ، وعلاقة الآخرين بك ‏علاقة التكامل .
ويا ليت شعوبنا الإسلامية تعي المداليل العظيمة لهذه الآية : ﴿ ... وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ... 1، إذن‏لعرفت أن هذا الاستهلاك المستمر للموارد الطبيعية ، واستهلاك الصناعات والمنتوجات الأجنبيّة ، إنّما هو مسامير في‏نعش هذه الأمة . فالأمة الرساليّة يجب أن تنتج ، لا أن تستهلك ، وأن لا تُستثمر ؛ بل أن تتكامل مع الآخرين . فيجب أن‏لا يكون همّ الواحد منّا أن يركب سيارة حديثة مستوردة من الخارج وما شاكل ذلك ، بل يجب أن تكون جهودنا منصبّة على الصنع لا الاستهلاك ، والابتكار لا التقليد . .
إنّ هذه الميزة ( ميزة الإصلاح‏ )كانت موجودة في مجتمع النبي شعيب‏عليه السلام ، ولكنّها انتهت وتلاشت ، ولذلك ‏فإنّ شعيباً عليه السلام قام بتذكيرهم بهذه الميزة .
أمّا الميزة الثالثة التي كان يتمتّع بها مجتمع النبي شعيب‏عليه السلام ثم فقدها ، فهي ميزة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حيث‏انعكست هذه الميزة في قوم النبي شعيب ؛ فأخذوا يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ، بل ويضعون العقبات أمام‏الذين يريدون أن يعملوا المعروف ويأمروا به .
وللأسف فإن مجتمعاتنا الإسلامية انتهت إلى نفس هذا المصير ، فالمصلحون في هذا المجتمعات مطاردون وكذلك الأحرار والمفكّرون ، أمّا المفسدون الضالّون فهم الذين أمسكوا بزمام الأمور في هذه المجتمعات ، والقرآن الكريم يشير إلى هذه‏الحالة السلبيّة الشّاذة بقوله على لسان النبي شعيب‏عليه السلام : ﴿ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ 2.
انّ القرآن الكريم يصرّح في معرض حديثه عن مجتمع النبي شعيب‏عليه السلام ؛ أنّ هذا المجتمع بلغ مرحلة من الفساد والكفر دفعته إلى أن يصدّ ويعارض من يريد أن يشيع الخير والمعروف والفضيلة . وهذه هي نفس الحالة التي تسود مجتمعاتنا ؛ فكلّ الطرق مسدودة على المصلحين ، فإذا أرادوا أن يصدروا صحيفة تشيع القيم والأخلاق الفاضلة منعوهم ، كما وأنّهم ‏لا يفسحون لهم المجال لكي يتحدّثوا في وسائل الإعلام الأخرى ، في حين أن هذه الوسائل هي ملكه لا ملك أولئك‏الفاسدين ، وإذا أراد الواحد من هؤلاء المصلحين أن يخطب في الملأ العام منعوه كذلك ، وإذا أراد أن يصدر نشرة اعتقلوه‏وقدّموه إلى المحاكمة . . . وباختصار فانّهم لا يفسحون المجال ، ويسدّون جميع سبل انتشار المعروف ، والخير .
ومن الطبيعي إن مثل هذا المجتمع هو مجتمع فاسد ، وأنّ عاقبته الدمار ، كما كانت عاقبة قوم النبي شعيب ، هذه العاقبة التي ‏يحدّثنا القرآن الكريم عنها قائلاً :﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ 3.
فلنعد إلى هذه القيم ، ولنربّها في أنفسنا ، ونربّي الآخرين عليها ، ولنحاول تكريس تلك المزايا الثلاث في نفوسنا لكي‏نستطيع بناء مجتمع حضاري بإذن اللَّه 4 .

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
CAPTCHA
للاطمئنان بانك تستخدم هذه الصفحة بنفسك و ليس اليا